شرف الحاجة
أتجه إلى مدرسته بخطوات بطيئة تتلو عليه معاهدة الفشل و اليأس كلّما تطلّع بعين الغد إلى حيث اللاشيء يطارده في قرارة نفسه، فلا شيء يقوّي إيمانه بتحقيق أحلامه واليأس في عينيه يتدلّى كلّما دوى ذاك الصدى الذي يغمره بين شوقه للتفوّق وبين حظه المتّكئ على العجز.. ها قد انتهت السنة الدراسية بتفاصيلها المرّة،ولم يتغير شيئا من واقعه المتآكل بالفقر، دخل مدرسته والحسرة تملأ قلبه ودموعه بين مدٍّ و جزر… كلّما حاول التحكم بضعفه بين زملائه كأنه في محكمة تشرّع قانون الغاب و النجاح للأغنى و الكلمة للأقوى – كما يعتقد من شرف الحاجة – لأنه يعرف قرار الحكم ضده مسبقا لكن ليس أمامه ألا الامتثال لسطوته، دخل بخطوات متمايلة كأن الأرض تبتلع رزانته، ثم طرق باب غرفة المدير..
ـ خذ نتيجتك راسبا.. أيها الغبي!
ـ أعرف أستاذ أني راسب ..مذ وعيت على هذه الدنيا و الحظ المندوب لا يفارقني (تنهّد بعمق و الألم يعتصره )، ولدت يتيماً…. لم أجد سوى أمي وأختي لم أذق نعمة وجود الأب ،ولم تدفأ قدماي من صقيع الشتاء، فتحت عيني عاملا يتسكّع بين هذا العمل و عويل صاحبه، أغسل الصحون وأمسح الأرض …و حين أسترق وقتاً لأتنفس الراحة أجدني ألمّ قمامة المكان.. لأعود ليلا و الجوع جامد في فمي، و الخوف من اللصوص يسارع نبض قلبي الذي يزداد خفقانه كلما تذكّرت وجه أمي البائس من ذلّ الحياة و هي تنتظرني كي أتي إليها محملا بما تبقّى من الطعام لتسد و أختي رمقهما.
ـ لِمَ لم تقل لي من البداية؟ ( قالها بصوت حائر و الحزن ينخر في جسده الهزيل )
ـ لا تحزن أستاذي الغالي البيوت أسرار والله وحده يعلم كل شيء ،أنا لم يزعجني عدم نجاحي بقدر ما ضايقتني كلماتك الجارحة في كل مرّة داخل الصف أمام زملائي، تجرحني إلى حد يفوق طاقتي في التحمّل ، لأنها تجعلني أبكي كثيرا حين أعود ليلا من المطعم في طريقي إلى البيت كي لا يراني أحد وعندما تسألني عن سبب عيوني حمراء أبتسم بهزء من ذاتي العصيّة وأقول لها من كثرة البصل يا أمي.
ـ ماذا تقول لأمك الآن؟
ـ أمي تعرف نتيجتي من كتبي المهترئة على الرف و الغبار يكتسيها ، ربما كتبي تشكو مني لكني لا اسمع شكواها بقدر شكوى الأم من نقمة الفقر ولكني سأقول لها لم استلمها بعد لأني لا أريد أن أرى حسرتها عليّ تقتل ما تبقى في جعبتها من صبر.
ـ ألن تفرح أمك أن كنت طبيبا مهندسا أو مدرسا؟
ـ كيف لا تفرح حتى الأشجار تفرح عندما تورد أغصانها ولكن أذا قطع الماء يبست و جفّت.
ـ سأرسل لكم غدا مبلغا من المال. ـ أشكرك أستاذ أنا لا أريد أن أشكو لك فقري بل أردت فقط أن أقول لك أني لست غبيا كما تدعوني أمام الأصدقاء.!!
طالب العكيلي- الانبار























