مـقترحات لـمكافحة سرطان الـفساد

غياب إجراءات السلطات الثلاث

مـقترحات لـمكافحة سرطان الـفساد

لم يبق أحــد من المسؤولـين والنوّاب والكـُـتاب ووسائل الأعلام ، لم يلـعن الفساد ويـُسهب في توصيفـه … جميعنا ضد الفساد من رأس الهرم الى أخمص الشعب .. من هوالـفاسد أذن..!! لابد ان يكون هناك من يكذب ، ولابد أن يكون هناك مَـن يتستــّر على الفساد …! لا أريد هنا أن أتهم أحــد بعينهِ .. لأن الأتهامات والفضائح أزكمت الأنوف .. المهم أن نـجد الحل .. الفساد سرطان من النوع الذي يمكن معالجـته ، أذ ليس كل السرطانات مـُـميتة ..!

سـأنطلق من حقيقة قالها ويقولها الجميع وهي أن الفساد يـُغذّي العنف والأرهاب .. وأن العنف والأرهاب يـُشجّع ويحمي الفساد ..! وبناء عليه فأن مُحاربة العنف والأرهاب تستوجب محاربة الفساد ، والعكس صحيح أيضاً ..! طوال الزمن الفائت لم نشهد أجراءات وتدابير فعـّالة وحاسمة لمكافحـة الفساد من قبل السلطات الثلاث القضائية والتنفيذية والتشريعية ، تــُشير الى جــديـّة في هذا الأتجاه .. الأسباب كثيرة والعلل كبيرة..! ولكن أذا ما أردنا فعلاً تطويق مرض الفساد وصولاً الى تحجيمــهِ ومن ثم القضاء عليه ، لابد من أجراءات أستثنائية وجادّة أساسها الأرادة الحقيقـية والصادقـة لفعل ذلك ..!

يمكن تقسيم الأجراءات المطلوبـة الى نوعين : آنـي ومستقبلـي .. أوعلاجـي ووقائـي ، والتقسيم مبنـي على جوهــر أسباب تغلغل الفساد في مفاصل الدولـة والمجتمع .. والتي سأحاول الأشارة لها ضمن الأجراءات المقترحــة…!

الأجراءات الآنــيـّة (العلاجــية) :

1-         فك أرتباط جميع مكاتب المفتشين العموميين بكافـة كوادرها ومستلزماتها وربطها مباشرة بـهيئـة النزاهــة .. أذ لا يمكن تصوّر أن مكتب المفتش العام يستطيع القيام بدوره ومهمته على الوجـه الأكمل وهومرتبط أدارياً ومالياً ولوجستياً بالوزارة أوالدائرة الحكومية التي يتواجــد فيها .. من حيث رواتب منتسبي المكتب وعلاواتهم وحوافزهم وأيفاداتهم وتجهيزات البنية التحتية للمكاتب .. لأنه في هذه الحالة سيكون أسيراً لمن يمنح هذه المتطلبات سواء الوزير أم وكيل الوزير أم المدير العام وحتـى مدير القسم .. هذا الأرتباط يخلق تشابك مصلحـي بين مكتب المفتش العام ومسـئولي الدائرة المعنية ، وبالتالي يضع قيوداً مادية ومعنوية ومصلحية على حرية مكتب المفتش العام في أداء دوره وواجبـه.

2-         تعديل قانون العقوبات الخاص بقضايا النزاهــة بالشكل الذي يكون أحد أهم الروادع لممارسة الفساد .. وذلك باستحداث مادة (أربعـة فساد) على غرار مادة أربعة أرهاب .. أي تكون عقوبة الأعدام لكل من تثبت عليه التهمة من مستوى مدير عام فما فوق (بسبب مستوى الثقة والصلاحيات الممنوحـة لهم) … وبالسجن المؤبد لمستوى مسؤول شعبة الى مدير قسم والسجن عشرون عاماً لمن هودون ذلك على أن تـُطبـّق هذه العقوبات بأثر رجـعي وبدون أستثناءات …! لأن عقوبات قضايا الفساد المعمول بها حالياً مُـثيرة للسخرية ولا يمكن لها أن تردع فاسداً ..!

(لنتصوّر لوأن أثنين أوثلاثة من الفاسدين تم تطبيق هذه العقوبات عليهم .. ألا ينخفض مستوى الفساد مباشرة بنسبة لا تقل عن 50 – 60 بالمئة) …!!!. فمَـن امـِن العقاب .. أسـتسهلَ الفساد .

3-         ألغاء المادة القانونية التي تمنح الوزراء صلاحية منع أستجواب أي من منتسبي الوزارة بخصوص قضايا الفساد ألاّ بموافـقـتـه …!! وهذه المادة كانت سبباً في تقييد فعاليـة هيئة النزاهـة والقضاء معاً .. لوأفترضنا أن الوزير فاسد ومتواطـئ مع بعض موظفيه .. فكيف سيـُحاسَب هـؤلاء .؟

4-         تحرير القضاء من أي سطوة أوتأثير سوى القانون … مع منح القـُـضاة رواتب ومـُخصصات أستثنائية تحول دون تعرّضهم لضغوط مادية ومعيشية .. أضافــة لتوفير الحماية الكافية لهم ولعوائلهم.

الأجراءات المستقبلية (الوقائية) :

1-         لوتمعّنا قليلاً باسباب الفساد .. لوجدنا ان احــد أهم أسبابها هوفقدان الكرامـة وعزّة النفس لدى المواطن العراقي عموماً … وهذه لها أسباب كثيرة يطول شرحها ولكن يمكن أختصارها بجملة عوامل أهمها : الحروب والحصار المجرم على الشعب والأحتلال وحملات السلب والنهب التي أعقبت ذلك ثم القتل المجاني والطائفية والجوع والحرمان وعجز الدولة عن تحقيق مصالح الناس وأمنهم ومتطلباتهم …الخ

وعندما يفقد المرء كرامـته وعـزّة نفسه يـُـبيح لها أن تكسر القواعد الأخلاقية والسلوكية وحتى الدينية ، الأنهيار في منظومـة القيم الأخلاقية والسلوكية بدأ بشكل صارخ خلال فترة الحصار وما تلاها .

أذن لكي يسترجع المواطن شعوره بعـزة النفس والكرامــة .. يجب على أجهزة الدولة ومؤسساتها القيام بسلسة أجراءات تحفظ كرامة المواطن وتـُشعـِره بأهميته وقيمته ، وبان الدولـة هي لـهُ ولخدمــته …!

وهذا الأمــر يتطلب أن يتفـّهم جميع العاملين في أجهزة الدولـة أن (الدولة في خدمة المواطن) سواء أجهزتها العسكرية أم المدنية .. وان كرامة وحقوق المواطن فوق كل أعتبار آخــر .. سواء بالمعاملات أم بالأجراءات أم بالتسهيلات .. وما شابه ، لكـي يشعر المواطن الموظف وغير الموظف أن هذه دولته بحق وهذا وطنه بحق .. وعندها سيكون مواطن أيجابي من ناحية أحترامــه لنفسه وتجـنـّـب الزلل في سلوكـه العام .. وسينتج عن ذلك أيضاً حرصـه على الممتلكات العامـة وتطبيقه للقوانين والتعليمات ، وستـشيع روحية الألــفة والتعاون بين الناس .

2-         تطعيم الأجيال القادمــة بلقاح مرض الفساد ..! عن طريق أعادة النظر بكتاب (التربية الوطنية) الذي يجب أن يحتوي على الفصول الاتية والتي تعتبر من ضرورات العصر الحالي :

– فصل كامل عن الفساد بأنواعــه .. يكون مكتوب بطريقة سلسة وحسب المرحلة العُمرية للطلاب ومـُعزز بالأمثلة والشواهد والقصص .

– فصل كامل عن النزاهـــة ومعانيها وأبعادها الأخلاقية والسلوكية والدينية

– فصل كامل عن حقوق الأنسان .. من بداياتها الى وقتنا الحاضر .

– فصل كامل عن الديمقراطية .

– فصل كامل عن الوطن والمواطنة والروح الوطنية .

– يمكن أضافة فصول أخــرى مـُـعززة للفكرة.

وهنا يجب ان يبدأ تدريس كتاب التربية الوطنية هذا من الصف الأول أبتدائي ولغاية السادس أعدادي .. ولوطـُبقت هذه الفكرة بالشكل السليم المطلوب … لن نحتاج لتكرارها في المرحلة الجامعية .. لأن الطالب يكون قد حصل على مناعــة جيدة جداً من طاعون الفساد وأمثالـه.

هيـثم القـيـّم  – بغداد