الفلاح الطموح – غازي فيصل شرهان العرس

الفلاح الطموح                   (3)

غازي فيصل شرهان العرس

لقد جعلنا راحة العائلة في متنزهنا اكثر راحة من راحة الذي يذهب الى منتجع الحبانية. لان اسعارها غالية والخدمة فيها قليلة. نحن في السنة المقبلة ان شاء الله سنبني دورا في هذا المتنزه ونجهزها بالثلاجة والتلفاز والتلفون والطباخ وكل اسباب الراحة ونجعل متنزهنا يعمه حتى ابناء الخليج العربي. ان الارادة والتصميم يخلقان كل شيء ويتحدى صاحبها المستحيل، وخلال جلوسهم في الحديقة جاء احد الخدم وقال ان رجلا يرغب بزيارتكم، قال حسن فليتفضل واذا به احمد ابن الشيخ الذي باع المزرعة وخسر كل شيء جاء وهو في حالة يرثى لها بملابس رثة وجسمه كأنه هيكل عظمي وسلم بمسكنه، قال حسن اهلا وسهلا بأبن شيخنا تفضل اجلس. جلس وقد وضع يده على خده وهو خجل. قال ابارك لك يا حسن ما وصلت اليه واهنئك من كل قلبي وارجو لك المزيد، لقد كنت حاقدا عليك لانك اخذت مني زهراء فأنا لا استحقها لأني كنت ومازلت مبذرا لا انظر الى المستقبل.

لقد كانت عاقلة ومفكرة وعرفت اني ليس كفوءا لها واختارتك انا الان يا حسن من دون عمل واتسكع هنا وهناك ويعطف علي بعض الناس الذين كانوا يعملون عند والدي، واريد منك ان تجد لي عملا اعيش منه. قال حسن غالي والطلب رخيص، سأخصص لك دارا لتسكن فيها وخادماً ليخدمك وتبقى بضيافتي مدة شهر او اكثر حتى تتعود على معيشتنا واعمالنا ومن ثم اختار انت بنفسك العمل الذي يناسبك ولكن ليكن في علمك يا احمد ان عملنا هنا جديا وليس فيه لف او دوران وليس فيه حيلة او كذب. فأذا رغبت ان تعمل معنا فيجب ان تترك المشروب اولا وان تتجه الى بناء مستقبلك وسوف اجد لك عروسا تناسبك لأنك ابن شيخنا ومن الواجب ان ترفع رأسك امام كل العاملين هنا وانا وزهراء سوف نرفع من شأنك اذا انت رفعت من شأنك. امر حسن احد الحراس بأن يصطحب احمد الى دار معينة كانت خالية وقال له تكون في خدمة ابن الشيخ لحين تعيين احد غيرك. قال الخادم سمعا وطاعة. ثم اردف تأخذ جميع الشراشف وتبدلها عند مأمور المخزن بأخرى جديدة، وتأمر المطعم بأن يرسلوا وجبات الطعام الى الدار كل في حينه الى ان يستقر.

ذهب احمد مع الحارس وهو متعجب من حسن المعاملة والترحاب العظيم الذي قدمه حسن وزهراء له مع العلم انه كان عدوا لهما، انها الاخلاق اعترف احمد بأن اخلاق حسن تفوق اخلاقه وانه يستاهل كل النعم التي انعم الله عليه لأخلاقه العظيمة ولعدم وجود الغل والحقد والكراهية في قلبه.

دخل الدار الذي خصصه احمد ووجد كل اسباب الراحة من تلفزيون وثلاجة وطباخ واثاث معتبرة، وخادم يؤمن له حاجته وقال علي ان اترك المشروب والتدخين واتفرغ للعمل لأكون مثل حسن بل واحد من مئة من اخلاق حسن. لنعود الى زهراء قالت يا حسن نعم ما فعلت مع احمد ان الاناء ينضح بما فيه. فأنت اصيل وذو خلق عظيم لقد نسيت كلما بدر منه من أذى وكلام ناقص وسموت بأخلاقك الى الجوزاء عاليا مثل طموحك الذي ليس له حدود. فمن كوخ الطين الذي عشنه الى القصر المغلف بالمرمر والمزارع التي لا حدود لها. والثروة الكبيرة التي نملكها، الف شكر لله واكرر الف شكر له والحمد لله رب العالمين، وهما في جلستهما الهادئة في الحديقة جاء احد الحراس راكضا ويقول الحقنا يا عمي الحريق في حقل الحنطة. ذهب الى التلفون  وطلب المطافئ القريبة منه واخبرهم عجل الحريق.

خرج ونادى احد الحراس وقال له نادي على جميع الفلاحين ان يخرجوا الى الحقل للمشاركة في الاطفاء.

كان حسن قد وضع في محال عدة علامة علق عليها عدد من ادوات الحريق وعدد من العصي في رأسها قطعة من المطاط بقدر قدم مربع. هرع الفلاحون الى هذه المساطب واخذوا العصي والاواني وذهبوا الى محل الحريق. وما هي الا دقائق واذا بهم سيطروا على الحريق ولما قدمت سيارة الحريق شكرهم حسن واعطاهم مبلغا من المال كمكافأة لهم لمجيئهم بسرعة. اجتمع حسن بالفلاحين وقال ايها الاخوة ان الله سبحانه وتعالى قال وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان. وعملكم هذا في هذا الليل المظلم كان عملا رائعا لقد قدمتم العون والمساعدة ليس لي فقط ولكن للفلاحين الذين تعبوا وحرثوا الارض ونثروا وسقوا وهم ينتظرون هذا اليوم يوم الحصاد ليكسبوا شيئا من ثمرة اتعابهم بارك الله بكم. وارجو من الشيخ احمد ان يسجل اسماء جميع من شارك في الاطفاء لاقدم لهم غدا المكافأة التي يستحقونها.

وفي اليوم التالي قدم احمد قائمة بأسماء الذين شاركوا في الاطفاء واعطى حسن المبالغ اللازمة لتوزيعها عليهم. كانت زهراء تبحث عن زوحة ملائمة لأحمد من بنات عمها واقاربها ووجدت واحدة خريجة ثانوية وتركت المدرسة وهي جميلة جدا وربة بيت من الدرجة الاولى، ولما فاتحت زهراء اهلها وافقوا على زواجها من احمد اذا هو اصلح لنفسه وترك التسكع والقمار والمشروب وهي تعهدت لهم بذلك بناء على الحديث الذي جرى معه يوم اللقاء. وبينما زهراء وحسن يريدان السعادة والراحة والعيش الرغيد لاحمد كان احمد يحترق حقدا وكراهية في داخل نفسه الشريرة فذهب الى الحديقة وباع ساعته واضاف اليها راتبه واشترى كيسا من المخدرات من محل سري يبيع هذه المواد، ومصادفة كان يجلس في زاوية من المحل يدخن بالحشيش مع سائق الساحبة (التراكتور) التي يملكها حسن في مزرعته. وكان الكيس الذي وضعت فيه البضاعة لونه اصفر ومكتوب عليه كلمة الخليج باللون الاحمر. اخذ احمد الكيس وعاد الى المزرعة، وكان قد صادف احد خدم حسن الذين يعملون في بيت حسن وكان خادما عندهم في قصر ابيه. وكان يعطف عليه ويعطيه بعض الملابس او طعاما اضافيا الى غير ذلك. قال احمد للخادم اعطيك هذا الكيس تضعه في دولاب ملابس حسن لان فيه رائحة طيبة تعطر ملابسه، على شرط ان لا تخبره او تخبر احدا وان تعاهدني على ذلك. قال انا خادمك وخادم ابيك كيف اخالف ما تقوله، سوف لن اخبر احدا، وانا اليوم ذهب الى المدينة اعطني الكيس وسأضعه في المحل الذي اخبرتني به الان. اعطاه الكيس ووضعه الخادم في دولاب ملابس حسن في زاوية غير مرئية. كتب احمد رسالة الى الشرطة المحلية في المدينة بأن حسن يتعاطى بيع المخدرات وانه دائما يحتفظ بكمية منها في بيته، وكل عاقل لا يصدق ان حسناً جمع هذه الثروة الطائلة بالحلال بل لابد انه استعمل طرقا محرمة لبيع المخدرات ووقعها من مخبر مخلص. وجاءت الشرطة ومعها حاكم تحقيق وفتشوا الدار ووجدوا الكيس الاصفر واخذوا حسن مخفورا، وكان احمد ينظر اليه بتشف وبقي حسن في التوقيف ايام عدة يحققون معه ولكنهم لم يجدوا شيئا يدينه عدا وجود هذا الكيس، فلم يعثروا على احد يشهد بأنه اخذ من حسن او اشترى منه او شرب معه او جلس في متنزهه وشم رائحة المخدرات وصار المحققون في حيرة من امرهم.

ولما سمع سائق التراكتور بالحادث وان الشرطة عثرت على كيس اصفر فيه مخدرات وان حسناً موقوف في الشرطة بتهمة المتاجرة بها سارع الى الشرطة واخبرهم بأنه شاهد احمد ابن الشيخ يشتري كيسا من المخدرات من المحل الفلاني ولون الكيس اصفر وعليه كلمة مطبوعة واضحة (الخليج) واذا لم تصدقوني اسألوا البائع الفلاني ولما جلبوا البائع وحققوا معه فقد انكر في بداية الامر الا انه اعترف اخيرا بأن المدعو احمد ابن الشيخ اشترى منه هذه الكمية من المخدرات الموضوعة في كيس اصفر وعليه كلمة (الخليج) واستدعوا احمد الى مركز التحقيق وانكر في بداية الامر انكارا شديدا وقال انه صاحب فضل علي واسكنني في دار مريحة وعين لي راتبا محترما وخصص لي خادما ويروم زواجي من فتاة محترمة كيف اخونه؟ قال المحقق ان هنا الكلام لا يفيدك اعترف عليك البائع واعترف عليك شاهد عيان هو سائق التركتور فعليك ان تعترف ولا فائدة من الانكار. اعترف احمد وهو يبكي ويتوسل ويقول انا خسيس انا لا استحق الحياة انا خائن لقد كفرت بالنعمة وخنت من آواني وكنت متسكعا ليس لي سكن ولا املك شيئا من حطام الدنيا وانا الان انسان لي سكن ولي مرتب وعندي خادم. سيق احمد الى المحكمة وثبت عليه اجرامه وحكم عليه بالسجن لمدة طويلة. وهذا جزاء من يخون صاحب نعمته الذي آواه واطعمه ورحم بماله واراد تزويجه، فقبحا لهذه الاخلاق الدنيئة. جلس حسن مع زوجته في غرفة النوم واخذا يستعرضان حياتهما وما وصلا اليه، اراض واسعة، حيوانات مختلفة كثيرة، مكائن مختلفة لجميع الاغراض الزراعية، قصر كبير عامر، مبالغ من المال كبيرة في البنوك. انها نعم كثيرة اعطاها لنا الله سبحانه وتعالى الا انه بخل علينا بطفل يرثنا، لمن هذه الثروة الكبيرة. قالت زهراء انا موافقة ان تتزوج حبا بك لكي ترزق بطفل يرثك قال حسن لا يجب ان نذهب الى طبيب اختصاصي يفحصنا لنعرف عند من القصور. وفي صباح اليوم التالي ركبا السيارة وذهبا الى احد الاختصاصيين وبعد التحليل والفحص وبعد كم يوم قال لهما لا يوجد اي نقص فيكما ويمكن ان يحصل الحمل في اي يوم، والامر كله لربنا سبحانه وتعالى وسأعطيكما ادوية مقوية ومسهلة للحم.