الكتابة للأطفال 1

الكتابة للأطفال 1
عوّاد ناصر
قالت لي ابنتي، يوماً، لقد أصبحت مسنّاً يا أبي.
أجبتها على الفور هذا صحيح، ولكن تذكري بأنني كنت طفلاً، مثلك، وستصبحين عجوزاً، مثلي… وابنتي تتذكر تلك الأغاني والحكايات التي أرويها لها قبل النوم، لكنني لا أتذكر أغنيات أو حكايات رواها لي والداي، أو أحدهما، عندما كنت صغيراً، والسبب بسيط أنهما لم يرويا لي أي حكايات ولم يغنيا لي أي أغنيات.
لم أقرأ أي كتاب أطفال في صغري، ولا أي مجلة، رغم أنني كنت طفلاً أجيد القراءة والكتابة قبل التسجيل في مدرسة ابن الأثير الإبتدائية للبنين، في الشاكرية، بفضل برنامج تعليمي وضعته وزارة التربية والتعليم، وقتها كان ذلك لم يزل مطبقاً حتى انبثاق انقلاب 14 تموز 1958 وكان يسمى التربية الأساسية وهو برنامج خارج المدرسة الرسمية. كنا أطفالاً نقتعد الأرض، وبالكاد كان أحدنا يملك دفتراً وقلماً
أول الكتب التي قرأتها لم تمت للطفولة بصلة المياسة والمقداد وكُتيّب صغير، بطبعة رخيصة كان منزوع الغلاف لكنني أتذكره جيداً كتيّب بحجم كتاب الجيب، لا يتعدى الثلاثين أو الأربعين صفحة، بعنوان إضحك مع أبي نواس وهو مجموعة نكات بايخة مبتذلة، ولا تدعو للضحك، إطلاقاً، وقد جُرّد أحد أعظم شعراء العربية، من شعره المجدد وفكره السابق لعصره، في هذا الكتيب التافه.
الكتاب الجاد الأول الذي قرأته قراءة جادة، فيما بعد، هو مجموعة قصصية للكاتب الراحل موفق خضر بعنوان الانتظار والمطر وقد شغفني الحكي المشوق والجملة الأدبية الجديدة لمراهق مثلي واكتشفت عالماً جديداً هو عالم القصة القصيرة .
أردت، مما سبق، تقديم ماضي، ماضيي، طفلاً عراقياً لم يحظ بأي رعاية أدبية تخاطب عالمه الصغير، الفقير، ومثله مئات الآلاف من أطفال العراق الذين لم يعرفوا كتاباً للأطفال.. كتاباً يقترب منهم ويحكي لهم حكايات أو قصائد أو أغاني تتحرك في الفضاء الشاسع، الغريب والمجهول، بين عالمين الكبار والصغار.
بعد عقدين من السنوات صدرت مجلات وكتيبات صغيرة للأطفال في العراق، ممتعة، ملوّنة، لكنها كانت نخبوية، أيضاً، مثل كتب الكبار الذين يكتبون للصغار، وهي مطبوعات تشرف عليها الدولة المؤدلجة بفتح اللام وكسرها تحت شعار كان شهيراً وقتها اكسبوا الشباب لتضمنوا المستقبل .
باختصار شديد لم يكن، ثمة كتاب للأطفال أو الفتيان أو الشباب يخاطبهم كعالم مختلف عن عالم الكبار ومنهم كتّاب الأطفال، وفي المعادلة طرفان الخلفية الفكرية والثقافية التي ينطلق منها كتّاب الأطفال، وتاريخ كل منهم وما يدخل في طريقة تفكيرهم اللاحقة وقد أصبحوا كتاّباً. الطرف الثاني هو الأطفال، عالماً مختلفاً، بالقطع، ومتنوع، شديد التنوع، وللطفل، وفق التربية الحديثة، شخصية وأهواء وأحلام وخلفية تجربة ما، وليس كما قالت التربية الكلاسيكية بإن الطفل صفحة بيضاء تكتب عليها، أنت الكبير، ما شئت، ولا عجينة طرية تشكلّها كيفما ترغب.
الكتابة للطفل مهارة خاصة تتطلب شروطاً محددة وإدركات معرفية لحاجاته ومقاربة إبداعية لأحلامه، وفي عالمنا العربي، ومنه العراقي، ثمة مشكلات عويصة تواجه هذا النوع من الكتابة سأحاول الإشارة لها في العود المقبل، من دون أن أنسى ما قلته لابنتي كل الشيوخ والعجائز كانوا أطفالاً، وكل الأطفال سيصبحون شيوخاً وعجائز.
قال بيكاسو الشهير عندما كنت طفلاً حاولت تقليد الكبار، ولما كبرت حاولت تقليد الأطفال.
عالم صعب الأطفال والكتابة لهم.
لكنه ليس بمعقّد، إذا أحسنا، نحن وهم، إدراك الفرق بين رسالتينا، فهم يقولون نحن أطفال فرفقاً بنا.
ونقول نحن كبار وعليكم طاعتنا.
أو ليس توفير مدرسة صالحة للتعلم يسبق اي مشروع كتابة للطفل؟
هل نكتب لأطفال بلا مدارس؟
/6/2012 Issue 4235 – Date 26 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4235 التاريخ 26»6»2012
AZP09