طفلة خرقاء هزيلة القوام اللغة تعيد اكتشاف أسرار الصبا والطفولة

طفلة خرقاء هزيلة القوام اللغة تعيد اكتشاف أسرار الصبا والطفولة
خيالي خصب إذن أنا أكتب
تي أوبريهت
ترجمة بشار عبدالله
كنت طفلة خرقاء. طويلة القامة، هزيلة القوام، مثل أفراد أسرتي جميعا، وأعاني من قصر شديد في البصر. وعلى الرغم من أن حالة قصر البصر لم تظهر على أحد من أقربائي حتى سن المراهقة، فقد وضعت أنا نظارات بعمر الثلاث سنوات. ومع بلوغي العاشرة، تدهور بصري لدرجة لم يعد طبيب العيون واثقا كيف سيكون وضعي حين أتعدى الاربعين ، وهو العمر الذي كان يشك بامكانية ربط مناظير حول أذني. ولحسن الحظ، أن تلك المناظير الناتئة، كانت على الأرجح لاستيعاب الوزن .
وكانت أسناني الأمامية تشبه أسنان جدي متزعزعة تبين عند التثاؤب وتبدو حين يبتسم ودودة وذابلة أما في حالتي فكانت تبدو على نحو غامض أسنان من يصاب باضطراب عقلي وقد تسببت لي بلغة عند الكلام. كما فقدت نابي العلوي، الذي لم ينمُ من جديد. أضف إلى ذلك حقيقة مفادها أن والدتي وجدتي، اللتين، بالرغم، من كونهما من نوع النساء المألوفات جدا، كانتا تؤمنان بعقد الثمانينات. ما أعنيه هنا، أنهما تؤمنان حقا بذلك العقد، وقد كانتا تلبساني ملابس تندرج ضمن موضة الثمانينات في العام 1995 فكانت الألوان الصفراء البراقة والبرتقالية ألوان ملابس النهار، وشجعاني على وضع عصابات الشعر.
وكانتا تطلبان مني أرتداء قميص قطني أبيض أينما ذهبت، لئلا أصاب بنزلة برد من تلك التيارات الهوائية التي، سيقول لكم كل من كان سابقا في يوغوسلافيا، أنها غالبا ما تكون سببا لوفاة مفاجئة. ولكنني، في التسلسل الهرمي الاجتماعي للمدرسة، تغاضيت عن مضيف المآسي هذا لصالح معاملة تثير ازدراء أكبر لقد قررت أن أكون كاتبة.
كانت هذه الحقيقة، التي أعلنتها حال وصولي إلى المدرسة المتوسطة، مصدرمرح كبير لبعض الأقوياء الذين كانوا يملون على الآخرين مسار الحركة الاجتماعية. وكنت قد أعلنت ذلك في أول يوم لي في المدرسة بالتلقائية التي أعلنت بها عن اسمي، لأنها كانت بالفعل جزءا من الكيفية التي أرى بها نفسي، وهي عندي ضرورية ضرورة النوم والتنفس؛ لم يدر يوما بخلدي أن أخفي أو يجب أن أخفي للكتابة، فحبي للكتابة، وليست العيون الربعة المهترئة، من سيعانق تحايا شبه الغرباء في القاعة. وكانوا يسالوني وأنا أربط قيطان حذائي الرياضي أو أقف في طابور الكافتريا يا أنت، أحقا أنت تكتبين؟ هل ستدونين ما يحدث الآن على الورق؟ وكان الجواب الوحيد البارع الذي يمكنني حشده لتعنيف هؤلاء المهاجمين هو حول افتقارهم للخيال، وأذكر أن إحدى الفتيات ردت علي ذات مرة قائلة اخرسي أنا أمضي أوقاتي كلها في التخيل
وقد تعلمت حين بلغت مرحلة التحاقي بالمرحلة الثانوية، أن أكون أكثر حذرا في الإفصاح عن أحلامي. كنت أقرأ وبالتالي أكتب قصص مغامرات. كان ذلك قبل أن أقرأ لاسحق دينيسن وميخائيل بولغاكوف، قبل أرنست همنغواي وتي. كوراغيسان بويل، وحتى قبل أن أقرأ شيئا وأشعر به فعلا، كان ذلك عندما كانت الكتابة عندي لما تزل مجرد مهمة جبرية، وعقلي المراهق بالكاد يقترب من القدرة على الحس.
كنت أملأ صفحات من المساحة البيضاء بقصص غرام عنيفة يمكن وصفها برومانسية التفاخر المتهور، والتضحية واجتياب التنين. وكنت قد بلغت في إحدى المراحل أن عكفت على كتابة ثلاث قصص أو أربع في آن واحد، وأعيش مع مجرياتها في رأسي كل يوم. لكنني أخيرا أصبت بانهيار وتحدثت حول الأمر مع أحد الأصدقاء. وقد أصبت بدهشة ما بعدها دهشة عندما طلب مني ذلك الصديق أن يطلع على ما كنت أكتب.
ما زلت أذكر الهيجان العصبي الذي أصابني جراء ذلك الرضوخ الأول في حياتي. ما زلت أذكر كيف بدت أوراقي النظيفة الملمومة بمشبك، وهي تنزلق في إلى معدة حقيبة الظهر التي كان يحملها صديقي. وأذكر أيضا كيف بدت عليه تلك الأوراق بعد يومين من ذلك، وهي تحط بين يدي شخص آخر، فتاة مكروهة، شاركها صديقي بها، بعد أن عجز عن احتواء طريقته في اللهو، وكيف بدا أسلوبي النثري، الذي أمضيت في تشكيله ساعات من التأني والتدقيق، عندما بدأت تنطقه بصوت عال فتاة كانت تكرهني، كانت قراءة روحها الاستهزاء، تتم كل كلمة كانت تلفظها عن ابتذال حقيقي، وكان استهزاء الفتاة بأسلوبي النثري يستحق انضمام الآخرين إليها.
لحسن الحظ أن هذا النوع من القص الذي انغمست فيه كان ينتمي الى تاريخ برايدين ، ومن هنا فأنا لم أكن قد واجهت بعد أي سابقة أدبية من مثل أعضاء محتقنون و تلال الخزف المرتعشة التي لكانت يقينا ستنص على المحاكمة الاجتماعية المستمرة.
وكما حدث فقد كانت مقتطفات من كتابتي النثرية تصفعني بها شفاه ثلاثة أو أربعة من العابرين لبضعة أيام، وبعدها قررت عدم الاهتمام بما يقال. خبأت القرص المنسوخة عليه تلك الكتابات في الدرج ولم أفكر البتة بعدها بالبحث.
وظللت أكتب بشكل عرضي، فنحن جميعا نرتكب هذه الأنواع من الأخطاء. أنا شقيقة لصبي في العاشرة منشغلة الآن بتصحيح أخطائي . ومهما كان نوع الحظ، فلا أظن أن مثل هذه الأخطاء سيثنينا عما نريد أن نكون عليه لاحقا. بل نحن أحيان نفيد من الأخطاء تلك.
وحتى يومنا هذا، أقول لو أنني غير راضية عن عمل كتبته أو أنه أصابني بإحباط، فإنني طبعا ساوجه لنفسي هذا السؤال لو قدر لذلك العمل أن يجد سبيله إلى النشر، هل كنت ساقوى على تحمل سماع مقتطفات كالتي كانوا ينطقونها أمامي بسخرية لإغاضتي؟ وإذا كان الجواب بالنفي، وهو غالبا ما يكون بالنفي، عندها لا أجد سبيلا آخر سوى العودة إلى مكتبي والبدء من جديد.؟
/6/2012 Issue 4232 – Date 23 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4232 التاريخ 23»6»2012
AZP09