في البدء كان الموت

في البدء كان الموت

اي نوع من الانكسار .. يبدو الخضوع اليوم مملوءاً بالخوف  .. فكرة تفر بعيداً

 (سلمان رشيد)

تمتلئ بصورة كثيرة اغلبها حزينة فمن ذاكرة الحرب الى الحصار والى والى .. منذ زمن ننام ونصحو علي عويل نساء فقدن احبتهن في مشهد يكرر نفسه كل يوم وكل يوم مأساة تعيد نفسها على مدار سنين وسنين الالم لايمكن وصفه.

فمن حرب البعثيين بقادسيتهم (المجيدة) الي نظامهم البوليسي المكثف نفسه الشخص القائد الملهم الى غزو الكويت الى ما جرى من احداث مروعة في اذار 1990.

حصار خانق وموجع حد المبالغة، في كل يوم تمشي في الشوارع لتجد قطع القماش السود معلقة على جدران البيوت وقد كتب عليها (الشهيد البطل).

حقبة دامت ثماني سنين مريرة وحرب لا افق لها ولا نهاية لها .. لا نعلم لماذا بدأت وكيف بدأت وكيف ستنتهي والى ما ستؤول. وكانت اسئلة تشغل هاجسك.

وتبقى ذكرياتها تعاد دائماً بتلك القطع السود فمن الشهيد البطل الى السعيد .. كان بطلا فيما مضى واصبح سعيداً اليوم.

من مفهوم ملحمي (بطولي) الي مفهوم رومانسي (سعيد) ولكن البؤس هو الحزن وهو لافرق عند من يحبونهم آكانوا ابطالاً ام سعداء لانهم مضوا ولا غير العواطف الدينية تهدد احزانهم وتخفف من جزعهم وصدقهم ولهذا فهو باق.

ثم يختتم عصر بطولات القائد الضرورة بعذاباته وآلامه وخريقه الذي تساقطت فيه مليون ورقة ليبدأ شتاء الاحتلال وندخل في سناريوهاته المظلمة التعيسة.. فكان دائما القادم أسوأ. عزفوا سمفونيتهم الحزينة فكانت قداسة موت بحق. اوتار الطائفية تدق وطبول القومية تقرع.

اصبحت المدن مدن اشباح .. شوارع خالية من ازقة تبحث عن ساكنيها. بدأ الناس يتكدسون في مناطق سميت بأسماء طوائفهم وقومياتهم فصارت هذه المدينة للطائفة كذا وتلك للقومية كذا .. واخرى .. واخرى.

وبهذه المعزوفة خرج ملوك الطوائف وآلهة الحرب والموت .. اسسوا كتائب افواجاً جيوشاً وفرقاً للموت ولاول مرة لك الاختيار بكيفية موتك بالمفخخة بالعبوة ام بالذبح او الكاتم والقائمة تطول.

وشاخت بغداد واصبحت شيخة هرمة كأنها روما في عصورها المظلمة .. وعلى حد وصف احدهم وغداة ذلك الصراع الرهيب وحتى قبل ان يقضي تماماً استغرقت روما فترة اخرى ساقطة فاسدة في حماة الفسق التي تهرم جسدها وتدنس روحها .. هنا معارك وجراح وهناك حمامات وولائم.

وفي بغداد ايضاً كانت هنالك حمامات وولائم يقيمها الكبار الذين اتوا وجلسوا في المنطقة الخضراء وايضاً اناس كل يوم الشوارع لم تهدأ وبدأت الاوركسترا تعزف اقوى وعلا صوت الطبول فكانت ما يسمى (داعش) لاتجد له وصفاً وقد تلجأ الى هايدجر في تساؤله الميتافيزيقي (ما هو الشيء) .

نعم ما هو (داعش) بدا انهم ثقب اسود يلتهم كل شيء يقترب منه او عندما يقترب هو من احد ما.. تنتظر عبر شاشات التلفزيون فتجد الناس تركض .. تهرب بأنفسها لا مجال اي شيء .. اي تأخير يتسبب بنهايتك.

ثقــــــب اسود براياتهم .. بعمائمهم بلبسهم بلغتهم لا منجي منها الا السفر عبر الزمن بكـــــــأس يذهب بك بعيـــــــــداً وتقول مع هاملت ..

هدوءاً ايتها النفس ان الجرائم لابد ظاهرة الى وضح النهار ولو غطتها الارض قاطبة لتخفيها عن اعين الناس هدوءاً ايها القلب .

قاسم فنجان – بغداد