كلام بالقيراط ــ جبين العراق ـ حسن النوّاب
لم اشعر بقنوط شديد وبأنتكاسة نفسية عصيبة في حياتي ، مثل التي تهيمن على مشاعري الآن ، لا ادري ماذا اكتب وبأي وجه اقابل الناس ؟ حين تناقلت الفضائيات مع وسائل الأعلام الأخرى مشاهد مؤلمة بقسوتها ، تقطر مرارة وأسىً لغزو ظلامين جهلة الى مدينة ام الربيعين ، انها نينوى جبين العراق المضيء ومستودع خيرة الضباط الأشاوس ومضارب العشائر العربية الأصيلة ، الموصل تلك المدينة العراقية الأنيقة بكل شيء ،بعاداتها وتقاليدها واخلاقها وحديثها وازيائها وحدائقها وشوارعها وفنادقها ومطاعمها وبيوتاتهها وقلاعها وهدوئها ، والباسلة بشجاعتها وصبرها واقدامها وعنادها ، قلبي ينزف حزناً عظيماً بسبب الفوضى الجاهلية التي تجتاح فتنتها والتي حدثت بظروف نحسة وخائبة يكتنفها الكثير من الغموض والريبة عن الأسباب التي جعلت هذه المدينة العذراء نهباً للمرتزقة والقتلة والمأجورين والحاقدين ، فأهل الحدباء المنكوبين بحيرة من امرهم في هذه الساعات الحرجة والدامية، وباتوا من شدة الظلام لا يعرفون و لا يفرّقون بين صديقهم وشقيقهم من عدوّهم ، وليس من حق اي وطني ان يزايد على محنتهم القاسية او ينافسهم على فجيعتهم وهم يتكبدون اقسى الخسائر الجسيمة بالنفوس والمال والعمران وحتى بأنتهاك العرض ، رحماك يا الهي واجعل النار بردا وسلاما عليهم ، وحدهم الموصوليون يعيشون بظروف قاهرة فقدت شروطها الأنسانية ، مئات الآلاف من العوائل هاموا على وجوههم صوب حدود كردستان هرباً من جحيم النيران والقتل العشوائي بعد ان اختلط الحابل بالنابل ، والقسم الآخر بعد ان تقطّعت بهم السبل ، اغلقوا ابواب بيوتهم وقلوبهم قلقة من اقتحام فلول الظلام الى عزلتهم في اية لحظة ، بينما المغرر بهم او الذين من رعبهم وخوفهم اضطروا مرغمين للتلويح بأكفهم المرتعشة ترحبياً بأولئك القتلة الذين عاثوا دون رحمة في دروب المدينة التي اصبحت اسيرة ولا حول لها ولا قوة ، بعد ان تركها دون حياء وبجبن سافر قادة العساكر واشباه الرجال والخونة تواجه مصيرا داميا لوحدها امام غزو الجراد الأسود ، وليس من حق اي كائن مهما كانت صفته الأنسانية والمهنية ان يلوم اهلها العزّل اذا ما صفقوا زيفاً للغزاة ؟؟ فماذا تنتظر من أسير اعزل امام فوهة بندقية عمياء مصوبة الى رأسه غير الإستسلام ؟ اذ لا يمكن لأية عائلة موصلية مهما كان انتمائها الديني او العرقي ان تقبل بأحكام جاهلية ظالمة بدأ يفرضها الدواعش على المدينة التي ترزح تحت ظلام وجوع وانتهاكات غير مسبوقة لحقوق الأنسان ، لا يمكن لأهل الموصل الأصلاء ان يقبلوا بأحراق كنيسة او اعدام سجناء بالجملة لأنهم ينتمون الى التيار الصدري ، مثلما لا يمكن ان يرتضوا لمدينة القلاع ان تصبح ابواب بيوتها الشريفة مشرعة للخفافيش ولغرائز حيوانية بشعة تبحث عن فتيات عذراوات للمعاشرة بذريعة فتوى جهاد النكاح ، ان ماحدث لمدينة ام الرماح من فجائع سببه الجوهري تخبط ساسة المنطقة الخضراء بغلوائهم ومطامعهم للمناصب وعدم التصرف بحكمة امام الأخطار التي تتربص بالوطن الجريح ، كما ان ساسة خضراء الدمن امعنوا بظلمهم وشرورهم وتفرقتهم بحق اهلنا من الطوائف الأخرى ، حتى فقد الناس جميعا ثقتهم بهؤلاء الساسة السذج الذين لا يميزون بين المنبر في جامع او حسينية وبين كرسي السياسي الذي يجب ان تتوفر فيه شروط الكياسة والمرونة والعقل النيّر والفهم الأيديلوجي الراجح والحوار الرصين ، وكل هذه الشروط غائبة تماما من رؤوس ساستنا الذين جاءوا خفافاً من فنادق الترف بمهاجرهم الأوربية او من حارات دمشق وروزخونيات ايران حاملين في رؤوسهم هدفا واحدا فقط الا وهو نهب خيرات العراق ، نحن جميعا امام اختبار حقيقي لوطنيتنا التي تباهينا وتشدقنا بها كثيرا ، واهل الموصل الأحرار صاروا يشبهون الذي بفمه ماء ، والعوسج يشج قلوبهم الجريحة وكبريائهم الأبي ، انها ايها السادة الموصل التي سحرتنا بمعالمها الجذابة ، شارع سرجخانه بحوانيته وبازاراته التي تتلألأ بالذهب مثلما رواده من رجال ونساء يضيئونه القاً بأزيائهم الجملية ، وشارع الدواسة الذي يزدان بأناقة لافتة ، وغابات الحدباء التي اختصرت الفصول بريبع دائم ، وجامع النبي يونس الذي يسطع نورا يصل الى عنان السماء ، كل هذه الشواهد العزيزة على قلب كل عراقي ، لا يمكن ان تبقى مختنقة بالدخان والبارود ، وتنزف دما طهورا من مآقيها نتيجة وابل الرصاص الذي يحاصرها من كل حدب وصوب ، نفير عام نحوها لتحريرها من شراذم الفتنة والظلام ، انها مدينة اصدقائنا المبدعين معد الجبوري وعبد الوهاب اسماعيل وشاذل طاقة وبهنام ابو الصوف ورعد فاضل وعمار احمد وهشام عبد الكريم وشاكر مجيد سيفو وبهنام عطا الله وفاتح عبد السلام وثامر معيوف وسالم الخباز وراكان دبدوب وشفاء العمري وبشار عبد الله وغيرهم الكثير الكثير، انها الموصل باب العراق التي أوصلت بين نهري دجلة والفرات ، وانها واحدة من ثلاثة بلدان عظام في الدنيا كما يصفها ياقوت الحموي ، انها الحصن العبوري وعربايا حيث مكان اقامة العرب ، وهي الحصنيّن وام الربيعين والحدباء والخضراء والبيضاء والفيحاء والزهراء وام العلا وام القلاع وارض التيمّن وجنة الأرض ، انها الموصل جبين ارض السواد ايها العراقيون الأحرار ، فكيف تسمحون لجبين العراق المضيء ان يتصدّع برصاص الظلام ؟
AZP20























