كلام بالقيراط ـ العالم طوبه ـ حسن النوّاب

كلام بالقيراط ـ العالم طوبه ـ حسن النوّاب
لا ادري إنْ كانت هناك دولٌ عربيةٌ غير وطني العراق من تُطلق على كرة القدم تسمية طوبه ، وبالعودة الى معجم المعاني وجدت ان معنى طوبة هو اللبنة المحروقة ، ولها معنىً آخر هو خامس الشهور القبطية ، ومن اشتقاقاتها مفردة طوباوي التي تعني الكائن الذي يحلّق بأفكاره بعيداً عن الواقع ، ويبدو ان سحر الكرة المستديرة ستجعلنا طوبائيين حقا ، عندما نشاهد بمتعة وشوق مبارايتها التي ستجرى بعد ايام قلائل على ملاعب البرازيل التي ستلعب بالعالم طوبه ؟ حيث الصراع الملتهب بين اثنين وثلاثين منتخباً تتنافس للظفر بكأس العالم المصنوع من الذهب الخالص والذي يُسمّى كأس جول ريمه وهو صاحب فكرة مسابقة كأس العالم عندما كان يشغل رئاسة اتحاد كرة القدم الفرنسي بين عامي 1919 و 1945 ، و رئيس الفيفا بين عام 1921 و 1954 ، والعبرة ليست بحصاد الذهب ، فلو كان الأمر يتعلق بهذا المعدن الثمين سنجد ان الدول النفطية بوسعها صناعة كأس عملاقة من الذهب ، غير ان الفوز الحقيقي هو معنوياً حين ترنو انظار العالم الى منتخب الحظ السعيد الذي يظفر بالكأس اخيراً ، ولمباريات كأس العالم مواقف واحداث تراجكوميدية لا يمكن ان تُبلى من الذاكرة ، حيث كانت بداية متابعتي لتلك المباريات عام 1978 ، وصادفت في وقتها الأمتحانات الوزارية لما كنت طالبا في السادس الإعدادي ، وكان البث الملون حديثاً على شاشة التلفاز العراقية ، مثلما كان النقل عبر الأقمار الصناعية يحدث لأول مرة خلال ذلك العام ، وكان الفريق العربي الوحيد الذي نتابعه بشغف في تلك البطولة هو المنتخب التونسي ، خاصة كرة تميم حازمي التي ارتدت من عارضة المنتخب الألماني ، في تلك البطولة حقق الفريق التونسي او فوز عربي بكأس العالم على فريق المكسيك وبفوز عريض كان ثلاثة اهداف مقابل هدف واحد ، وكنت قد اهملت مطالعة دروسي وفضلت متابعة مبارايات البطولة ، لكن المفاجأة ان نتيجة الأمتحان جاءت باهرة وحققت معدلا تجاوز الخمسة والسبعين بالمئة وسط ذهولي ودهشة العائلة ، وعندما جاءت بطولة 1982 كان وطني قد دخل بحرب ضروس مع الجارة ايران ، وكانت الشقيقة الجزائر قد حققت صعودا لا فتا في نتائجها بتلك البطولة العالمية ، لولا المؤامرة الخبيثة بين المانيا والنمسا التي ابعدت الجزائر من الصعود الى الدور الثاني ، وفي عام 1986 كان العرس العراقي حاضرا في مونديال المكسيك ، مع اغنية المطربة الراحلة ربيعة التي غنّت له منتخبنه اسم الله عليه حضرناله شموع وكيك وفي تلك البطولة قررت الهروب من كتيبة الدبابات لمتابعة مباراة منتخب العراق التي انتهت بثلاث خسائر متتالية مع منتخبات برغواي وبلجيكا والمكسيك مضيفة البطولة ، وخرجنا بهدف يتيم سجله اللاعب الساحر احمد راضي بمرمى حارس مرمى بلجيكا التي احتلت المركز الرابع بتلك البطولة ، وهو الهدف العراقي الوحيد في خزانة اتحاد كرة القدم العراقي ، ولما عدت الى وحدتي العسكرية في الجبهة عوقبت بالسجن لمدة شهر مع الأشغال الشاقة في سجن الكتيبة ، والواقع ان لهفتي لمتابعة مباريات كرة القدم لا تنافسها هواية اخرى سوى التسكع تحت نثيث المطر ، وها نحن جميعا نترقب بطولة كأس العالم التي ستبدأ بعد ايام معدودة ، وعيوننا تراقب بقلق منتخب الجزائر العربي الوحيد بهذه البطولة التي ترغم مليارات من البشر على متابعة احداثها التي تتصف بالأثارة حد احتباس الأنفاس ، واذا كان منتخب فرسان الصحراء سيكون اختيارنا الأول بمتابعته ، فأن الجارة اللدودة ايران ستكون الأختيار الثاني بمعرفة نتائجها بهذه البطولة ، غير اني سأكون صراحة متابعاً بحرص الى مبارايات وطني البديل منذ اكثر من عشر سنوات ، واعني به بلاد الكنغارو استراليا ، برغم ان الأستراليين لا يعتبرون كرة القدم لعبتهم الأثيرة ، انما هم شغوفون بكرة الركبي التي تجعلهم اشبه بالمجانين حين يجتمعون لمشاهدتها في الحانات او امام شاشات عملاقة توضع في مراكز المدن ، بينما هناك في وطني لا غير كرة القدم من تجعل الناس على قلب واحد ، ولا ادري هل ان فلول الظلاميين من القاعدة والدواعش سيركنون اسلحتهم الدموية جانبا ويتابعون مثل باقي الخليقة منافسات كرة القدم ، ام انهم سينتهزون انشغال الناس بالساحرة المستديرة وينفذون مخططاتهم الأجرامية بحق الأبرياء ، وتبقى بطولة كأس العالم فرصة رائعة الى الأنسان المسالم للتمتع بأحداثها المثيرة التي لن تتكرر الا بعد اربع سنوات ، ولا نعرف هل ان اعمارنا المزحومة بالأمراض المزمنة ستسعفنا لنشاهد كرة القدم مرة اخرى في دولة الدببة عام 2018 واعني روسيا التي ماعادت حمراء ، وبمناسبة الحديث عن الطوبه ، ثمة سؤال طوباوي بريء يلاحقني منذ ايام عن تلك الأرواح الطيبة التي رحلت الى السماء من شهداء وضحايا ابرياء ، إنْ كان بوسعهم مشاهدة مباريات كرة القدم التي ستنطلق في البرازيل ، خاصة وان معظمهم من عشاق هذه اللعبة المدهشة ؟ وهل ياترى ان السماء الشاسعة خالية من ملاعب كرة القدم هناك ؟ الواقع من المحزن ان تكون الفراديس الساحرة بلا طوبه ؟؟
AZP20
HSNO