الفكر العربي ــ الإسلامي وعودة الى القطيعة خلال فترة الانحطاط

الفكر العربي ــ الإسلامي وعودة الى القطيعة خلال فترة الانحطاط
التابو الفكري يغّرب المرء في بلده
عبدالرزاق صالح
هناك قطيعات حصلت في الساحة العربية الإسلامية بعد الدخول في الانحطاط والجمود الفكري، وهي قطيعات لم تُلْمح حتى الآن من قبل المسلمين المعاصرين ثم بشكل أخص لم يحفلوا بها ولم يستخلصوا منها الدروس والعبر لكي يصححوا الأسباب التي أدت أليها أو إلى الانحطاط بشكل عام.هذا ما كتبهُ المفكر امحمد أركون في كتابهِ نحو نقد العقل الإسلامي ، الصادر عن دار الطليعة ـ بيروت في طبعته الأولى المترجمة تموز 2009م.
أودُ في هذا السياق أنْ أُشير إلى الحقب الزمنية التي مرَّ بها هذا الفكر العربي الإسلامي حتى نكون على بينة من طول تلك الفترة الزمنية التي مرَّت ضمن ذلك التاريخ المتشابك من العلاقات الاجتماعية ـ السوسولوجية والثقافية والحضارية وعلى كافة المستويات الفكرية والعلمية والفلسفية والعمرانية بين أرجاء المعمورة في تلك الحقب الزمنية.
من المعروف إنَّ كبار المؤرخين العارفين ببواطن الأمور يقولون لكَ بأن تاريخ الفكر العربي ـ الإسلامي ينقسم إلى الأحقاب الأساسية التالية فترة التشكيل الأولى لهذا الفكر، وهي تنحصر عموماً بالفترة الزمنية 632 ــ 850م، تليها الفترة الإبداعية التي أنتجت المؤلفات الكبرى التي أصبحت كلاسيكية فيما بعد، وهي محصورة عموماً أو بشكل تقريبي لأنه لا توجد حدود مانعة قاطعة بين عامي 850 ــ 1406»1492م. أعطينا تاريخاً واحداً لبدايتها وتاريخين اثنين لنهايتها. لماذا؟ لأن التاريخ الأول لنهايتها أي عام 1406 يدل على وفاة آخر المفكرين المبدعين الكبار ابن خلدون . أما التاريخ الثاني أي عام 1492 فيدل على حدث تاريخي مهمّ هو طرد المسلمين واليهود من اسبانيا بعد سقوط الأندلس وحضارتها الزاهرة . ننتقل الآن إلى الفترة الثالثة من فترات تاريخ الفكر العربي ــ الإسلامي، وهي المدعوة بعصر الانحطاط، أنها فترة التراجع والتقهقر ونسيان الإبداعات الماضية، وهي التي هيمن فيها الإسلام الطرقي والفقهي والصوفي بمعنى الدروشة لا بالمعنى الإبداعي للكلمة . أنها فترة الانغلاق على الذات داخل إطار الدين السكولائي التكراري الاجتراري الذي ساد المدن والأرياف والبوادي مع هيمنة القوانين المحلية والأعراف والتقاليد . هذه الفترة تنحصر زمنياً بين عامي 1406ــ 1800، تليها الفترة الرابعة من فترات الفكر العربي ــ الإسلامي، وهي تنحصر عموماً بين عامي 1800و1945، وهي مرحلة النهضة والفترة الكولونيالية أيضاً 1
من ذلك نستخلص أن هذه الفترات الزمنية أو ما تمخض عنها من نواحٍ في شتى الميادين سواء الفكرية أو الاقتصادية قد انعكست سلباً أو إيجاباً على حاضرنا الراهن حسب سلبية أو ايجابية الحقبة الزمنية الماضية، ومن هنا نقارن بين هذه الحقب الزمنية والتي مرَّت على تاريخ الفكر العربي ــ الإسلامي، والحقب الزمنية التي مرَّت على تاريخ الفكر الغربي ــ المسيحي والتي أدت إلى تطوير ذلك الفكر الغربي، خاصة في الفترة الزمنية التي تعرف بعصر الأنوار أو التنوير والتي استفاد منها الغرب المسيحي على كافة الأصعدة، اقتصادياً وعلمياً، وفي كلِّ الميادين نتيجة الانفتاح وعدم التحجر أو الانغلاق ونتيجة الدراسات النقدية ــ التفكيكية والرؤى الصائبة في الدراسة والمنهجية الخلاقة وهناك عوامل أخرى كثيرة، لا مجال لذكرها الآن أدت إلى قفزات تطويرية في كثير من المعارف، والتي نشاهد نتيجتها الآن في التطور الحاصل في نواحٍ عدَّة في الحياة الغربية . ومنها الثورة التي حصلت في تكنولوجيا المعرفة والمعلومات والاتصالات والانترنيت والبث التلفزيوني والميديا بشكلٍّ عام.بعكس الانغلاق والجمود والتحجر الذي مرَّت به الشعوب العربية والإسلامية والذي أدى إلى تأخرها عن الركب الحضاري والتقدم، كما نلاحظ ذلك التأخر في نواحٍ عدَّة في حياتنا المعاصرة.
إنَّ الانغلاق وعدم توفر النقدية ـ التفكيكية، وعدم توفر النقد التحليلي الفلسفي عموماً خاصة في هذا المجال ، وذلك التابو المهيمن في كثير من مناحي الحياة يؤدي إلى استلاب المرء وغربته حتى في صميم مجتمعه ووطنه. مما يؤدي إلى تأخر الإبداع في كلِّ صنوف المعرفة والعلم.
للعقل حقوق كما نعلم، والعقلانية والخيال والحلم هي التي تؤدي إلى خلق علم متطور وأدب خلاق، والمخيال العربي إذا سمح له الانفكاك من تلك الصنمية البغيضة المتحجرة وذلك الانغلاق الأعمى، والنظرة القاصرة، سوف يُحلق في الذُرى، كلُّ ذلك حسب منهجية علمية ونظام نقدي صارم بدون فوضى، ولكن ضمن ديمقراطية صحيحة تواكب المجتمع وتسهر على تقدمه بواسطة العقل السليم الراجح المستوفي لشروط الخلق والإبداع ونبذ التخلف والجمود والتحجر، وهذا ما حصل في الفترة الذهبية التي مرَّ فيها المجتمع العربي ـ الإسلامي في عزِّ ازدهاره عندما توفرت له مستلزمات التطور الذاتية والمعنوية والانفتاح على الفلسفات والعلوم مع الأمم الأخرى والاستفادة من الاختراعات والتطور الحاصل في ميادين عدَّة في ذلك الوقت، وكانت بحق ربيع الفكر العربي وازدهاره، خاصة في الفترة العربية الكلاسيكية وهي حقبة الإبداع والتطور في ميادين الطب والفلسفة والترجمة في فترة الدولة العباسية الأولى . وكذلك الفترة الإبداعية وهي فترة المؤلفات الكبرى، والتي أصبحت كلاسيكية فيما بعد.
إنَّ هذه القطيعات مفردتها قطيعة التي حصلت في الساحة العربية ــ الإسلامية ساهمت بالتأكيد في ذلك التخلف الذي تعاني منهُ تلك المجتمعات الآن، هذه الحالة كانت نتيجة طبيعة لذلك الجمود والانغلاق كما نوهنا سابقاً،لكن يجب أن لا تبقى هذه الحالة مستدامة في مجتمعنا، والتي تؤدي إلى استفحال ذلك المرض وهو الجهل الذي يشكل ثلاثية مريعة مع الفقر والمرض . علينا إعادة قراءة تراثنا بصورة نقدية متفحصة مستفيدين من الكشوفات النقدية الجديدة وفق معاير واضحة تلبي طموحات العصر الجديد، بعيداً عن التحجر والطائفية والجمود العقائدي والمصالح الضيقة والأنانية والفكر السلفي الأصولي ، والشعبوية الساذجة والسطحية، والعروبية الزائفة والقومجية المقيتة، آخذين بعين الأعتبار غربلة ذلك التراث وطرح الغث منهُ، وأخذ الأفكار النيرة،خاصة من الفترة الإبداعية والكلاسيكية من تاريخ الفكر العربي ــ الإسلامي،والاستفادة من دراسات وكتب المستشرقين، ولكن بعد تفحص وتمحيص، لأنَّ كثيراً من كتب المستشرقين للأسف ذات طابع أيدلوجي، وأحادي الجانب، ولكن بعضها الآخر ذو كشوفات مهمة عند دراستها تراثنا الموغل في القدم، خاصة تلك الدراسات في الفترة الزمنية التي تُسمى ما بعد الحداثة، إذْ هناك الكثير من المستشرقين الذين تناولوا ظاهرة التراث العربي ـ الإسلامي بالدراسة والتحليل، بخاصية الدراسة المقارنة والتحليل العلمي السليم والمعاير الصحيحة والواضحة . من المهم أنْ تكون دراسة المستشرقين للتراث العربي ــ الإسلامي دراسة نقدية ـ تفكيكية فلسفية، تؤدي في المحصلة النهائية إلى نتائج فلسفية نهائية من هذه الدراسات، وكذلك الانخراط في الدراسة التحليلية والتفكيكية والأبستمولوجية العميقة .
دراستنا للتراث لا تكون دراسة تراكمية ـ تفسيرية أو وصفية شكلانية خارجية، كما فعل بعض الذين تناولوا ذلك الإرث الهام، أو بعض المؤرخين الذين راكموا الشروح والتفاسير بعضها فوق البعض وضاع جهدهم النبيل سُدى. المطلوب دراسات رصينة في الفكر العربي ــ الإسلامي تأخذ الجانب ألتأصيلي وليس الأصولي عند دراسة الأديان بعيداً عن المغالاة والاستعلاء والفوقية، أن جانب النقد المقارن استطاع في المقاربات النقدية الغربية أن يحدث كشوفات هامة بصدد تحليله للظاهرة الدينية المسيحية والتراث الغربي خدمة للفكر الغربي ــ المسيحي، آخذاً بالاعتبار كلَّ الكشوفات التي قدمتها الفلسفة،خاصة فلسفة الشك لماركس ونيتشه وفرويد في مجال علم النفس، ومن قبلهم فلسفة عصر الأنوار أو التنوير عصر النهضة ، وكانت النتيجة حصاداً وافراً من العلم والمعرفة والتقدم الحضاري في كثير من المجالات كما هو ملحوظ في المجتمعات الغربية .
والخلاصة يجب أنْ نعرف أسباب ذلك الجمود الفكري والتخلف والانحطاط،ونضع المعالجات والحلول الناجعة كي نقضي على ذلك المرض الخطير وهو الجهل، لا نبقى غير حافلين بذلك التخلف، علينا معالجة ذلك الداء بكلِّ شجاعة ومسؤولية، وأنا أكتب هذه السطور قفزت إلى ذهني عبارة غاليلو الشجاعة أمام محكمة التفتيش القروسطية
أنها مازالت تدور .
هامش
1 محمد أركون ــ نحو نقد العقل الإسلامي ــ ترجمة وتقديم هاشم صالح ــ دار الطليعة ــ بيروت ـ الطبعة الأولى ــ تموز 2009م .ص 351ــ 352
/5/2012 Issue 4209 – Date 26 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4209 التاريخ 26»5»2012
AZP09