التداعيات السياسية للإحتلال الأمريكي

التداعيات السياسية للإحتلال الأمريكي

عماد علو

بعد احدى عشرة سنة علي صدمة الاحتلال الأمريكي للعراق في العام 2003، يستمر الشعب العراقي في محاولته الدفاع عن وجوده واستقلاله ووحدته ببسالة وطنية نادرة ، في مواجهة مجمل القضايا السلبية التي أثارها الاحتلال، والتداعيات التي أطلقها علي غير صعيد في الداخل العراقي وفي الوطن العربي، كما في المحيطين الإقليمي والدولي .  فقد شكل غزو العراق واحتلاله في العام 2003 من قبل القوات الأميركية و البريطانية منعطفا حاسما وخطيرا في التطور السياسي للعراق ولمجمل المنطقة العربية والعلاقات الدولية. فقد هدر الاحتلال السيادة العراقية وأسقط نظامه السياسي، وأطاح بالدولة العراقية وحل مؤسساتها ناشرا الفوضى والتسيب، وواضعا ثروات العراق ومقدراته بين أيدي الشركات الأمريكية والبريطانية .! وقد مثل احتلال العراق في العام 2003 مقدمة دراماتيكية لهجمة ستراتيجية شاملة علي الوطن العربي تمثلت بما أطلق عليه مشروع “الشرق الأوسط الكبير” الذي طرحته الإدارة الأمريكية كإطار إقليمي جديد لإعادة صياغة الخارطة السياسية للنظام العربي والإقليمي بشكل لتشمل بعض الجوار الإسلامي فضلا علي الكيان الصهيوني . وكان للاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003 تداعياته الخطيرة وآثاره السلبية علي مجمل النظام الدولي حيث تمثلت تلك التداعيات بما يأتي :

1.         كرس الاحتلال الأمريكي للعراق ضعف الأمم المتحدة وهامشية دورها .

2.         عزز الدور المحوري للولايات المتحدة في إدارة العالم والهيمنة علي مقدراته.

3.         فتح احتلال العراق الباب أمام تكرار هذه السابقة الخطيرة في القانون الدولي، في نزاعات مشابهة أو مفتعلة. كوسيلة لتشريع السلوك الأمريكي وتسهيل تحقيق أهدافه علي الصعيد الدولي .

4.         إن النظام الدولي في جوهره قد انتهي بصفته السابقة أي قبل 2003، لصالح نظام جديد تديره الولايات المتحدة ومن يتحالف معها (تحالف الراغبين)، ومن أراد أن يحافظ علي مصالحه الحيوية عليه أن يلتحق بهذا النظام وإلا فإنه سيخسرها حتماً. وليس خافياً أن ما صاحب العدوان علي العراق من تفاعلات دولية قبله وأثناءه وبعده حتي هذه اللحظة، إنما يعبر عن حال من الصراع علي الصعيد الدولي بشأن الطريقة التي تدار بها الأزمات، ومعايير القانون والنظام الدولي، والأدوار المنوطة بالمؤسسات الدولية، حيث تسعي كل من فرنسا وروسيا وألمانيا والصين إلي تحقيق نوع من التــــــوازن، عبر ممارسة دور كابح للتوجــهات الكولنيالية الأمريكية المرتكزة إلي شريعة القوة والغاب.

وكان للاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003 تداعياته السياسية على الصعيد الإقليمي يمكن تلمسها من خلال ما يأتي :

– أدي الاحتلال الأمريكي للعراق في العام 2003 إلي صدمة هائلة علي صعيد الشارع العربي أعادت إلي الأذهان هزيمة حزيران 1967، وهي صدمة أدت إلي حالة من الإحباط العام إزاء ما يجري .

–  شكل العدوان الأمريكي – البريطاني علي العراق ضربة شديدة لما تبقي من النظام العربي ، حيث فشلت الجامعة العربية وغيرها من المؤسسات العربية في منع حدوث العدوان، وفشلت في التصدي له ، بعد أن قامت الكثير من الدول العربي بفتح أراضيها ومياهها وأجوائها وممراتها البحرية لقوات التحالف العدواني الأمريكي البريطاني ، ولولا هذا الدور لما استطاعت الولايات المتحدة القيام بهذا العدوان الغاشم علي العراق واحتلاله .

– ان مبررات وجود المؤسسات العربية مثل الجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجي وغيرها من المؤسسات العربية قد انتهت بعد أن اثبت احتلال العراق أنها اضعف من التعاطي مع تداعيات أي عدوان خارجي آخر يستهدف جزءاً أو كل النظام العربي وهو ما أثبته العدوان الصهيوني علي غزة لاحقا” في نهاية العام 2008 . وما يحدث اليوم من فوضى سياسية نتيجة الثورات الشعبية والاضطرابات التي تعم الشارع العربي.

– أما علي صعيد الصراع العربي الصهيوني فقد كان الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003 أفدح خسارة تتلقاها الأمة العربية وقضيتها المركزية في فلسطين، حيث أن إخراج العراق بقوته وموارده من دائرة الصراع العربي الصهيوني ، لا بل و تحويله إلي خصم للأمة وقضاياها، أدي الى زوال أحد المهددات الرئيسة للكيان الصهيوني، وتكريس التفوق الصهيوني العسكري والاقتصادي في المنطقة .  وقد سارعت الإدارة الأمريكية وإسرائيل إلي استثمار حالة الضعف العربي الناجمة عن احتلال العراق إلي محاولة فرض تسوية سريعة للصراع العربي الصهيوني ومن منطلق شرعية القوة والإرهاب والتفوق الصهيوني الأمريكي .

خلاصة القول إن احتلال العراق في العام 2003 يرسل رسالة أمريكية إلي الساحتين الدولية والإقليمية مفادها: أن من يقف في وجه السياسة والإرادة الأمريكية سيتم شطبه من الساحة السياسية سواء كان ذلك نظاماً أم حزباً ام قيادات سياسية ، ألأمر الذي يضع النظامين الدولي والإقليمي أمام تحديات كبيرة ، تدفعهما للعمل والتكاتف من أجل مواجهة الهيمنة والتفرد الأمريكي بمقدرات العالم والمنطقة والحيلولة دون تحقيق الاحتلال الأمريكي مبتغاه من العدوان، وتجاوز هذه المرحلة بأقل الخسائر الممكنة.