كلام بالقيراط ـ مهمة صحفية ـ حسن النوّاب
كثيرة هي المواقف الحرجة والساخرة التي يصادفها الصحفي اثناء مزاولته الى عمله الشاق والذي لايخلو من المخاطر والمفاجآت ، ويعرف الناس ان حرفة الصحافة هي مهنة المتاعب واضيف اليها المصائب والغرائب ، ومن هذه المصائب والغرائب ماحدث معي عندما كنت احد المحررين في مجلة الف باء ، وكان استاذي وصديقي الحبيب امير الحلو رئيس التحرير للمجلة في حينها وعن جدارة واستحقاق ، مثلما كان يعلم جيدا بمجيئي خطفاً الى المجلة من مدينة كربلاء ، وأضع تحقيقاتي التي اكتبها عن المدن العراقية فوق منضدة مدير التحرير الأستاذ حسين الساهي وهذا هو توقيعه في المقالات التي ينشرها في المجلة ، واحيانا ازور مكتب الأمير كنسمة شاردة وتائهة للسلام عليه ثم اترك المجلة بهدوء الى حيث حانات بغداد التي تنتظر قدومي مع اترابي الصعاليك ، وذات نهار نحس بعد ان اخذ مني المقال مدير التحرير الواجم الوجه بإستمرار كما لو ان مصائب الدنيا كلها تمطر فوق رأسه مع حركة اصابعه الدائمة لإلتقاط بثورٍ لا وجود لها على وجهه حتى تيقنت انها عادة غريبة ادمن عليها من خلال زياراتي المتكررة اليه في كل شهر ، لكن والحق يقال ان الرجل يُخفي في قلبه طيبة لذيذة لا يشعر بها الا الصعاليك من امثالي ، سألني عن درجتي الحزبية فأجبته انا مستقل ، تبسّم وحفر خده بإصبعه ثم فاجئني بطلب لم اكن اتوقعه ، الا وهو اجراء تحقيق مع بعض التوابين الذين تمكنوا الفرار من قوات بدر التي كان مقرها في ايران وكانت تُطلقْ عليهم تسمية التوابين لإنخراطهم تحت مظلة قوات بدر وهم من الجنود الذين إسروا في حربنا مع ايران، ويجب الحضور يوم الغد صباحا الى استعلامات وزارة الثقافة وهناك ضابط من الإستخبارات العسكرية سيكون في انتظاري لأذهب برفقته الى مكان غير معلوم بالنسبة اليّ لإجراء لقاءات مع اولئك الأسرى ، صفنت لحظات واكتشفت انها المرة الأولى التي تطلب المجلة منّي اجراء تحقيق بناء على رغبتها وليس كما تعوّدت على الدوام ان اقترح المواضيع التي اقوم بالكتابة عنها دون اي اعتراض من رئيس التحرير عندما كنت اعرض عليه برنامج عملي في كل شهر ، ولذا وجدت ليس من اللياقة ان اعتذر لمدير التحرير متحججاً بعدم وجود مكان يأويني في بغداد ، وهكذا انصرفت من غرفتة الصغيرة جدا بعد ان وعدته بالحضور مبكرا صباح الغد ، وفكرت بالذهاب الى رئيس التحرير الذي يتعاطف مع صعلكتي كثيرا حتى يعفيني من المهمة المزعجة التي اناطها اليّ مدير التحرير لكني شعرت بالخجل ، وهكذا امضيت الليل افكر برعب الإستخبارات العسكرية التي كنت ضيفا عليها لثلاث مرات للتحقيق معي ايام الحرب بسب نسبي الى بيت النوّاب ، ونجححت بقتل قلقي وهواجسي السود بكرع المزيد من كؤوس حليب السباع ، كما اني لم اجد مكانا الوذ فيه بعد ان اكملت سهرتي في حديقة نادي الأدباء سوى النوم على نجيلها الندي ، ولما افقتُ صباحاً اكتشفت عدم وجود حذائي مع زوج الجواريب التي لم تر الماء منذ اشتريتها ، ودهشت من السارق الغبي الذي لم يجد سوى حذائي العتيق غنيمة اليه ، ولما تحركت الى بوابة الإتحاد عثرت على حذائي ممزقا وزوج الجواريب ممضوغة ومازال عليها بقايا رضاب كأنه الصمغ ، حتى اخبرني حارس بناية الإتحاد غارقاً بالضحك ان الكلاب السائبة هي من سَطتْ على حذائي ومرفقاته من شدة جوعها ؟؟ فرجوت الحارس ان يعيرني حذاءه الذي كان واسعا على قدميّ ، وهرعت الى استعلامات وزارة الثقافة اخبخب بالحذاء ، وصلت قبل الموعد بدقائق وانتظرت الضابط لنصف ساعة دون جدوى داعياً الله ان لا يأتي ، ثم قررت الصعود الى غرفة مدير التحرير واخبرته ليس هناك من جاء يسأل عني في الإستعلامات ، طلب مني الجلوس وحرّك اصابعه كالعادة على بثرة لا وجود لها على وجهه واخبرني بهدوء ان اللقاء تأجّل وبوسعك الذهاب الى البيت ، ولما نهضت لمح حذائي العريض فسألني وعلى وجهه طيف ابتسامة وهل كنت تريد اجراء التحقيق معهم بحذائك الطنبوري هذا ؟ جلست من جديد وسردت على مسمعيه الواقعة فإختنق بالضحك وكانت تلك المرة الأولى والأخيرة التي ارى فيها مدير التحرير يضحك امامي .
AZP20
HSNO























