جنيف2 .. حاجة دولية أم سورية ؟

جنيف2 .. حاجة دولية أم سورية ؟

عماد النداف

 بلغت السياسة الأمريكية،  من العجب،  درجة كبيرة!،  فالمتابع البسيط يدرك أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تعد تلك القوة العظمى التي إن أرادت شيئاً قامت بتنفيذه بنفسها وتحت ذريعة ربما كانت واهية دونما حساب لأحد!! أما أن تلجأ الى وكلاء روضتهم وجمعتهم من كل حدب وصوب  وفي بعض الأحيان يشعر المراقب وكأن هذا الوكيل له شأن كبير حتى قيادة وتوجيه سياسة الدولة  الأمريكية، كالحمار الذي يتقدم قافلة الجمال!!بحيث بتنا نسمع تصريحات متناقضة  لذات المسؤول الأمريكي وفي نفس اليوم!، ولعل آخرها مايتعلّق بتعليق المساعدات “غير الفتاكة!!!” للمعارضة السورية الفتاكة!!. أي مكسب تجنيه القوى الداعمة لأولائك شذاذ الآفاق الذين يقتلون الشعب السوري قبل نظامه ؟!؟! هل تحاول الولايات الأمريكية اختراق جدار التصلب الروسي والصمود السوري و فتح ثغرة من خلال المسألة الأوكرانية،  وزيارة فكتوريا نولاند وتبعتها زيارة جون ماكين لدعم المعارضة الأوكرانية علّها تكسب ورقة جديدة للضغط على روسيا،  بعدما بدأت تقتنع أكثر فأكثر بفشل أدواتها  في سوريا وتعاضم قذاراتها وربما ارتداد سوئها حتى عقر دار الأمريكان نفسهم؟ وماذا ينتظر السوريون من مؤتمر جنيف2، وهل بالفعل سينهي هذا المؤتمر مأساتهم ؟

  أكاد أعتقد جازماً أنه :مخطئ من السوريين من يعتقد بأن ما يُشاع في الاعلام عن مؤتمر جنيف 2 أنه سوف يحل وينهي أزمتهم وحربهم المفروضة عليهم،  وهم بل بالأحرى،  قسم كبير منهم، هم اللذين زادوا من سعيرها،  فأحرقتهم لظاها الى هذا الحد. إن ماتعمّق من جراح في النفوس قبل الأجساد يحتاج الى أناس يمكن وصفهم بالاستثنائيين،  من حيث الوعي والثقافة والبصيرة والحكمة وبعد النظر!! وزد على ذلك مسألة الاطاعة من قبل الجماعة لهؤلاء الحكماء والولاء لهم.!!! فهذا أمر بغاية الأهمية  لما له من دور في حسم الأمور والبت في القرار واتخاذ الأحكام، وما نراه بهذا الخصوص على الأرض لايبشر بالخير،  ففي بعض الأماكن الساخنة،  للأسف، خروج اليافعين عن سلطة حتى أهاليهم قبل كبار العائلة، أو حكماء الحي والمنطقة…ينذر بالشؤم واليأس.وهنا تبدو الحاجة الملحّة لسلطة قوية تفرض رأيها وتحل المشكلة. هذه السلطة لا تتوفر سوى في الدولة،  وذراعها الحديدي هو الجيش والقوات المسلحة،  ومن بعدها،  قوى الأمن الداخلي والشرطة.!! وهذان الذراعان يضعان نصب أعينهم، في الوقت الحالي المسألة الأمنية وبسط السيادة وخصوصاً في الأماكن الستراتيجية،  والانتقال من معركة الى معركة حسب ما يقتضيه العقل المدبر لهذه الأذرع . إذا ما أراد السوريون،  على امتداد مساحة وطنهم وجغرافيته،  اختصار الوقت والثمن،  وللأسف هنا الثمن هو الدماء، دمائهم هم، ومستقبل أبنائهم…عليهم ادراك حاجتهم لبعضهم ونبذ من يتدخل بشؤونهم وحياتهم ومعتقداتهم،  واعتباره مثير فتنة وكراهية،  وبالتالي غايته الفرقة والاقتتال .وعليهم أن يدركوا جميعاً أنهم سوريون سواسية في الحقوق والواجبات والمصالح ولعل أهمها اليوم هو الأمن والهدوء . فليسأل كل واحد منهم،  أو كل فئة من السوريين نفسه أو نفسها!!: ألم تكن غالبية الشعب السوري،  إن لم يكن بأكمله،  قبل عام 635 ميلادي، وهو عام دخول الاسلام على سوريا،  مسيحيا!!! ….لكنه كان سورياً …ثم أنه،  اذا ما عدنا الى الوراء أكثر،  وبالتحديد الى عام 313 وهو العام الذي أُعترف فيه بالديانة المسيحية،  كديانة رسمية للامبراطورية الرومانية  من قبل الامبراطور كونستانس “قسطنطين” ووالدته القديسة هيلانة،  فقبل هذا التاريخ كان معظم الناس يدين باليهودية،  والباقي كان وثنياً،  ولكنهم،  كانوا جميعاً سوريون. وكذلك الأمر، في ما قبل، في القرون السابقة للميلاد،  ابتداء بالعهد الأرامي،  والفينيقي، والعموري،  والايبلائي،  واليمحاضي،  والآشوري،  والأكادي،  والبابلي…. والقائمة تتطول الى أكثر من الثلاثين فئة وعهد ومعتقد،  لكنهم جميعاً يشتركون في صفة واحدة،  على اختلاف مشاربهم وهي : سوريتهم !!! كلهم  سوريون أبناء هذه الأرض المباركة والمقدسة. يجب ادراك هذه المسلمة التاريخية والعمل بها فعليا لانهاء هذه الحرب المهزلة التي لن يكون فيها غالب ولامغلوب سوى الخسائر للجميع والعودة الى الوراء بالانجازات. إذا،  ماأريد قوله،  باختصار،  أن جنيف2 أو3 أو… هو ليس غاية أو مخلّص السوريين، من حربهم واقتتالهم،  بل التفافهم حول جيشهم وولائهم لحكمائهم هذا ما ينفعهم ويقصّر أمد أزمتهم ويقطع الطريق على أعدائهم.

أما مانراه ونتابعه،  من تطورات ميدانية،  والانتصارات التي يحققها الجيش السوري والدفاع الوطني، ومضاعفات ذلك على الدول المجاورة والاقليمية،  يجعلنا نتبصر حقيقة الدور الخارجي في اذكاء لهيب النار السورية،  ودرجة التحكم بأدوات اجرامها في حق السوريين، لاأستطيع أن أقول انفلات هذه الأدوات عن السيطرة، لكن بوادر فشلها بدأت تتضح يوما بعد يوم،  من خلال امتدادها الى دول الجوار لمسرح “لعبة الأمم” الى لبنان أولاً والذي خرج سفراء الدول العظمى موحدين، غداة  مقتل وسام الحسن، أحد الأذرع الهامة، من جهة لبنان، في هذا المشروع،  واعلانهم تأييد بقاء الحكومة اللبنانية كما هي. وأيضاً،  مانسمعه عن اغلاق الحكومة التركية لحدودها مع سوريا،  بل التصدّي للجماعات التي تعود الى اراضيها واطلاق النار عليها…فهذا أمر له استحقاقات وتبعات داخلية على الحكومة التركية التي تورطت حتى شحمة آذانها في خيانة جارتها سورية وانخراطها في مشروعها الخاص في البداية، بـ  “أخونة المنطقة ” وبعد سقوط  رأس هذا المشروع في مصر،  تحولها الى أداة كغيرها في يد الغرب،  من أجل حصار روسيا وايران،  وبالتالي قطع الطريق على هذا الحلف بالتمتع بالقوة والنفوذ والطاقة الغازية .نعم ان قواعد اللعبة ” لعبة الأمم” وحسب المنظور والقواعد الأمريكية شارفت على الانتهاء،  ولكن دون أن تتحقق الأهداف الرئيسية لهذه اللعبة،  ولعل أهم تلك الأهداف:كان قطع الطريق على روسيا وعودة حضورها الفعال على الساحة الدولية. كذلك الأمر،  بالنسبة لايران،  فكان ممنوع على دول، غيرالصناعية،  أن تمتلك الصناعة المتطورة والتكنولوجية، لتبقى تابعة وتشتري مستلزماتها من الدول الصناعية،  وبالتالي تكون كغيرها ليست سوى سوقاً لتصريف منتجات الدول الصناعية. وهنا،  ندرك ادراك اليقين، أن ايران،  قد كسرت هذا الحاجز،  وأرغمت الغرب على الاعتراف بحقوقها النووية. وهنا الفشل الاستراتيجي الآخروالثاني لأهداف اللعبة الأمريكية.وبالتالي،  نرى بوضوح البراغماتية الأمريكية في التأقلم مع التطورات: فنجد عودة الاتصالات والعمل على ارساء علاقات جديدة ونوافذ مع الدولة القوية الصاعدة في المنطقة،  لأنها تدرك وتحترم القوي من أجل مصالحا،  وهي هنا مرغمة على ذلك، بفعل قوة الميدان.هنا، أيضاً  تتكشف التصريحات المتناقضة للمسؤولين الأمريكين وفي اليوم الواحد  مثل: التوقف عن تزويد المعارضة الفتاكة بالشعب السوري،  بالأسلحة ( غير الفتاكة )،  ثم العدول عن هذا التصريح، أو التخفيف من حدته كالقول مؤقتاً أو التفاوض مع أدوات جدد ينشقّون عن الخارجين عن بيت طاعتها وانسعارهم لدرجة التوحش وفتك كل ما يعترضهم. مثلما حصل في مجزرة مدينة عدرا العمالية….

صحيح أنه بالنسبة للسوريين، يبدو الأمر وكأنّه غير منتهي،  ولم يعد هناك، ربما،  طاقة على تحمّل المزيد من الألم والصبر،  لكن، مؤتمر جنيف2 هو حاجة دولية ملحّة،  وخاصة للولايات المتحدة الأمريكية والتي تخسر يوما بعد يوم المزيد من الأدوات التي تفضحها سواء كان انسانيا،ام تكتيكياً وميدانياً،  فتلجأ الى فتح ثغرات في جدار التصلّب الروسي لعلها تكسب وتحسن شروط تفاوضها مع الروس،  وما لجوؤها الى التدخّل السافر مؤخراً في الأزمة الأوكرانية،  وربما افتعالها هي لهذه الأزمة،  ليس الا تعبيرا عن فشلها في سوريا. والطّامة الكبرى على الدول الخانعة التابعة للولايات المتحدة الأمريكية متعهدة الذبح والقتل والتفجيرفي سوريا والعراق ولبنان وربما ستمتد الى مصر، فقد تهاوت الواحدة تلو الأخرى،  وما بقي في الميدان سوى حديدان كما يقال في المثل الشعبي، فقد أحرقوا كل مراكب العودة الى الأمان،  دبلوماسيا، فهملايعترفون بحقوق انسان،  وديموقراطياً:هم بعيدون عنها بعد القرود عن الغزلان، وبانتظار أن يولوا الأدبار في الهزيمة والخذلان.فمنذ أن تم الاتفاق على موعد مبدئي لانعقاد “جنيف2” وبعض دول الخليج أعطت الأمر للقتلة بزيادة وتيرة القتل والتدمير، وكذلك زادت من حجم تمويلها للارهابيين، وعقدت الاتفاقات المعلنة مع العدو الحقيقي والوحيد للأمة العربية، في مواجهة التفوق الايراني السوري الروسي .