مصابون بإعاقة ذهنية في خدمة زبائن مطعم فريد بالمغرب

سلا‭ (‬المغرب‭) (‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭) – ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬فدوى‭ ‬لمراني‭ ‬تتذكر‭ “‬فرحة‭” ‬اليوم‭ ‬الذي‭ ‬تلقت‭ ‬فيه‭ ‬الدعوة‭ ‬للعمل‭ ‬نادلة‭ ‬مطعم‭ ‬في‭ ‬مؤسسة‭ ‬فريدة‭ ‬من‭ ‬نوعها‭ ‬بالمغرب،‭ ‬توظف‭ ‬أشخاصا‭ ‬يعانون‭ ‬إعاقة‭ ‬ذهنية‭ ‬وتسعى‭ ‬إلى‭ “‬إبرازهم‭” ‬لتسهيل‭ ‬إدماجهم‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬العمل‭.‬

تقول‭ ‬الشابة‭ (‬33‭ ‬عاما‭) ‬مبتسمة‭ “‬كنت‭ ‬أعشق‭ ‬هذه‭ ‬المهنة‭ ‬وفرحت‭ ‬كثيرا‭ ‬عندما‭ ‬اتصلوا‭ ‬بي‭ ‬للعمل‭ ‬هنا‭ ‬بعدما‭ ‬كنت‭ ‬أقضي‭ ‬وقتي‭ ‬في‭ ‬البيت‭”‬،‭ ‬بينما‭ ‬تستعد‭ ‬لاستقبال‭ ‬الزبائن‭ ‬قبيل‭ ‬موعد‭ ‬الغداء‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المطعم‭ ‬الواقع‭ ‬وسط‭ ‬مزارع‭ ‬ومشاتل‭. ‬وهي‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬نحو‭ ‬ستين‭ ‬شخصا‭ ‬يعانون‭ ‬إعاقة‭ ‬ذهنية‭ ‬يعملون‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الفضاء‭ ‬التابع‭ “‬لمركز‭ ‬الإدماج‭ ‬والمساعدة‭ ‬بالتشغيل‭” ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬سلا‭ ‬المتاخمة‭ ‬للعاصمة،‭ ‬بعد‭ ‬تلقي‭ ‬تدريب‭ ‬خاص‭.‬‮ ‬

يشارك‭ ‬بعضهم‭ ‬في‭ ‬تحضير‭ ‬الوجبات‭ ‬داخل‭ ‬المطبخ،‭ ‬ويتولى‭ ‬البعض‭ ‬خدمة‭ ‬الزبائن،‭ ‬فيما‭ ‬يعمل‭ ‬آخرون‭ ‬في‭ ‬الزراعة‭ ‬أو‭ ‬بيع‭ ‬منتجات‭ ‬زراعية‭ ‬في‭ ‬قسم‭ ‬خاص‭ ‬عند‭ ‬مدخل‭ ‬المركز،‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬رعاية‭ ‬الخيول‭ ‬وتربية‭ ‬الدواجن‭.‬

يسعى‭ ‬هذا‭ ‬المشروع‭ ‬إلى‭ ‬مساعدة‭ ‬المصابين‭ ‬بهذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬الإعاقة‭ ‬على‭ ‬الاندماج‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬عمل‭ ‬يوفر‭ ‬مردودا،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعد‭ ‬تحديا‭ ‬صعبا‭ ‬لهذه‭ ‬الفئة‭ “‬لاعتبارات‭ ‬اجتماعية‭ ‬وثقافية‭”‬،‭ ‬كما‭ ‬يوضح‭ ‬مديره‭ ‬سعيد‭ ‬البقال‭.‬

علما‭ ‬بأن‭ ‬معدل‭ ‬البطالة‭ ‬بين‭ ‬المصابين‭ ‬بإعاقة،‭ ‬بشكل‭ ‬عام،‭ ‬يبقى‭ ‬جد‭ ‬مرتفعا‭ (‬47,64‭ ‬بالمئة‭) ‬وفق‭ ‬آخر‭ ‬أرقام‭ ‬رسمية‭ ‬متوفرة‭. ‬زيادة‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الإعاقة‭ ‬من‭ ‬أسباب‭ ‬الانقطاع‭ ‬عن‭ ‬الدراسة‭.‬

للتخفيف‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬المعضلة‭ ‬أطلق‭ ‬كل‭ ‬من‭ “‬المركز‭ ‬الوطني‭ ‬محمد‭ ‬السادس‭ ‬للمعاقين‭” ‬و‭”‬مكتب‭ ‬التكوين‭ ‬المهني‭” ‬منذ‭ ‬العام‭ ‬2010‭ ‬برنامجا‭ ‬خاصا‭ ‬بتدريب‭ ‬المصابين‭ ‬بإعاقة‭ ‬ذهنية‭ ‬في‭ ‬خمس‭ ‬مهن،‭ ‬هي‭ ‬العمل‭ ‬المطعمي‭ ‬وتموين‭ ‬الحفلات‭ ‬والبيع‭ ‬وتحضير‭ ‬الحلويات‭ ‬والزراعة‭.‬‮ ‬

بعد‭ ‬عامين‭ ‬يتوج‭ ‬هذا‭ ‬التدريب‭ ‬الذي‭ ‬ترافقه‭ ‬رعاية‭ ‬طبية‭ ‬ونفسية،‭ ‬بدبلوم‭ ‬يؤهل‭ ‬للحصول‭ ‬على‭ ‬عمل‭. ‬لكن‭ “‬لوحظ‭ ‬أن‭ ‬تشغيلهم‭ ‬يبقى‭ ‬ضعيفا‭”‬،‭ ‬حيث‭ “‬يتخوف‭ ‬الناس‭ ‬عادة‭ ‬من‭ ‬توظيف‭ ‬شخص‭ ‬معوق‭ ‬ذهنيا‭ ‬ومن‭ ‬كيفية‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬وضعية‭ ‬كهذه‭”‬،‭ ‬كما‭ ‬يوضح‭ ‬البقال‭.‬

‭”‬سأفتح‭ ‬مطعمي‭ ‬الخاص‭”‬

لذلك‭ ‬أنشأ‭ ‬مركز‭ ‬الإدماج‭ ‬والمساعدة‭ ‬بالتشغيل‭ ‬العام‭ ‬2016‭ ‬ليوظف‭ ‬هؤلاء‭ ‬الخريجين‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬ويسعى‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬ثانية‭ ‬إلى‭ ‬إطلاع‭ ‬مسؤولي‭ ‬التوظيف‭ ‬في‭ ‬القطاعين‭ ‬العام‭ ‬والخاص‭ ‬على‭ “‬كفاءاتهم‭ ‬واجتهاداتهم‭”‬،‭ ‬كما‭ ‬يتابع‭ ‬البقال‭.‬

ويؤكد‭ ‬عماد‭ ‬مفيد‭ (‬31‭ ‬عاما‭) ‬بحماس‭ ‬وثقة‭ ‬قدرته‭ “‬على‭ ‬زراعة‭ ‬أي‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬الخضر‭ ‬والفواكه‭… ‬أستطيع‭ ‬أن‭ ‬أريكم‭ ‬إذا‭ ‬أردتم‭”.‬

تلقى‭ ‬هذا‭ ‬الشاب‭ ‬تدريبا‭ ‬في‭ ‬الزراعة‭ ‬وتربية‭ ‬الدواجن،‭ ‬لكنه‭ ‬بقي‭ ‬عاطلا‭ ‬عن‭ ‬العمل‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يفتتح‭ ‬هذا‭ ‬المركز‭ ‬ليلتحق‭ ‬بمزرعته،‭ ‬ما‭ ‬أتاح‭ ‬له‭ “‬مساعدة‭ ‬والدته‭”‬،‭ ‬كما‭ ‬يضيف،‭ ‬معربا‭ ‬عن‭ “‬ارتياحه‭ ‬هنا‭.. ‬لا‭ ‬أريد‭ ‬تغيير‭ ‬هذا‭ ‬العمل‭”.‬

في‭ ‬حين‭ ‬تحلم‭ ‬فدوى‭ ‬بالانتقال‭ ‬للعمل‭ “‬في‭ ‬أي‭ ‬مطعم‭ ‬آخر‭… ‬سأكون‭ ‬سعيدة‭ ‬إذا‭ ‬اتصلوا‭ ‬بي‭”‬،‭ ‬رغم‭ ‬أنها‭ “‬تسعد‭ ‬كثيرا‭ ‬هنا‭ ‬خصوصا‭ ‬حين‭ ‬تأتي‭ ‬عائلات‭ ‬للأكل‭ ‬والتنزه‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬الأسبوع‭”. ‬أما‭ ‬زميلها‭ ‬إسماعيل‭ ‬التباع‭ (‬33‭ ‬عاما‭) ‬فيحمل‭ ‬طموحا‭ ‬أكبر،‭ “‬سأفتح‭ ‬مطعمي‭ ‬الخاص‭ ‬إن‭ ‬شاء‭ ‬الله‭.. ‬تعجبني‭ ‬هذه‭ ‬المهنة‭ ‬كثيرا‭”. ‬افتتحت‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬ستة‭ ‬مراكز‭ ‬تكوين‭ ‬أخرى‭ ‬تضم‭ ‬حاليا‭ ‬228‭ ‬متدربا،‭ ‬فيما‭ ‬استطاع‭ ‬42‭ ‬خريجا‭ “‬الاندماج‭ ‬في‭ ‬شركات‭ ‬خارجية‭”‬،‭ ‬وفق‭ ‬المسؤول‭ ‬بالمركز‭ ‬الوطني‭ ‬محمد‭ ‬السادس‭ ‬للمعاقين‭ ‬عبد‭ ‬اللطيف‭ ‬معتضد‭.‬

لكن‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬الجهود،‭ “‬بما‭ ‬فيها‭ ‬اجتهادات‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني،‭ ‬تبقى‭ ‬مبادرات‭ ‬أولية‭ ‬لا‭ ‬تكفي‭ ‬لتلبية‭ ‬احتياجات‭ ‬الأشخاص‭ ‬ذوي‭ ‬الإعاقة‭ ‬الذهنية‭ ‬على‭ ‬الصعيد‭ ‬الوطني‭”‬،‭ ‬كما‭ ‬يوضح‭ ‬البقال‭.‬

يسعى‭ ‬المسؤولون‭ ‬إلى‭ “‬تسليط‭ ‬الضوء‭” ‬أكثر‭ ‬على‭ ‬هؤلاء‭ ‬الخريجين‭ ‬بافتتاح‭ ‬مطاعم‭ ‬أخرى،‭ ‬والمشاركة‭ ‬في‭ ‬تموين‭ ‬حفلات‭ ‬التغذية‭ ‬في‭ ‬مؤتمرات‭ ‬أو‭ ‬أنشطة‭ ‬عمومية‭…‬‮ ‬

ويريدون‭ ‬على‭ ‬الخصوص‭ “‬تغيير‭ ‬رؤيتنا‭ ‬للمعوق‭ ‬وإبراز‭ ‬صورته‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭.. ‬هذا‭ ‬تحد‭ ‬أمامنا‭”‬،‭ ‬كما‭ ‬تقول‭ ‬مسؤولة‭ ‬الحجوزات‭ ‬في‭ ‬المطعم‭ ‬دنيا‭ ‬زين‭ ‬العابدين‭.‬