
العطاءات الحضارية لبغداد التاريخ – محمد مظفر الادهمي
يعتبر العصر العباسي الاول ،وخصوصا فترة حكم الخلفاء ابو جعفر المنصور وهارون الرشيد والمامون من اهم عهود العطاءات العلمية للحضارة العربية الاسلامية ، حين اهتموا بالعلوم بمختلف فروعها كالطب والصيدلة والهندسة والكيمياء والفيزياء والجغرافية والفلك والاداب والفنون ، وقاموا برعاية العلماء وتشجيعهم ، وقصد بغداد طلاب العلم من كل انحاء العالم بحيث اصبحت اللغة العربية لغة العلوم في العالم ،وترجمت اليها علوم اليونان الاغريق والرومان في الطب والهندسة والفلك ،وانشيء اول مصنع للورق في بغداد عام 795 ميلادية ،بعد ان كان الورق يستورد من الصين، فانتشرت المكتبات ،وكانت اضخمها مكتبة الخليفة العباسي ابو جعفر المنصور التي تحولت في عهد الخليفتين هارون الرشيد والمامون ،الى خزانة بيت الحكمة الذي اصبح مركزاً للبحث العلمي والترجمة والتأليف والنسخ والتجليد، وصار لبيت الحكمة دوائر علمية متنوعة لكل منها علماؤها ومترجموها ومشرفون يتولون أمورها المختلفة. . وكان بيت الحكمة يضم غرفًا عديدة ، خُصصت بعضها للكتب، وبعضها للمحاضرات، وبعضها الآخر للناسخين والمترجمين والمجلدين.
وبفضل هذا الاهتمام من قبل الخليفة هارون الرشيد تطورت العلوم الطبية والصيدلة والهندسية والفلكية والجغرافية وغيرها ، واستعملت القناديل لأول مرة في إضاءة الطرقات والمساجد، وأنشأ هارون الرشيد أكبر مستشفى في عصره، سماها باسمه «مستشفى الرشيد» في بغداد، ضمت في كادرها أمهر الأطباء، ، وابتكرالعلماء عددا من الاختراعات كالساعة المائية، كما شجع هارون الرشيد الدراسات العقلية والدينية والفنية ،وانتشرت الكتاتيب والمدارس في المساجد و الجوامع وغدا كل شخص ببغداد بامكانه تعلم القراءة والكتابة.
مدارس علمية
كما ساهم بيت الحكمة في بغداد بإنقاذ التراث العالمي من الفناء والضياع بجلبه كنوز المعرفة من أنحاء العالم وترجمتها ثم حفظها ونشرها. وقد ساهمت مؤلفات علماء بيت الحكمة في نشأة مراكز ومدارس علمية جديدة في كل من خراسان والري وأصبهان وأذربيجان وما وراء النهر ومصر والشام والأندلس، حيث شجع إنشاء بيت الحكمة دول العالم الإسلامي تأسيس مراكز علمية على غراره.وكان لهذه الحركة العلمية العربية الاسلامية اثرها غي نهضة اوربا في القرنين الخامس عشر والسادس عشر . يقول كوستاف لوبون في كتابه حضارة العرب : اذا كانت هناك امة نقر باننا مدينون لها بمعرفتنا لعالم الزمن القديم ،فالعرب هم تلك الامة ، لا رهبان القرون الوسطى الذين كانوا يجهلون حتى اسم اليونان. وتقول الباحثة الالمانية زنكريد هونكة في كتابها (شمس العرب تسطع على الغرب ) :ان مراكز الثقافة الاوربية قبل قيام نهضتها كانت عبارة عن ابراج يسكنها امراء اقطاعيون متوحشون يفخرون انهم لا يقرأون . وعند قيام النهضة لم يكن هناك عالم واحد من بين العلماء في مراكز العلم الاوربية الا ومد يده الى الكنوز العربية يغرف منها ما يشاء
واذا ما تناولنا العطاءات العلمية للعرب المسلمين بشكل عام وليس فقط في العصر العباسي ،بمعنى في الاندلس و المغرب العربي ، فان كتبهم قد بقيت ترجماتها العلمية المصدر الوحيد تقريبا للتدريس في جامعات اوربا لخمسة او ستة قرون من الزمن ، بل ان كتب ابن سينا في علم الطب كانت تدرس في اوربا حتى اواخر القرن الثامن عشر الميلادي ، واصبح لقب (روح ابن سينا) يفخر بحمله كل طبيب في اوربا . كما اطلق الفرنسيون اسم (رازاس) على ابي بكر الرازي الذي اقاموا له نصبا في باحة القاعة الكبرى في مدرسة الطب وعلقوا صورته في قاعة اخرى بشارع سان جرمان .
وأبو بكر محمد بن يحيى بن زكريا الرازي) طبيبٌ وكيميائي وفيلسوف مسلم من علماء العصر الذهبي العباسي ، وصفته سينغريد هونكه في كتابها شمس العرب تسطع على الغرب «أعظم أطباء الإنسانية على الإطلاق» ، حيث ألف كتاب الحاوي في الطب، الذي كان يضمُّ كل المعارف الطبية منذ أيام الإغريق وظل المرجع الطبي الرئيسي في أوروبا لمدة 400 سنة .
وقد أمضى الرازي ريعان شبابه في بغداد مدينة السلام، فدرس الطب في بغداد. وبعد إتمام دراساته الطبية في بغداد، ذهب الرازي إلى مدينة الري في بلاد فارس بدعوة من حاكمها، منصور بن إسحاق، ليتولى إدارة مستشفى الري. ثم عاد ثانية إلى بغداد ليتولى رئاسة المستشفى المعتضدي الجديد، الذي أنشأه الخليفة المعتضد بالله للفترة (279- 289 هـ /892- 902 م).
خيوط الجراحة
ومن كتبه كتاب «الأدوية المفردة» الذي يتضمن الوصف الدقيق لتشريح أعضاء الجسم. وهو أول من ابتكر خيوط الجراحة من امعاء الحيوانات ، وصنع المراهم، وله مؤلفات في الصيدلة ساهمت في تقدم علم العقاقير.
تمت ترجمة كتب الرازي إلى اللغة اللاتينية ولا سيما في الطب والفيزياء والكيمياء كما ترجمت إلى اللغات الأوروبية الحديثة ودُرسَت في الجامعات الأوروبية لا سيما في هولندا حيث كانت كتب الرازي من المراجع الرئيسة في جامعات هولندا حتى القرن السابع عشر. وقد اعيد طباعة كتابه الجدري والحصبة اربع مرات . أما كتابه «المنصوري» فقد طبع لأول مرة في «ميلانو» عام (1481م)، ، وترجمت أجزاء منه إلى الفرنسية والألمانية. وظلت تلك المؤلفات من المراجع الأساسية لدراسة الطب في أوربا حتى القرن 17م، ولا تزال «جامعة برنستون» الأمريكية تحتفظ بكتب الرازي في قاعة من أفخم قاعاتها، أطلق عليها اسمه اعترافًا بفضله ومآثره على علم الطب في العالم أجمع واذا ما عدنا الى علماء بغداد الآخرين فان من ابرزهم محمد بن موسى الخوارزمي الذي عرف بتنوع علومه في الفلك، والرياضيات، والجبر، وعلم الجغرافيا الذي اشتهر به في فترة الخلافة العباسية، وهو من العلماء الباحثين في بيت الحكمة ببغداد، ، وقد كان كتابه المختصر في حساب الجبر والمقابلة أول كتاب يتناول كيفية حل المعادلات الخطية والتربيعية باللغة العربية، وتمت ترجمة الكثير من أعماله إلى لغات أخرى. ، ويعتبربيت الحكمة المكان الذي شهد إنجاز أغلب الأعمال العلمية للخورازمي، ففي الرياضيات استطاع وضع منهج لحل المعادلات الخطية والتربيعية وكانت أعماله أساساً لما يُعرف بعلم الجبر، ويُعتبر كتاب الجبر والمقابلة أحد أهم الكتب التي ألّفها في مجال الرياضيات، وقد تمت ترجمة هذا الكتاب إلى اللغة اللاتينية في القرن الثاني عشر مما أثر بشكل كبير في تقدُم علوم الرياضيات في دول أوروبا.
محمد بن موسى الخوارزمي ، عالم الرياضيات العربي المسلم الذي اوجد علم الجبر، وقام بنقل الأرقام العربية وعلم الرياضيات إلى أوروبا، كما قام الخوارزمي بتطور الجيب وجيب التمام والجداول المثلثية، ولقد كان كتابه الشهير «حساب الجبر والمقابلة» يدرس في الجامعات الأوروبية حتى القرن السادس عشر، كما قام بوصف ستة أنواع أساسية من المعادلات الرياضية، ووضع مفهوم الصفر ونظام المواقع العشرية . وفي عهد المأمون كان له دور مع مجموعة من العلماء في رسم أول خارطة للعالم.
لم تنحصر مساهمة الخوارزمي العلمية في مجال الرياضيات ، بل ساهم في علم الجغرافيا فالف كتاب صور الأرض التي قسّمَها إلى بحار، وجبال، وجزر، وأنهار، ومُدن، ، ثم أفرزها تبعاً للمناخ السائد فيها. وقام الخوارزمي بتصحيح اخطاء جغرافية وقع فيها العالم اليوناني الشهير بطليموس، كما تضمن كتابه العديد من الخرائط المرسومة، .
بالإضافة إلى أنّ الخوارزمي وبأمر من الخليفة المأمون عمل على قياس حجم وسعة الارض، فضلاً عن رسم أول خريطة للعالم وبمساعدة سبعين عالماً جغرافياً .
وفي علم الفلك ساهم العالِم الخوارزمي في تقديم العديد من الأمور ضمن مجال العلوم الفلكية، حيث قدّم مجموعة متنوعة من الجداول الفلكية وقد أدت ترجمتهاإلى إدخال علوم جديدة في اوربا لم تكن معروفة آنذاك، كما قدّم الخوارزمي أطروحتين وبعض الأعمال الخاصة بجهاز الأسطرلاب؛ فتناولت بعض هذه الأعمال ما يُعرف بالساعة الشمسية.وهناك العديد من الأعمال الأخرى التي قدّمها الخوارزمي؛ كالمخطوطات التي تتحدث عن تحديد اتجاه القبلة، كتلك المخطوطة الموجودة في إسطنبول والتي تمّ ذكرها في كتاب (الفهرست) متحدّثةً عن الساعات الشمسية أو المزولة الشمسية، كما كتب الخوارزمي كتباً لم تُحفظ لغاية يومنا هذا ولكن ذكرها ابن النديم في كتابه؛ وهما: كتاب التاريخ، وكتاب المزولات، وقد تحدث كلا الكتابين المفقودين عن كيفية صنع واستخدام الأسطرلاب.
أهدى الخوارزمي كتاب الجبر والمقابلة إلى الخليفة المأمون الذي يتناول حلولًا رياضية للقضايا الدينية والعملية، حيث يقول الخوارزمي: «« وقد شجعني ما فضل الله به الامام المأمون على أن ألّفتُ من حساب الجبر والمقابلة كتابا مختصرا حاصرا للطيف الحساب، وجليله لما يلزم الناس من الحاجة اليه في موارثهم ووصاياهم وفي مقاسمتهم وأحكامهم وتجاراتهم وفي جميع ما يتعاملون به بينهم من مساحة الأرضين وكري الأنهار والهندسة وغير ذلك من وجوهه وفنونه.























