
من يستمع لهذه الأغنية الباذخة الجمال، ولا يعرف طبيعة الغناء العراقي قد يظنها قداس جنائزي، إذ تبدو على الجمهور المتفاعل معها هنا مشاعر الحزن، والسكينة.
كلمات الأغنية عراقية بغدادية بحتة قديمة، قد تعود إلى أواخر العصر العثماني في العراق، وقد لحنها اليهودي العراقي صالح الكويتي لتغنيها المطربة سليمة باشا مراد وتشتهر باسمها أوائل ثلاثينيات القرن العشرين.
(قلبك صخر جلمود…ما حن عليَّ
وأنتَ بطرب وبكيف والبيَّ بيَّ)
إذن الخطاب يُوجه له ( ضمير المخاطب أنتَ أو أنتِ)، إذ غالباً ما كان يستعاض بالضمير المذكر عن الضمير المؤنث في قصائد وأغاني الحب في العراق، لتكون صالحة للجنسين في توجيه الخطاب بعضهم للبعض..
ويصف صاحب الكلمات قلب حبيبه (بالصخر الجلمود)، والجلمود هو أشد أنواع الصخور المتكورة الشديدة القوة والصلابة، لكن لماذا؟
الشطر الثاني من البيت يوضح لنا سبب ذلك، إذ أنتَ أيها الحبيب تعيش حالة من السعادة والهناء في الوقت الذي اعاني فيه من جفاءك، ومن قلبك الذي (لا يحن)..
ثم يكمل المقطع الأول من الأغنية بتغيير لهجة الخطاب من خلال تغيير الضمير(انتَ) إلى الضمير( أنتم)، إذ يتم الطلب من الجميع أن ينقلوا لهذا الحبيب المتجبر الحقيقة التالية:
( قولوا له..قولوا له) توكيد على مرتين،
( ما بيه لوله)، واللولة هي أية صفة سلبية تلحق بشخص ما.
( بس الخزر بالعين صايرله سوله)
إلا أن النظرات المركزة المتكررة بتلك العينين الساحرتين والتي أصبحت عادة له،هي ( اللولة) الوحيدة التي تصيب في مقتل كل من توجه له..
( بهيدة يَ بعد جلاي ريض دَ احاجيك)
مفردات عراقية تحتاج إلى تفسير معاني للقارئ العربي، إذ ( بهيدة) تعني رويداً على مهلك،فيما تعني جلاي بالجيم الفارسية المثلثة ( الكليتين) وفي العراق يتم تقديم أقصى مشاعر الحب بعبارات تسبقها ( يَ بعد) عيناي، أو قلبي، أو روحي،أو عمري، أي أنني أتمنى بقاءك سالماً بعد أن يحصل لي ضرر في واحدة أو في كل المفردات المشار إليها.
(دَ) هي مختصر بغدادي لكلمة سوف، (أحاجيك) أيضا هي بالجيم الفارسية المثلثة التي يكثر استعمالها باللهجات العراقية وتعني (أحاكيك) أو أحكي معك..
إذن هنا الحبيب المغرم بحبيبه صاحب القلب الجلمود يطلب منه أن ينتظره قليلاً لكي يكلمه خوفاً من:
(خاف الفراق يطول وما بعد ألاقيك)
( قولوله قولوله…مبيه لوله
بس الخِزر بالعين صايرله سوله)
والخزر في اللهجة البغدادية المغرقة بالترف تُلفظ بكسر الخاء عكس ما يحصل في لهجات جنوب العراق إذ يتم فتحها.
وتبلغ حالة التطرف العراقي في الحب أوجها في المقطع الأخير من الأغنية،
(لو ما لهيب حشاي بضلوعي أضمك)،
أي لولا اللهيب المشتعل في كياني بسبب هجرك، وقلبك الجلمود، وخزراتك القاتلة، وغرورك، وخوفي عليك، لو لا هذا اللهيب لكنتُ قد خبئتك بين ضلوعي.
ومن الغريب أن ينتقل الشطر الثاني من هذا البيت من أقصى اليسار (بضلوعي أضمك) إلى أقصى اليمين( أتمنى وردة تصير كل ساعة أشمك)..























