قلبك‭ ‬صخر‭ ‬جلمود‭  ‬-محمد حمود ابراهيم

من‭ ‬يستمع‭ ‬لهذه‭ ‬الأغنية‭ ‬الباذخة‭ ‬الجمال،‭ ‬ولا‭ ‬يعرف‭ ‬طبيعة‭ ‬الغناء‭ ‬العراقي‭ ‬قد‭ ‬يظنها‭ ‬قداس‭ ‬جنائزي،‭ ‬إذ‭ ‬تبدو‭ ‬على‭ ‬الجمهور‭ ‬المتفاعل‭ ‬معها‭ ‬هنا‭ ‬مشاعر‭ ‬الحزن،‭ ‬والسكينة‭. ‬

كلمات‭ ‬الأغنية‭ ‬عراقية‭ ‬بغدادية‭ ‬بحتة‭ ‬قديمة،‭ ‬قد‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬أواخر‭ ‬العصر‭ ‬العثماني‭ ‬في‭ ‬العراق،‭ ‬وقد‭ ‬لحنها‭ ‬اليهودي‭ ‬العراقي‭ ‬صالح‭ ‬الكويتي‭ ‬لتغنيها‭ ‬المطربة‭ ‬سليمة‭ ‬باشا‭ ‬مراد‭ ‬وتشتهر‭ ‬باسمها‭ ‬أوائل‭ ‬ثلاثينيات‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭. ‬

‭(‬قلبك‭ ‬صخر‭ ‬جلمود‭…‬ما‭ ‬حن‭ ‬عليَّ‭ ‬

وأنتَ‭ ‬بطرب‭ ‬وبكيف‭ ‬والبيَّ‭ ‬بيَّ‭) ‬

إذن‭ ‬الخطاب‭ ‬يُوجه‭ ‬له‭ ( ‬ضمير‭ ‬المخاطب‭ ‬أنتَ‭ ‬أو‭ ‬أنتِ‭)‬،‭ ‬إذ‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يستعاض‭ ‬بالضمير‭ ‬المذكر‭ ‬عن‭ ‬الضمير‭ ‬المؤنث‭ ‬في‭ ‬قصائد‭ ‬وأغاني‭ ‬الحب‭ ‬في‭ ‬العراق،‭ ‬لتكون‭ ‬صالحة‭ ‬للجنسين‭ ‬في‭ ‬توجيه‭ ‬الخطاب‭ ‬بعضهم‭ ‬للبعض‭.. ‬

ويصف‭ ‬صاحب‭ ‬الكلمات‭ ‬قلب‭ ‬حبيبه‭ (‬بالصخر‭ ‬الجلمود‭)‬،‭ ‬والجلمود‭ ‬هو‭ ‬أشد‭ ‬أنواع‭ ‬الصخور‭ ‬المتكورة‭ ‬الشديدة‭ ‬القوة‭ ‬والصلابة،‭ ‬لكن‭ ‬لماذا؟‭ ‬

الشطر‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬البيت‭ ‬يوضح‭ ‬لنا‭ ‬سبب‭ ‬ذلك،‭ ‬إذ‭ ‬أنتَ‭ ‬أيها‭ ‬الحبيب‭ ‬تعيش‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬السعادة‭ ‬والهناء‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬اعاني‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬جفاءك،‭ ‬ومن‭ ‬قلبك‭ ‬الذي‭ (‬لا‭ ‬يحن‭).. ‬

ثم‭ ‬يكمل‭ ‬المقطع‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬الأغنية‭ ‬بتغيير‭ ‬لهجة‭ ‬الخطاب‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تغيير‭ ‬الضمير‭(‬انتَ‭) ‬إلى‭ ‬الضمير‭( ‬أنتم‭)‬،‭ ‬إذ‭ ‬يتم‭ ‬الطلب‭ ‬من‭ ‬الجميع‭ ‬أن‭ ‬ينقلوا‭ ‬لهذا‭ ‬الحبيب‭ ‬المتجبر‭ ‬الحقيقة‭ ‬التالية‭: ‬

‭( ‬قولوا‭ ‬له‭..‬قولوا‭ ‬له‭) ‬توكيد‭ ‬على‭ ‬مرتين،‭ ‬

‭( ‬ما‭ ‬بيه‭ ‬لوله‭)‬،‭ ‬واللولة‭ ‬هي‭ ‬أية‭ ‬صفة‭ ‬سلبية‭ ‬تلحق‭ ‬بشخص‭ ‬ما‭. ‬

‭( ‬بس‭ ‬الخزر‭ ‬بالعين‭ ‬صايرله‭ ‬سوله‭) ‬

إلا‭ ‬أن‭ ‬النظرات‭ ‬المركزة‭ ‬المتكررة‭ ‬بتلك‭ ‬العينين‭ ‬الساحرتين‭ ‬والتي‭ ‬أصبحت‭ ‬عادة‭ ‬له،هي‭ ( ‬اللولة‭) ‬الوحيدة‭ ‬التي‭ ‬تصيب‭ ‬في‭ ‬مقتل‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬توجه‭ ‬له‭.‬‭. ‬

‭( ‬بهيدة‭ ‬يَ‭ ‬بعد‭ ‬جلاي‭ ‬ريض‭ ‬دَ‭ ‬احاجيك‭) ‬

مفردات‭ ‬عراقية‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬تفسير‭ ‬معاني‭ ‬للقارئ‭ ‬العربي،‭ ‬إذ‭ ( ‬بهيدة‭) ‬تعني‭ ‬رويداً‭ ‬على‭ ‬مهلك،فيما‭ ‬تعني‭ ‬جلاي‭ ‬بالجيم‭ ‬الفارسية‭ ‬المثلثة‭ ( ‬الكليتين‭) ‬وفي‭ ‬العراق‭ ‬يتم‭ ‬تقديم‭ ‬أقصى‭ ‬مشاعر‭ ‬الحب‭ ‬بعبارات‭ ‬تسبقها‭ ( ‬يَ‭ ‬بعد‭) ‬عيناي،‭ ‬أو‭ ‬قلبي،‭ ‬أو‭ ‬روحي،أو‭ ‬عمري،‭ ‬أي‭ ‬أنني‭ ‬أتمنى‭ ‬بقاءك‭ ‬سالماً‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬يحصل‭ ‬لي‭ ‬ضرر‭ ‬في‭ ‬واحدة‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬المفردات‭ ‬المشار‭ ‬إليها‭. ‬

‭(‬دَ‭) ‬هي‭ ‬مختصر‭ ‬بغدادي‭ ‬لكلمة‭ ‬سوف،‭ (‬أحاجيك‭) ‬أيضا‭ ‬هي‭ ‬بالجيم‭ ‬الفارسية‭ ‬المثلثة‭ ‬التي‭ ‬يكثر‭ ‬استعمالها‭ ‬باللهجات‭ ‬العراقية‭ ‬وتعني‭ (‬أحاكيك‭) ‬أو‭ ‬أحكي‭ ‬معك‭.. ‬

إذن‭ ‬هنا‭ ‬الحبيب‭ ‬المغرم‭ ‬بحبيبه‭ ‬صاحب‭ ‬القلب‭ ‬الجلمود‭ ‬يطلب‭ ‬منه‭ ‬أن‭ ‬ينتظره‭ ‬قليلاً‭ ‬لكي‭ ‬يكلمه‭ ‬خوفاً‭ ‬من‭: ‬

‭(‬خاف‭ ‬الفراق‭ ‬يطول‭ ‬وما‭ ‬بعد‭ ‬ألاقيك‭) ‬

‭( ‬قولوله‭ ‬قولوله‭…‬مبيه‭ ‬لوله‭ ‬

بس‭ ‬الخِزر‭ ‬بالعين‭ ‬صايرله‭ ‬سوله‭) ‬

والخزر‭ ‬في‭ ‬اللهجة‭ ‬البغدادية‭ ‬المغرقة‭ ‬بالترف‭ ‬تُلفظ‭ ‬بكسر‭ ‬الخاء‭ ‬عكس‭ ‬ما‭ ‬يحصل‭ ‬في‭ ‬لهجات‭ ‬جنوب‭ ‬العراق‭ ‬إذ‭ ‬يتم‭ ‬فتحها‭. ‬

وتبلغ‭ ‬حالة‭ ‬التطرف‭ ‬العراقي‭ ‬في‭ ‬الحب‭ ‬أوجها‭ ‬في‭ ‬المقطع‭ ‬الأخير‭ ‬من‭ ‬الأغنية،‭ ‬

‭(‬لو‭ ‬ما‭ ‬لهيب‭ ‬حشاي‭ ‬بضلوعي‭ ‬أضمك‭)‬،‭ ‬

أي‭ ‬لولا‭ ‬اللهيب‭ ‬المشتعل‭ ‬في‭ ‬كياني‭ ‬بسبب‭ ‬هجرك،‭ ‬وقلبك‭ ‬الجلمود،‭ ‬وخزراتك‭ ‬القاتلة،‭ ‬وغرورك،‭ ‬وخوفي‭ ‬عليك،‭ ‬لو‭ ‬لا‭ ‬هذا‭ ‬اللهيب‭ ‬لكنتُ‭ ‬قد‭ ‬خبئتك‭ ‬بين‭ ‬ضلوعي‭. ‬

ومن‭ ‬الغريب‭ ‬أن‭ ‬ينتقل‭ ‬الشطر‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬البيت‭ ‬من‭ ‬أقصى‭ ‬اليسار‭ (‬بضلوعي‭ ‬أضمك‭) ‬إلى‭ ‬أقصى‭ ‬اليمين‭( ‬أتمنى‭ ‬وردة‭ ‬تصير‭ ‬كل‭ ‬ساعة‭ ‬أشمك‭).. ‬