الثقافة‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬خارج‭ ‬البعد‭ ‬التنموي‭ ‬في‭ ‬المغرب

638

الشاعر‭ ‬مراد‭ ‬القادري‭ ‬رئيس‭ ‬بيت‭ ‬الشعر‭ ‬بالمغرب‭ ‬والخبير‭ ‬في‭ ‬الادارة‭ ‬الثقافية‭ ‬لـ‭ (‬الزمان‭):‬

عبدالحق‭ ‬بن‭ ‬رحمون‭ ‬‭-‬‭ ‬الرباط

لديه‭ ‬خبرة‭ ‬عريضة‭ ‬وتعمق‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭ ‬كما‭ ‬أنه‭ ‬منشغل‭ ‬بالقصيدة‭ ‬المعاصرة‭ ‬إنتاجًا‭ ‬وبحثًا‭. ‬يرأس‭ ‬حاليا‭ ‬مؤسسة‭ ‬بيت‭ ‬الشعر‭ ‬بالمغرب،‭ ‬وهي‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أهمِّ‭ ‬المؤسسات‭ ‬الثقافية‭ ‬الوطنية‭ ‬التي‭ ‬برهنت،‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬عقدين‭ ‬من‭ ‬الزمن،‭ ‬على‭ ‬حيويتها‭ ‬وديناميتها،‭ ‬ونجاحها‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬تكسب‭ ‬الشعر‭ ‬المغربي‭ ‬أراضي‭ ‬شاسعة‭ ‬من‭ ‬الاهتمام‭ ‬والتداول‭ ‬داخل‭ ‬المغرب‭ ‬وخارجه،‭ ‬ولعل‭ ‬ما‭ ‬يؤكد‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬الانتظام‭ ‬السنوي‭ ‬لجائزة‭ ‬الأركانة‭ ‬العالمية‭ ‬للشعر‭ ‬التي‭ ‬صار‭ ‬لها‭ ‬موقع‭ ‬قدم‭ ‬في‭ ‬منافسة‭ ‬كبرى‭ ‬الجوائز‭ ‬العالمية‭. ‬وهنا‭ ‬قال‭ ‬لـ‭ ‬‭(‬الزمان‭)‬‭ ‬الشاعر‭ ‬الدكتور‭ ‬مراد‭ ‬القادري‭ ‬رئيس‭ ‬بيت‭ ‬الشعر‭ ‬بالمغرب‭ ‬في‭ ‬حوار‭ ‬أكثر‭ ‬صراحة‭ ‬وشفافية‭ ‬أنه‭ ‬جاء‭ ‬إلى‭ ‬رئاسة‭ ‬بيت‭ ‬الشعر‭ ‬في‭ ‬المغرب‭ ‬مُنحدرا‭ ‬من‭ ‬ذاكرة‭ ‬ثقافية‭ ‬ومُمارسة‭ ‬مدنية‭ ‬انتمت‭ ‬إلى‭ ‬اليسار‭. ‬مؤكدا‭ ‬في‭ ‬حواره‭ ‬مع‭ ‬‭(‬الزمان‭):‬‭ ‬أنه‭ ‬يعتز‭ ‬بسلالته‭ ‬الثقافية‭ ‬دون‭ ‬تحجّر‭ ‬أعمى،‭ ‬مشيرا‭ ‬أنه‭ ‬مدْعوّ‭ ‬إلى‭ ‬مُساءلة‭ ‬تراث‭ ‬هذه‭ ‬السلالة‭ ‬بوعْي‭ ‬نقدي‭ ‬من‭ ‬أجْل‭ ‬استثْمار‭ ‬الإيجابي‭ ‬في‭ ‬مُنجزها،‭ ‬و‭ ‬النأيْ‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬سلبي‭ ‬في‭ ‬تجربتها‭.‬‮»‬‭.‬

والدكتور‭ ‬مراد‭ ‬القادري‭ ‬في‭ ‬حواره‭ ‬كشف‭ ‬لـ‭ ‬‭(‬الزمان‭):‬‭ ‬‮«‬عن‭ ‬مشروعه‭ ‬بغاية‭ ‬النهوض‭ ‬بالمشهد‭ ‬الثقافي‭ ‬والشعري،‭ ‬نحو‭ ‬آفاق‭ ‬جديدة‮»‬‭ ‬،‭ ‬وتابع‭ ‬قائلا‭ ‬في‭ ‬حواره‭ ‬أن‭ ‬المجال‭ ‬الثقافي‭ ‬في‭ ‬المِنطقة‭ ‬العربية‭ ‬هشّ،‭ ‬ويعْتريه‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬القُصور‭ ‬في‭ ‬كافّة‭ ‬المناحي‭:‬‭ ‬التشريعية‭ ‬والبشرية‭ ‬والمالية‭.‬‮»‬‭ ‬فيما‭ ‬انتقد‭ ‬رئيس‭ ‬بيت‭ ‬الشعر‭ ‬في‭ ‬المغرب‭ ‬الخبير‭ ‬في‭ ‬الإدارة‭ ‬الثقافية‭ ‬البرامج‭ ‬الهيكلية‭ ‬الوطنية‭ ‬التي‭ ‬استبعدت‭ ‬الحقل‭ ‬الثقافي،‭ ‬وقال‭:‬‭ ‬‮«‬المغرب‭ ‬في‭ ‬السّنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬لجأ‭ ‬إلى‭ ‬اعْتماد‭ ‬برامج‭ ‬وطنية‭ ‬هيكلية‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬القطاعات،‭ ‬ففي‭ ‬الفلاحة‭ ‬مثلا؛‭ ‬تمّ‭ ‬تبني‭ ‬‮«‬‭ ‬المغرب‭ ‬الأخضر‮»‬‭ ‬وفي‭ ‬قطاع‭ ‬الطاقات‭ ‬المتجددة؛‭ ‬تم‭ ‬تبنّي‭ ‬برنامج‭ ‬‮«‬نور‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬يرومُ‭ ‬استِخْدام‭ ‬الطّاقة‭ ‬الشمسية‭ ‬لإنتاج‭ ‬الكهرباء‮»‬،‭ ‬مضيفا،‭ ‬لكن‭ ‬الحقل‭ ‬الثقافي‭ ‬ظلّ‭ ‬مُسْتبعدا‭ ‬من‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬البرامج‭ ‬الهيكلية‭ ‬التي‭ ‬يُمْكِن‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬اعْتمادها‭ ‬أنْ‭ ‬تنهض‭ ‬بالإنسان‭ ‬الذي‭ ‬هو‭ ‬الرأسمال‭ ‬الحقيقي‭ ‬للبلد؛‭ ‬وثروتُه‭ ‬الدائمة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تنضب‭ ‬متى‭ ‬نضبت‭ ‬باقي‭ ‬الموارد‭ ‬الأخرى‭.‬‮»‬‭. ‬كما‭ ‬أوضح‭ ‬الشاعر‭ ‬الدكتور‭ ‬مراد‭ ‬القادري‭ ‬في‭ ‬حواره‭ ‬مع‭ ‬‭(‬الزمان‭)‬‭ ‬‮«‬أننا‭ ‬مازلنا‭ ‬غير‭ ‬قادرين‭ ‬على‭ ‬إشْباع‭ ‬الحاجيات‭ ‬الثقافية‭ ‬للمجتمع،‭ ‬وذلك‭ ‬بسبب‭ ‬غِياب‭ ‬سياسة‭ ‬ثقافية‭ ‬واضِحة‭ ‬مُتوافق‭ ‬حولها‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬كافّة‭ ‬المعنيين‭ ‬الحكوميين‭ ‬والمنتخبين‭ ‬والخواصّ‭ ‬والمستقلين‭.‬‮»‬‭ .‬

وأكد‭ ‬مراد‭ ‬القادري‭ ‬في‭ ‬حواره‭ ‬مع‭ ‬صحيفة‭ ‬‭(‬الزمان‭):‬‭ ‬أنه‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬الدّعم‭ ‬الذي‭ ‬ترصُدُه‭ ‬الدولة‭ ‬للمُؤسسات‭ ‬الثقافية‭ ‬مسألة‭ ‬إيجابية‭. ‬مضيفا‭ ‬‮«‬إنه‭ ‬واجب‭ ‬وحقّ‭ ‬يضمنُه‭ ‬الدّستور‭ ‬للنّهوض‭ ‬بالثقافة‭ ‬في‭ ‬البلاد‭. ‬وهو‭ ‬بهذا‭ ‬المعنى‭ ‬ليس‭ ‬صدقة‭.‬‮»‬

وشدد‭ ‬رئيس‭ ‬بيت‭ ‬الشعر‭ ‬في‭ ‬المغرب‭ ‬قائلا‭:‬‭ ‬‮«‬ولذلك‭ ‬يجبُ‭ ‬رعاية‭ ‬هذا‭ ‬الدعم‭ ‬وتطويره‭ ‬بما‭ ‬يخدُمُ‭ ‬السّياسة‭ ‬الثقافية‭ ‬للبلد‭.‬‮»‬

وفي‭ ‬ما‭ ‬يأتي‭ ‬التفاصيل‭ ‬الكاملة‭ ‬للحوار‭:‬

‭ ‬هل‭ ‬أنت‭ ‬مُطمئن‭ ‬للحصيلة‭ ‬الثقافية‭ ‬بالمغرب؟‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬التغييرات‭ ‬وتراجُع‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المكتسبات‭ ‬التي‭ ‬تحققت‭ ‬سابقا؟

غِياب‭ ‬سياسة‭ ‬ثقافية‭ ‬واضِحة‭:‬

الفاعل‭ ‬الثّقافي‭ ‬الحقيقي،‭ ‬هو‭ ‬الفاعل‭ ‬القلِق‭ ‬دوْما،‭ ‬وغير‭ ‬المُطمئن‭ ‬للخِطابات‭ ‬التي‭ ‬تدْعُو‭ ‬لليقين‭ ‬بدل‭ ‬الشّك،‭ ‬وهو‭ ‬المُتطلع‭ ‬باسْتمرار‭ ‬لانتزاع‭ ‬مساحات‭ ‬جديدة‭ ‬لمجال‭ ‬عملِه؛‭ ‬خاصّة‭ ‬أن‭ ‬المجال‭ ‬الثقافي‭ ‬في‭ ‬المِنطقة‭ ‬العربية‭ ‬هشّ،‭ ‬ويعْتريه‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬القُصور‭ ‬في‭ ‬كافّة‭ ‬المناحي‭:‬‭ ‬التشريعية‭ ‬والبشرية‭ ‬والمالية‭. ‬لذلك‭ ‬وحتى‭ ‬أجيب‭ ‬على‭ ‬سؤالك‭:‬‭ ‬لستُ‭ ‬مطْمئِنا‭. ‬وعلى‭ ‬العكس‭ ‬من‭ ‬ذلك؛‭ ‬أنا‭ ‬حزين‭. ‬والسّبب‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬أننا‭ ‬مازلنا‭ ‬غير‭ ‬قادرين‭ ‬على‭ ‬إشْباع‭ ‬الحاجيات‭ ‬الثقافية‭ ‬للمجتمع،‭ ‬وذلك‭ ‬بسبب‭ ‬غِياب‭ ‬سياسة‭ ‬ثقافية‭ ‬واضِحة‭ ‬مُتوافق‭ ‬حولها‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬كافّة‭ ‬المعنيين‭ ‬الحكوميين‭ ‬والمنتخبين‭ ‬والخواصّ‭ ‬والمستقلين‭.‬

لقد‭ ‬عمد‭ ‬المغرب‭ ‬في‭ ‬السّنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬إلى‭ ‬اعْتماد‭ ‬برامج‭ ‬وطنية‭ ‬هيكلية‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬القطاعات،‭ ‬ففي‭ ‬الفلاحة‭ ‬مثلا؛‭ ‬تمّ‭ ‬تبني‭ ‬‮«‬‭ ‬المغرب‭ ‬الأخضر‮»‬‭ ‬وفي‭ ‬قطاع‭ ‬الطاقات‭ ‬المتجددة؛‭ ‬تم‭ ‬تبنّي‭ ‬برنامج‭ ‬‮«‬نور‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬يرومُ‭ ‬استِخْدام‭ ‬الطّاقة‭ ‬الشمسية‭ ‬لإنتاج‭ ‬الكهرباء‭…‬

وإذا‭ ‬كانت‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬البرامج‭ ‬مُهمة‭ ‬جدا‭ ‬للتنمية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬للبلد،‭ ‬فبرنامج‭ ‬‮«‬المغرب‭ ‬الأخضر‮»‬‭ ‬ينهضُ‭ ‬بمسؤولية‭ ‬توفير‭ ‬الأمن‭ ‬الغذائي‭ ‬لثلاثين‭ ‬مليون‭ ‬نسمة؛‭ ‬فيما‭ ‬مشروع‭ ‬‮«‬نور‮»‬‭ ‬سيوفر؛‭ ‬في‭ ‬أفق‭ ‬سنة‭ ‬2030؛‭ ‬الاحتياجات‭ ‬الأساسية‭ ‬من‭ ‬الربط‭ ‬الكهربائي‭ ‬والنقل‭ ‬الطرقي‭ ‬والاتصالات،‭ ‬وسيسمحُ‭ ‬بإمْداد‭ ‬عشرات‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬مستعملي‭ ‬الكهرباء‭ ‬لأغراض‭ ‬منزلية‭ ‬أو‭ ‬إنتاجية‭… ‬إلا‭ ‬أنّ‭ ‬الحقل‭ ‬الثقافي‭ ‬ظلّ‭ ‬مُسْتبعدا‭ ‬من‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬البرامج‭ ‬الهيكلية‭ ‬التي‭ ‬يُمْكِن‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬اعْتمادها‭ ‬أنْ‭ ‬تنهض‭ ‬بالإنسان‭ ‬الذي‭ ‬هو‭ ‬الرأسمال‭ ‬الحقيقي‭ ‬للبلد؛‭ ‬و‭ ‬ثروتُه‭ ‬الدائمة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تنضب‭ ‬متى‭ ‬نضبت‭ ‬باقي‭ ‬الموارد‭ ‬الأخرى‭.‬

‭ ‬العمل‭ ‬الثقافي‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬المتقدمة‭ ‬أصبح‭ ‬صناعة‭ ‬ومشاريع‭ ‬حقيقية‭ ‬تساهم‭ ‬في‭ ‬التنمية‭. ‬هل‭ ‬اقتنعنا؛‭ ‬في‭ ‬المغرب؛‭ ‬بضرورة‭ ‬الانخراط‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬ثقافية،‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تحقيق‭ ‬أهداف‭ ‬ونجاحات‭ ‬التنمية؟

التّصريح‭ ‬الحكومي،‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الثقافة‭ ‬فضفاض‭:‬

للأسف‭ ‬لم‭ ‬نبْدأ‭ ‬بعد‭ ‬في‭ ‬تمثّل‭ ‬منظورٍ‭ ‬كهذا‭ ‬الذي‭ ‬أشرْت‭ ‬إليه،‭ ‬والذي‭ ‬سارعت‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الدّول‭ ‬إلى‭ ‬تبنّيه‭. ‬لقد‭ ‬اسْتمعنا‭ ‬كناشطين‭ ‬ثقافيين‭ ‬مُستقلين‭ ‬إلى‭ ‬تصْريح‭ ‬السيد‭ ‬رئيس‭ ‬الحكومة‭ ‬الذي‭ ‬اعتمدته‭ ‬الأغلبية‭  ‬والذي‭ ‬يشكّل‭ ‬برنامج‭ ‬عملِها‭ ‬للفترة‭ ‬2017‭ ‬‭/‬‭ ‬2021،‭ ‬ولم‭ ‬نجدْ‭ ‬فيه‭ ‬ما‭ ‬يُبشِّر‭ ‬بوجُود‭ ‬رؤية‭ ‬تجعلُ‭ ‬الثقافة‭ ‬قُطبا‭ ‬تنمويا‭ ‬قادِرا‭ ‬على‭ ‬مُواجهة‭ ‬التحديّات‭ ‬التي‭ ‬يُواجهها‭ ‬المُجتمع‭ ‬المغربي؛‭ ‬والتي‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬غالبيتها‭ ‬تحدّيات‭ ‬ذات‭ ‬بُعد‭ ‬ثقافي‭ ‬كالعلاقة‭ ‬بالدين‭ ‬ومسألة‭ ‬الهويّة‭ ‬والوضع‭ ‬اللغوي‭ ‬و‭ ‬واقع‭ ‬المرأة‭ ‬والشباب‭…‬

في‭ ‬مقابل‭ ‬ذلك،‭ ‬كان‭ ‬التّصريح‭ ‬الحكومي،‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الثقافة‭ ‬عامّا‭ ‬وفضْفاضا،‭ ‬وغير‭ ‬مُرْفق‭ ‬بالجدْولة‭ ‬المالية‭ ‬والزمنية‭ ‬للتنفيذ؛‭ ‬ما‭ ‬جعله‭ ‬نوايا‭ ‬طيّبة‭ ‬فقط‭ ‬بعيدة‭ ‬كل‭ ‬البعد‭ ‬عن‭ ‬المنظور‭ ‬الذي‭ ‬أشرت‭ ‬إليه،‭ ‬والذي‭ ‬لا‭ ‬يرى‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬سوى‭ ‬واجهة‭ ‬شكلية‭ ‬للتنشيط‭ ‬والترفيه،‭ ‬بدل‭ ‬أنْ‭ ‬ينظر‭ ‬إليه‭ ‬كمجال‭ ‬جذب‭ ‬استثماري‭ ‬واقتصادي‭ ‬من‭ ‬شأنْه‭ ‬توْفير‭ ‬فُرص‭ ‬الشّغل‭ ‬وتعْزيز‭ ‬المكانة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬للبلد‭ ‬عبر‭ ‬ما‭ ‬يُرسيه‭ ‬من‭ ‬صناعة‭ ‬ثقافة‭ ‬وطنية‭. ‬وحتى‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬كلامي‭ ‬عاما،‭ ‬يمكن‭ ‬لك‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬الميزانية‭ ‬التي‭ ‬اعتمدتها‭ ‬الحكومة‭ ‬للثقافة‭ ‬لسنة‭ ‬2018‭ ‬لتجِد‭ ‬أنّها‭ ‬لا‭ ‬تتجاوز‭ ‬0.3‭ ‬‭%‬‭ ‬من‭ ‬الميزانية‭ ‬العامة‭ ‬للمملكة،‭ ‬أيْ‭ ‬أننا‭ ‬مازلنا‭ ‬بعيدين‭ ‬عن‭ ‬التّوصية‭ ‬التي‭ ‬سبق‭ ‬لليونيسكو‭ ‬أنْ‭ ‬حثّت‭ ‬عليها‭ ‬كافة‭ ‬الحكُومات؛‭ ‬وهي‭ ‬اعْتِماد‭ ‬نِسبة‭ ‬لا‭ ‬تقلّ‭ ‬عن‭ ‬1‭%  لقطاع‭ ‬الثقافة‭ ‬و‭ ‬الفنون‭.‬

‭-‬‭ ‬في‭ ‬المغرب‭ ‬هل‭ ‬من‭ ‬الضروري‭ ‬على‭ ‬الكاتب‭ ‬أو‭ ‬الأديب‭ ‬أن‭ ‬ينخرط‭ ‬في‭ ‬مؤسسات‭ ‬ثقافية‭ ‬ويقوم‭ ‬بإدارتها؛‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬أمور‭ ‬الشأن‭ ‬الثقافي‭ ‬والفني‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬خبرة‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬الثقافي؟

الإدارة‭ ‬الثقافية‭ ‬علم‭ ‬محطّ‭ ‬اهتمام‭ ‬الجامعات‭:‬

قطاعُ‭ ‬الثقافة‭ ‬والفنُون‭ ‬كباقي‭ ‬القطاعات‭ ‬الأخرى‭ ‬له‭ ‬خُصوصياتُه‭ ‬التي‭ ‬يتعيّن‭ ‬على‭ ‬المُشْتغل‭ ‬داخله‭ ‬أنْ‭ ‬يكون‭ ‬مُلمّا‭ ‬بها‭.  ‬وتدبير‭ ‬هذا‭ ‬القطاع‭ ‬يحتاجُ‭ ‬إلى‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الصّفات‭ ‬المعرفية‭ ‬والإنسانية؛‭ ‬حتى‭ ‬أنّ‭ ‬عِلما‭ ‬جديدًا‭ ‬اسمُه‭ ‬‮«‬الإدارة‭ ‬الثقافية‮»‬؛‭ ‬صار؛‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة؛‭ ‬محطّ‭ ‬اهتمام‭ ‬الجامعات‭ ‬وكليات‭ ‬العلوم‭ ‬الإنسانية‭ ‬ومعاهد‭ ‬التدبير‭ ‬والتسيير‭ ‬في‭ ‬الإدارة‭ ‬والاقتصاد‭…  ‬لذلك،‭ ‬لا‭ ‬يكفي‭ ‬أنْ‭ ‬يكون‭ ‬الكاتب‭ ‬كاتبا‭ ‬أو‭ ‬الفنان‭ ‬فنانا‭ ‬حتى‭ ‬يُعهد‭ ‬إليه‭ ‬بتدبير‭ ‬مؤسسات‭ ‬العمل‭ ‬الثقافي‭ ‬والفنّي،‭ ‬بل‭ ‬يجبٌ‭ ‬أنْ‭ ‬يُترك‭ ‬ذلك‭ ‬لذوي‭ ‬الاختصاص‭ ‬من‭ ‬المدراء‭ ‬والمسيّرين‭ ‬الثقافيين‭ ‬ممّن‭ ‬يتوفرون‭ ‬على‭ ‬الخبرات‭ ‬المعرفية‭ ‬والقدرات‭ ‬الإدارية‭ ‬التي‭ ‬تتيحُ‭ ‬لهم‭ ‬البرمجة‭ ‬والتخطيط‭ ‬وصوغ‭ ‬السياسات‭ ‬الثقافية،‭ ‬ورسم‭ ‬الاتجاهات‭ ‬الثقافية‭ ‬وتحسين‭ ‬التشريع‭ ‬الثقافي؛‭ ‬وتشغيل‭ ‬الوساطة‭ ‬الثقافية،‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬الجُمهور،‭ ‬وإدارة‭ ‬الموارد‭ ‬البشرية‭ ‬في‭ ‬المؤسسات‭ ‬الثقافية،‭ ‬واقتصاد‭ ‬وتسْويق‭ ‬الثقافة،‭ ‬وتصْميم‭ ‬وتنْفيذ‭ ‬المشْروعات‭ ‬الثقافية،‭ ‬وغيرها‭.‬

للأسف؛‭ ‬في‭ ‬مِنطقتنا‭ ‬العربية،‭ ‬ولأنّ‭ ‬منظورنا‭ ‬للثقافي‭ ‬مُتخلّفٌ‭ ‬جدا،‭ ‬ولا‭ ‬نراه‭ ‬سوى‭ ‬مُلحقة‭ ‬ذيلية‭ ‬للسياسي،‭ ‬فإنّ‭ ‬إدارة‭ ‬الحقل‭ ‬الثقافي‭ ‬تُوكل‭ ‬في‭ ‬الغالب‭ ‬الأعمّ‭ ‬لسياسيين؛‭ ‬يكونُون‭ ‬عادة‭ ‬رؤساء‭ ‬بلديات،‭ ‬أو‭ ‬لمقاولين‭ ‬‭(‬أصحاب‭ ‬محافظ‭ ‬مالية‭)‬‭ ‬أو‭ ‬لموظفين‭ ‬عاديين؛‭ ‬وجميعهم‭ ‬يفتقدون‭ ‬للخيال‭ ‬الذي‭ ‬هو‭ ‬شرط‭ ‬لازم‭ ‬لتطوير‭ ‬الثقافة‭ ‬والفنون،‭ ‬وتجد‭ ‬كثيرا‭ ‬منهم‭ ‬لا‭ ‬يقرأون‭ ‬ولا‭ ‬يذهبون‭ ‬لمشاهدة‭ ‬الأفلام‭ ‬ولا‭ ‬لزيارة‭ ‬معارض‭ ‬الفنّ‭ ‬التشكيلي؛‭ ‬ولا‭ ‬يرون‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬ذلك‭ ‬الفعل‭ ‬التنموي‭ ‬الطويل‭ ‬الأمد؛‭ ‬والذي‭ ‬له‭ ‬الاستمرارية‭ ‬في‭ ‬الزمن‭ ‬والمكان‭ ‬والبشر؛‭ ‬والقادر‭ ‬على‭ ‬أنْ‭ ‬يبْصم‭ ‬أثره‭ ‬على‭ ‬مُستوى‭ ‬التنمية‭ ‬الثقافية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬والاقتصادية‭.‬

‭-‬‭ ‬غالبا‭ ‬ما‭ ‬يُنتظر‭ ‬من‭ ‬المؤسسات‭ ‬الثقافية‭ ‬المدنية‭ ‬مردودية‭ ‬تتجاوز‭ ‬قدراتها‭ ‬والإمكانات‭ ‬المرصودة‭ ‬لها‭.  ‬كيف‭ ‬تنظر‭ ‬إلى‭ ‬موضوع‭ ‬الدعم‭ ‬الذي‭ ‬تقدمه‭ ‬الدولة‭  ‬للشأن‭ ‬الثقافي؟

دعم‭ ‬الدولة‭ ‬للثقافة‭ ‬يضمنه‭ ‬الدستور‭:‬

بِدايةً،‭ ‬يجبُ‭ ‬أنْ‭ ‬أوضّح‭ ‬مسْألة‭ ‬هامّة،‭ ‬وهي‭ ‬أنّ‭ ‬الدّعم‭ ‬الذي‭ ‬ترصُده‭ ‬الدولة‭ ‬للإنتاج‭ ‬الثقافي‭ ‬والفنّي،‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬دعمٌ‭ ‬موجّه‭ ‬للفئات‭ ‬الواسِعة‭ ‬من‭ ‬الشعب‭ ‬التي‭ ‬يتعذّر‭ ‬عليها‭ ‬بسبب‭ ‬الظروف‭ ‬المعيشية‭ ‬الصعبة‭   ‬ومحدُودية‭ ‬الدخل‭ ‬الولوج‭ ‬إلى‭ ‬الثقافة‭ ‬والانْتفاع‭ ‬من‭ ‬خيراتها‭ ‬الرمزية‭ ‬سواءٌ‭ ‬في‭ ‬الأدب‭ ‬أو‭ ‬المُوسيقى‭ ‬أو‭ ‬المسرح‭ ‬أو‭ ‬السّينما‭. ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬فعِوض‭ ‬أنْ‭ ‬يُترك‭ ‬الجمهور‭ ‬في‭ ‬مُواجهة‭ ‬غلاء‭ ‬التذكرة‭ ‬أو‭ ‬ارتِفاع‭ ‬سُومة‭ ‬الكتاب،‭ ‬تعمدُ‭ ‬الدولة‭ ‬إلى‭ ‬دعْم‭ ‬هذه‭ ‬الإنتاجات‭ ‬تشْجيعًا‭ ‬منها‭ ‬لعمُوم‭ ‬المُواطنين‭ ‬على‭ ‬اقتناء‭ ‬الكتاب‭ ‬أو‭ ‬الذهاب‭ ‬لمُشاهدة‭ ‬عرض‭ ‬سينمائي‭ ‬أو‭ ‬مسْرحي‭ ‬أو‭ ‬موسيقي‭.‬

‭ ‬ولولا‭ ‬هذا‭ ‬الدّعم،‭ ‬لما‭ ‬استطاع‭ ‬الفنّانون‭ ‬والكتّاب‭ ‬من‭ ‬عرْض‭ ‬أعمالهم‭ ‬ومنتُوجاتهم‭. ‬ولنتصوّر‭ ‬الخسارات‭ ‬التي‭ ‬يُمكِن‭ ‬أنْ‭ ‬يتكبّدها‭ ‬المجتمعُ‭ ‬قاطبة‭ ‬إذا‭ ‬حصل‭ ‬شيء‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭…‬كيف‭ ‬ستكون‭ ‬صورتُه‭ ‬بدون‭ ‬فكر‭ ‬وبدون‭ ‬فنّ؟‭ ‬وكيف‭ ‬سيحيا‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬تعطّل‭ ‬خيالُ‭ ‬هذا‭ ‬المجتمع‭ ‬وافْتقر‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يشْحذُ‭ ‬إرادته؟

من‭ ‬ناحية‭ ‬ثانية؛‭ ‬أرى‭ ‬أنّ‭ ‬الدّعم‭ ‬الذي‭ ‬ترصُدُه‭ ‬الدولة‭ ‬للمُؤسسات‭ ‬الثقافية‭ ‬مسألة‭ ‬إيجابية‭. ‬إنه‭ ‬واجب‭ ‬وحقّ‭ ‬يضمنُه‭ ‬الدّستور‭ ‬للنّهوض‭ ‬بالثقافة‭ ‬في‭ ‬البلاد‭. ‬وهو‭ ‬بهذا‭ ‬المعنى‭ ‬ليس‭ ‬صدقة‭. ‬ولذلك‭ ‬يجبُ‭ ‬رعاية‭ ‬هذا‭ ‬الدعم‭ ‬وتطويره‭ ‬بما‭ ‬يخدُمُ‭ ‬السّياسة‭ ‬الثقافية‭ ‬للبلد‭. ‬في‭ ‬السابق،‭ ‬وقبل‭ ‬مَجيء‭ ‬حكُومة‭ ‬الانتقال‭ ‬الديمقراطي‭ ‬في‭ ‬المغرب‭ ‬سنة‭ ‬1998‭ ‬وتقلّد‭ ‬الوزير‭ ‬الاشتراكي‭ ‬مُحمد‭ ‬الأشعري‭ ‬حقيبة‭ ‬وزارة‭ ‬الثقافة،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬الدّعم‭ ‬منظّما‭ ‬ضمن‭ ‬آلية‭ ‬قانونية‭ ‬واضحة،‭ ‬وكانت‭ ‬الدولة‭ ‬تجودُ‭ ‬بالمال‭ ‬العام‭ ‬لمن‭ ‬يخدمُ‭ ‬أجندتها‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬التسطيح‭ ‬والابتذال‭ ‬وتتفيه‭ ‬الذوق‭ ‬العام‭. ‬ابتداءً‭ ‬من‭ ‬أواخر‭ ‬التسعينيات،‭ ‬سيشرع‭ ‬مفهُوم‭ ‬الدعم‭ ‬في‭ ‬اكتساب‭ ‬أبعاد‭ ‬جديدة‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭ ‬بحكم‭ ‬المنظور‭ ‬الذي‭ ‬تبنّته‭ ‬الحكومة‭ ‬آنئذ‭ ‬للثقافة؛‭ ‬بما‭ ‬هي‭ ‬استثمار‭ ‬في‭ ‬الإنسان‭ ‬ووسيلة‭ ‬للنهوض‭ ‬به‭ ‬وبذائقته‭ ‬ووجدانه‭. ‬وخلال‭ ‬هذه‭ ‬الفترة،‭ ‬تحديدا،‭ ‬ستبدأ‭ ‬البذرة‭ ‬الأولى‭ ‬لسياسة‭ ‬الدّعم‭ ‬التي‭ ‬اعتمدتها‭ ‬الدولة‭ ‬لفائدة‭ ‬الثقافة‭ ‬والفنُون‭. ‬وتقُوم‭ ‬هذه‭ ‬السّياسة‭ ‬على‭ ‬اعتبار‭ ‬الناشطين‭ ‬الثقافيين‭ ‬والفنانين‭ ‬والهيآت‭ ‬الثقافية‭ ‬المستقلة‭ ‬شريكا‭ ‬أساسيا‭ ‬في‭ ‬صوْغ‭ ‬السياسة‭ ‬الثقافية‭ ‬للبلد،‭ ‬وأنّ‭ ‬من‭ ‬مسؤولية‭ ‬الدولة‭ ‬توْفير‭ ‬الظروف‭ ‬المادية‭       ‬والموارد‭ ‬البشرية‭ ‬والبنيات‭ ‬التحتية‭ ‬والتشريعات‭ ‬القانونية‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تعْزيز‭ ‬الولوج‭ ‬إلى‭ ‬الثقافة‭ ‬والفنون‭ ‬ودمقْرطة‭ ‬الاسْتفادة‭ ‬من‭ ‬الخيرات‭ ‬الرّمزية‭ ‬التي‭ ‬يُتيحها‭ ‬الفن‭ ‬والثقافة‭ ‬بالنظر‭ ‬لدورهما‭ ‬في‭ ‬التنشئة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬وتربية‭ ‬المواطن‭ ‬على‭ ‬قيم‭ ‬الحرية‭ ‬والعدالة‭ ‬والإيمان‭ ‬بالتعدد‭ ‬والاختلاف‭ ‬والمواطنة‭.‬

ضمن‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬بدأ‭ ‬في‭ ‬المغرب‭ ‬ورشٌ‭ ‬كبيرٌ‭ ‬لمأسسة‭ ‬عملية‭ ‬الدعم‭ ‬الموجه‭ ‬لفائدة‭ ‬الناشطين‭ ‬الثقافيين‭:‬‭ ‬أفرادا‭ ‬ومؤسسات،‭ ‬وذلك‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬يحصل‭ ‬أيّ‭ ‬انحراف‭ ‬في‭ ‬مساراته‭. ‬وقد‭ ‬أسْفر‭ ‬هذا‭ ‬الورش‭ ‬الجماعي‭ ‬عن‭ ‬ظهُور‭ ‬‮«‬دفاتر‭ ‬تحملات‮»‬‭ ‬تحدّد‭ ‬التزامات‭ ‬كل‭ ‬طرف‭ ‬في‭ ‬البرامج‭ ‬المدعّمة‭:‬‭ ‬الدولة‭ ‬بصفتها‭ ‬الجهة‭ ‬الراعية،‭ ‬والناشطون‭ ‬الثقافيون‭ ‬والفنانون‭ ‬بصفتهم‭ ‬الأذْرع‭ ‬القادِرة‭ ‬على‭ ‬تنْزيل‭ ‬الرؤية‭ ‬المشتركة‭ ‬للعمل‭ ‬الثقافي‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬الواقع‭. ‬

للأسف،‭ ‬سجّلنا‭ ‬في‭ ‬الآونة‭ ‬الأخيرة؛‭ ‬تعْطيل‭ ‬وزارة‭ ‬الثقافة‭ ‬والاتصال‭ ‬لبرنامج‭ ‬الدعم،‭ ‬وسمِعنا‭ ‬كلاما‭ ‬عن‭ ‬رغبتها‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬النّظر‭ ‬في‭ ‬المعايير‭ ‬المنظمة‭ ‬لهذا‭ ‬البرنامج،‭ ‬وها‭ ‬نحنُ‭ ‬ننتظرُ‭ ‬ما‭ ‬ستكشِفه‭ ‬السّياسة‭ ‬الجديدة‭ ‬لوزارة‭ ‬الثقافة‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬يتعلّق‭ ‬بهذا‭ ‬البرنامج؛‭ ‬الذي‭ ‬يجبُ‭ ‬الاعتراف،‭ ‬بأنه‭ ‬يُنعِشُ‭ ‬المناخ‭ ‬الثقافي‭ ‬والفنّي‭ ‬سواءٌ‭ ‬تعلّق‭ ‬الأمر‭ ‬بالمسرح‭ ‬أو‭ ‬الموسيقي‭ ‬أو‭ ‬التّشكيل‭ ‬أو‭ ‬الكتاب‭ ‬والنشر‭. ‬وتعطيلُه‭ ‬أو‭ ‬إيقافُه‭ ‬مضرٌّ‭ ‬جدّا‭ ‬بالبيئة‭ ‬الثقافية‭ ‬للبلد‭. ‬وتكْفي‭ ‬الإشارة‭ ‬هنا‭ ‬إلى‭ ‬أنّ‭ ‬بيت‭ ‬الشعر‭ ‬في‭ ‬المغرب‭ ‬الذي‭ ‬أتشرّف‭ ‬برئاسته؛‭ ‬يشاركُ‭ ‬لأول‭ ‬مرة‭ ‬في‭ ‬حياته‭ ‬في‭ ‬المعرض‭ ‬الدولي‭ ‬للنشر‭ ‬و‭ ‬الكتاب‭ ‬لمدينة‭ ‬الدار‭ ‬البيضاء‭ ‬‭(‬‭ ‬8‭ ‬‭/‬‭ ‬18شباط‭ ‬‭(‬فبراير‭)‬‭ ‬2018‭)‬‭ ‬دون‭ ‬منشورات‭ ‬جديدة‭ ‬ودون‭ ‬مجلته‭ ‬‮«‬‭ ‬البيت‮»‬‭. ‬وهو‭ ‬أمر‭ ‬مؤسف‭ ‬للغاية‭.‬

‭-‬‭ ‬في‭ ‬المغرب‭ ‬هناك‭ ‬خصوصية‭ ‬ثقافية‭ ‬للفعل‭ ‬الثقافي‭ ‬الجاد‭ ‬والمسؤول‭ ‬خصوصا‭ ‬أن‭ ‬الفاعلين‭ ‬الثقافيين‭ ‬الذين‭ ‬يتحملون‭ ‬المسؤولية؛‭ ‬وأنت‭ ‬واحد‭ ‬منهم؛‭ ‬جاؤوا‭ ‬من‭ ‬مؤسسات‭ ‬سياسية‭ ‬أو‭ ‬ثقافية‭ ‬حداثية‭ ‬أو‭ ‬اشتغلوا‭ ‬في‭ ‬سنوات‭ ‬السبعينيات‭ ‬والثمانينيات‭ ‬بجمعيات‭ ‬ومنظمات‭ ‬ثقافية‭ ‬وطنية‭ ‬ودولية،‭ ‬ماهي‭ ‬التجربة‭ ‬التي‭ ‬تترجمها‭ ‬الآن؟

مُنحدر‭ ‬من‭ ‬ذاكرة‭ ‬ثقافية‭ ‬ومُمارسة‭ ‬مدنية‭:‬

فعلا،‭ ‬في‭ ‬كلامك‭ ‬الكثيرُ‭ ‬من‭ ‬الحقيقة‭. ‬شخْصيّا‭ ‬جئتُ‭ ‬إلى‭ ‬رئاسة‭ ‬بيت‭ ‬الشعر‭ ‬في‭ ‬المغرب‭ ‬مُنحدرا‭ ‬من‭ ‬ذاكرة‭ ‬ثقافية‭ ‬ومُمارسة‭ ‬مدنية‭ ‬انتمت‭ ‬إلى‭ ‬اليسار؛‭ ‬وهو‭ ‬اليسار‭ ‬الذي‭ ‬سيصيرُ‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬لاحقة‭ ‬من‭ ‬تاريخنا‭ ‬المعاصر،‭ ‬أي‭ ‬ابتداء‭ ‬من‭ ‬حكومة‭ ‬التناوب‭ ‬الديمقراطي‭ ‬‭(‬1998‭)‬‭ ‬مُشاركا‭ ‬في‭ ‬تدبير‭ ‬الشأن‭ ‬العام‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬استتبع‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬تراكُمات‭ ‬فيها‭ ‬الإيجابي‭ ‬والسّلبي‭. ‬كيفما‭ ‬كان‭ ‬الحال،‭ ‬أعتزّ‭ ‬بسلالتي‭ ‬الثقافية‭ ‬دون‭ ‬تحجّر‭ ‬أعمى‭… ‬أعرفُ‭ ‬أنني‭ ‬مدْعوّ‭ ‬إلى‭ ‬مُساءلة‭ ‬تراث‭ ‬هذه‭ ‬السلالة‭ ‬بوعْي‭ ‬نقدي‭ ‬من‭ ‬أجْل‭ ‬استثْمار‭ ‬الإيجابي‭ ‬في‭ ‬مُنجزها،‭ ‬و‭ ‬النأيْ‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬سلبي‭ ‬في‭ ‬تجربتها‭… 

هذه‭ ‬الإرادة‭ ‬الشّخصية‭ ‬لا‭ ‬تعْملُ‭ ‬لوحدها،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬تشْتغلُ‭ ‬في‭ ‬تقاطُعٍ‭ ‬مع‭ ‬إرادات‭ ‬أخرى‭ ‬لصديقاتي‭ ‬وأصدقائي‭ ‬داخل‭ ‬بيت‭ ‬الشعر‭ ‬في‭ ‬المغرب‭ ‬وجلّهن‭ ‬وجلّهم‭ ‬يعْكسُون‭ ‬خلفياتٍ‭ ‬ثقافية‭ ‬وحساسيات‭ ‬فكرية‭  ‬وأدبية‭ ‬متباينة؛‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يُعطي‭ ‬لعملنا‭ ‬دينامية؛‭ ‬نطمحُ؛‭ ‬من‭ ‬خلالها؛‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬لبيت‭ ‬الشعر‭ ‬دورٌ‭ ‬في‭ ‬مُساءلة‭ ‬الوضع‭ ‬الثقافي‭ ‬والشّعري‭ ‬في‭ ‬بلادنا؛‭ ‬و‭ ‬أنْ‭ ‬يكون‭ ‬مكانا‭ ‬لمقاوَمة‭ ‬البشاعة‭ ‬والقبح‭ ‬وأن‭ ‬يُسْهمَ‭ ‬في‭ ‬ترسيخ‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬الشعر‭ ‬وتعميقِ‭ ‬الوعي‭ ‬بحَيَويّة‭ ‬هذه‭ ‬الحاجة؛‭ ‬وذلك‭ ‬على‭ ‬الرُغم‭ ‬من‭ ‬محدودية‭ ‬الإمكانات‭.‬

‭-‬‭ ‬بيت‭ ‬الشعر‭ ‬في‭ ‬المغرب‭ ‬يتطلع‭ ‬ليكون‭ ‬الشعر‭ ‬شرفة‭ ‬على‭ ‬العالم؛‭ ‬هل‭ ‬يمكنكم‭ ‬إضاءة‭ ‬جانب‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬المشروع‭ ‬الكبير؟

شُرفة‭ ‬على‭ ‬العالم‭:‬

بيت‭ ‬الشّعر‭ ‬في‭ ‬المغرب‭ ‬هو‭ ‬أحدُ‭ ‬المؤسسات‭ ‬الثقافية‭ ‬المدنية‭ ‬التي‭ ‬نعتبرها‭ ‬مكسبًا‭ ‬ليس‭ ‬للثقافة‭ ‬المغربية‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬للثقافة‭ ‬العربية‭ ‬والإنسانية‭ ‬عامة‭. ‬لذلك‭ ‬لم‭ ‬تكُفْ‭ ‬هذه‭ ‬المؤسسة؛‭ ‬منذ‭ ‬انْطلاقتها‭ ‬الأولى؛‭ ‬عن‭ ‬العمل‭ ‬بهذه‭ ‬الروح‭ ‬المتطلعة‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬حوارٍ‭ ‬ثقافي‭ ‬وشعري‭ ‬بين‭ ‬المغرب‭ ‬ومختلف‭ ‬الشعريات‭ ‬الأخرى‭ ‬تعزيزا‭ ‬لقيم‭ ‬الإنصات‭ ‬والحوار‭ ‬المشترك‭ ‬الذي‭ ‬ما‭ ‬أحوج‭ ‬العالم‭ ‬اليوم‭ ‬إليه‭ ‬لإسماع‭ ‬صوت‭ ‬المحبّة‭ ‬الذي‭ ‬عليه‭ ‬يقوم‭ ‬الشعر‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الزمن‭ ‬الذي‭ ‬يَشهدُ‭ ‬تمزّقاً‭ ‬مُهولاً،‭ ‬وحُروباً‭ ‬طائفيّة‭ ‬مُتوَحّشة،‭ ‬وتنامياً‭ ‬للعُنف‭ ‬والدّم‭ ‬اللذين‭ ‬صارا‭ ‬جُزءاً‭ ‬مألوفاً‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬اليوميّ،‭ ‬وفق‭ ‬نُزوع‭ ‬ظلاميّ‭ ‬يكرهُ‭ ‬الحياة‭.‬

ضِمن‭ ‬هذه‭ ‬الرّوح‭ ‬التي‭ ‬تحدّثتَ‭ ‬عنها‭ ‬في‭ ‬شأن‭ ‬رغبة‭ ‬بيت‭ ‬الشّعر‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬أنْ‭ ‬يكون‭ ‬شُرفة‭ ‬على‭ ‬العالم،‭ ‬يُمْكنُ‭ ‬أنْ‭ ‬نفْهم‭ ‬عُمْق‭ ‬ودلالة‭ ‬المُبادرات‭ ‬التي‭ ‬أقدم‭ ‬عليها؛‭ ‬في‭ ‬السابق؛‭ ‬إخوتي‭ ‬مسئُولو‭ ‬بيت‭ ‬الشّعر‭ ‬في‭ ‬المغرب‭ ‬الذين‭ ‬طالبوا‭  ‬منظمة‭ ‬اليونيسكو‭ ‬سنة‭ ‬1998‭ ‬بإقْرار‭ ‬يومٍ‭ ‬عالمي‭ ‬للشّعر،‭ ‬وهو‭ ‬الطّـلب‭ ‬الذي‭ ‬تمّت‭ ‬الاسْتجابة‭ ‬له‭ ‬سنة‭ ‬1999،‭ ‬عِلاوة‭ ‬على‭ ‬تنظيمهم‭ ‬للمهرجان‭ ‬العالمي‭ ‬للشعر‭ ‬وإحْداث‭ ‬جائزة‭ ‬عالمية‭ ‬له‭ ‬تحملُ‭ ‬اسم‭ ‬‮«‬الأركانة‮»‬؛‭ ‬وهي‭ ‬الجائزة‭ ‬التي‭ ‬بلغت‭ ‬هذه‭ ‬السنة‭ ‬دورتها‭ ‬الثّانية‭ ‬عشرة‭. ‬وهي‭ ‬الرّوح‭ ‬التي‭ ‬يُمكنُ‭ ‬لي‭ ‬أنْ‭ ‬أجْزم‭ ‬لك‭ ‬أنها‭ ‬مازالت‭ ‬مُسْتمرة‭ ‬بنفس‭ ‬الوهَج‭ ‬والاشتعال،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬عِدّة‭ ‬عمليّات‭ ‬كدعوة‭ ‬شاعر‭ ‬من‭ ‬العالم‭ ‬إلى‭ ‬كتابة‭ ‬كلمة‭ ‬بمناسبة‭ ‬اليوم‭ ‬العالمي‭ ‬للشعر‭ ‬‭(‬21‭ ‬آذار‭/‬‭ ‬مارس‭)‬‭.  ‬وهي‭ ‬الكلمة‭ ‬التي‭ ‬نحرصُ‭ ‬على‭ ‬تعْميمها‭ ‬وقراءتها‭ ‬في‭ ‬كافّة‭ ‬اللقاءات‭ ‬الثقافية‭ ‬والأمسيات‭ ‬الشعرية‭ ‬التي‭ ‬ننظمها‭ ‬بمعيّة‭ ‬شركائنا‭ ‬احتفالا‭ ‬بالشّعر‭ ‬في‭ ‬يومه‭ ‬العالمي،‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مجلة‭ ‬‮«‬البيت‮»‬‭ ‬التي‭ ‬ترومُ‭ ‬عبر‭ ‬أبوابها‭ ‬الثابتة،‭ ‬أراض‭ ‬شعريّة،‭ ‬ومؤانسات‭ ‬الشعريّ،‭ ‬ومقيمون‭ ‬في‭ ‬البيت،‭ ‬وحتى‭ ‬في‭ ‬الحوار‭ ‬الذي‭ ‬يتصدَّرُها،‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تنفتحَ‭ ‬على‭ ‬الشعريّات‭ ‬العالميّة‭ ‬وعلى‭ ‬القضايا‭ ‬النظريّة‭ ‬والفكريّة‭ ‬المتعلّقة‭ ‬بأسئلة‭ ‬الشعر‭.‬

هكذا،‭ ‬يمكنُ‭ ‬لي‭ ‬أن‭ ‬أقول‭ ‬لك‭ ‬إنّ‭ ‬ما‭ ‬ظلّ‭ ‬يُوجِّه‭ ‬مُبادَرات‭ ‬بيت‭ ‬الشعر‭ ‬في‭ ‬المغرب،‭ ‬مُنذ‭ ‬انطلاقته‭ ‬الأولى،‭ ‬هو‭ ‬الانفتاح‭ ‬على‭ ‬المعارف‭ ‬الإنسانيّة‭ ‬وعلى‭ ‬البُعد‭ ‬الكونيّ،‭ ‬الذي‭ ‬فيه‭ ‬يتقاطعُ‭ ‬الشعراء‭ ‬ويتحقّقُ‭ ‬لهم‭ ‬اللقاء‭ ‬الكبير‭ ‬الذي‭ ‬يَسعدُ‭ ‬باختلاف‭ ‬الجغرافيات‭ ‬ومُحاوَرة‭ ‬الشعريّات‭ ‬العالميّة؛‭ ‬هذه‭ ‬المُحاوَرة‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تُحدّدُ‭ ‬‮«‬المغربيّ‮»‬‭ ‬انسجاماً‭ ‬مع‭ ‬تصوّر‭ ‬حَيويٍّ‭ ‬للهويّة‭ ‬الشعريّة،‭ ‬بوَصفها‭ ‬هُويّةً‭ ‬تغتذي‭ ‬بآخَرها‭ ‬وبالمُختلِف‭. ‬

مشاركة