الشاعر مراد القادري رئيس بيت الشعر بالمغرب والخبير في الادارة الثقافية لـ (الزمان):

عبدالحق بن رحمون - الرباط
لديه خبرة عريضة وتعمق في هذا المجال كما أنه منشغل بالقصيدة المعاصرة إنتاجًا وبحثًا. يرأس حاليا مؤسسة بيت الشعر بالمغرب، وهي واحدة من أهمِّ المؤسسات الثقافية الوطنية التي برهنت، على مدى عقدين من الزمن، على حيويتها وديناميتها، ونجاحها في أن تكسب الشعر المغربي أراضي شاسعة من الاهتمام والتداول داخل المغرب وخارجه، ولعل ما يؤكد هذا هو الانتظام السنوي لجائزة الأركانة العالمية للشعر التي صار لها موقع قدم في منافسة كبرى الجوائز العالمية. وهنا قال لـ (الزمان) الشاعر الدكتور مراد القادري رئيس بيت الشعر بالمغرب في حوار أكثر صراحة وشفافية أنه جاء إلى رئاسة بيت الشعر في المغرب مُنحدرا من ذاكرة ثقافية ومُمارسة مدنية انتمت إلى اليسار. مؤكدا في حواره مع (الزمان): أنه يعتز بسلالته الثقافية دون تحجّر أعمى، مشيرا أنه مدْعوّ إلى مُساءلة تراث هذه السلالة بوعْي نقدي من أجْل استثْمار الإيجابي في مُنجزها، و النأيْ بكل ما هو سلبي في تجربتها.».
والدكتور مراد القادري في حواره كشف لـ (الزمان): «عن مشروعه بغاية النهوض بالمشهد الثقافي والشعري، نحو آفاق جديدة» ، وتابع قائلا في حواره أن المجال الثقافي في المِنطقة العربية هشّ، ويعْتريه الكثير من القُصور في كافّة المناحي: التشريعية والبشرية والمالية.» فيما انتقد رئيس بيت الشعر في المغرب الخبير في الإدارة الثقافية البرامج الهيكلية الوطنية التي استبعدت الحقل الثقافي، وقال: «المغرب في السّنوات الأخيرة لجأ إلى اعْتماد برامج وطنية هيكلية في بعض القطاعات، ففي الفلاحة مثلا؛ تمّ تبني « المغرب الأخضر» وفي قطاع الطاقات المتجددة؛ تم تبنّي برنامج «نور» الذي يرومُ استِخْدام الطّاقة الشمسية لإنتاج الكهرباء»، مضيفا، لكن الحقل الثقافي ظلّ مُسْتبعدا من مثل هذه البرامج الهيكلية التي يُمْكِن في حال اعْتمادها أنْ تنهض بالإنسان الذي هو الرأسمال الحقيقي للبلد؛ وثروتُه الدائمة التي لا تنضب متى نضبت باقي الموارد الأخرى.». كما أوضح الشاعر الدكتور مراد القادري في حواره مع (الزمان) «أننا مازلنا غير قادرين على إشْباع الحاجيات الثقافية للمجتمع، وذلك بسبب غِياب سياسة ثقافية واضِحة مُتوافق حولها من طرف كافّة المعنيين الحكوميين والمنتخبين والخواصّ والمستقلين.» .
وأكد مراد القادري في حواره مع صحيفة (الزمان): أنه يرى أن الدّعم الذي ترصُدُه الدولة للمُؤسسات الثقافية مسألة إيجابية. مضيفا «إنه واجب وحقّ يضمنُه الدّستور للنّهوض بالثقافة في البلاد. وهو بهذا المعنى ليس صدقة.»
وشدد رئيس بيت الشعر في المغرب قائلا: «ولذلك يجبُ رعاية هذا الدعم وتطويره بما يخدُمُ السّياسة الثقافية للبلد.»
وفي ما يأتي التفاصيل الكاملة للحوار:
– هل أنت مُطمئن للحصيلة الثقافية بالمغرب؟ في ظل التغييرات وتراجُع عدد من المكتسبات التي تحققت سابقا؟
غِياب سياسة ثقافية واضِحة:
الفاعل الثّقافي الحقيقي، هو الفاعل القلِق دوْما، وغير المُطمئن للخِطابات التي تدْعُو لليقين بدل الشّك، وهو المُتطلع باسْتمرار لانتزاع مساحات جديدة لمجال عملِه؛ خاصّة أن المجال الثقافي في المِنطقة العربية هشّ، ويعْتريه الكثير من القُصور في كافّة المناحي: التشريعية والبشرية والمالية. لذلك وحتى أجيب على سؤالك: لستُ مطْمئِنا. وعلى العكس من ذلك؛ أنا حزين. والسّبب في ذلك أننا مازلنا غير قادرين على إشْباع الحاجيات الثقافية للمجتمع، وذلك بسبب غِياب سياسة ثقافية واضِحة مُتوافق حولها من طرف كافّة المعنيين الحكوميين والمنتخبين والخواصّ والمستقلين.
لقد عمد المغرب في السّنوات الأخيرة إلى اعْتماد برامج وطنية هيكلية في بعض القطاعات، ففي الفلاحة مثلا؛ تمّ تبني « المغرب الأخضر» وفي قطاع الطاقات المتجددة؛ تم تبنّي برنامج «نور» الذي يرومُ استِخْدام الطّاقة الشمسية لإنتاج الكهرباء…
وإذا كانت مثل هذه البرامج مُهمة جدا للتنمية الاقتصادية والاجتماعية للبلد، فبرنامج «المغرب الأخضر» ينهضُ بمسؤولية توفير الأمن الغذائي لثلاثين مليون نسمة؛ فيما مشروع «نور» سيوفر؛ في أفق سنة 2030؛ الاحتياجات الأساسية من الربط الكهربائي والنقل الطرقي والاتصالات، وسيسمحُ بإمْداد عشرات الآلاف من مستعملي الكهرباء لأغراض منزلية أو إنتاجية… إلا أنّ الحقل الثقافي ظلّ مُسْتبعدا من مثل هذه البرامج الهيكلية التي يُمْكِن في حال اعْتمادها أنْ تنهض بالإنسان الذي هو الرأسمال الحقيقي للبلد؛ و ثروتُه الدائمة التي لا تنضب متى نضبت باقي الموارد الأخرى.
– العمل الثقافي في الدول المتقدمة أصبح صناعة ومشاريع حقيقية تساهم في التنمية. هل اقتنعنا؛ في المغرب؛ بضرورة الانخراط في صناعة ثقافية، من أجل تحقيق أهداف ونجاحات التنمية؟
التّصريح الحكومي، في مجال الثقافة فضفاض:
للأسف لم نبْدأ بعد في تمثّل منظورٍ كهذا الذي أشرْت إليه، والذي سارعت العديد من الدّول إلى تبنّيه. لقد اسْتمعنا كناشطين ثقافيين مُستقلين إلى تصْريح السيد رئيس الحكومة الذي اعتمدته الأغلبية والذي يشكّل برنامج عملِها للفترة 2017 / 2021، ولم نجدْ فيه ما يُبشِّر بوجُود رؤية تجعلُ الثقافة قُطبا تنمويا قادِرا على مُواجهة التحديّات التي يُواجهها المُجتمع المغربي؛ والتي هي في غالبيتها تحدّيات ذات بُعد ثقافي كالعلاقة بالدين ومسألة الهويّة والوضع اللغوي و واقع المرأة والشباب…
في مقابل ذلك، كان التّصريح الحكومي، في مجال الثقافة عامّا وفضْفاضا، وغير مُرْفق بالجدْولة المالية والزمنية للتنفيذ؛ ما جعله نوايا طيّبة فقط بعيدة كل البعد عن المنظور الذي أشرت إليه، والذي لا يرى في الثقافة سوى واجهة شكلية للتنشيط والترفيه، بدل أنْ ينظر إليه كمجال جذب استثماري واقتصادي من شأنْه توْفير فُرص الشّغل وتعْزيز المكانة الاقتصادية للبلد عبر ما يُرسيه من صناعة ثقافة وطنية. وحتى لا يكون كلامي عاما، يمكن لك العودة إلى الميزانية التي اعتمدتها الحكومة للثقافة لسنة 2018 لتجِد أنّها لا تتجاوز 0.3 % من الميزانية العامة للمملكة، أيْ أننا مازلنا بعيدين عن التّوصية التي سبق لليونيسكو أنْ حثّت عليها كافة الحكُومات؛ وهي اعْتِماد نِسبة لا تقلّ عن 1% لقطاع الثقافة و الفنون.
- في المغرب هل من الضروري على الكاتب أو الأديب أن ينخرط في مؤسسات ثقافية ويقوم بإدارتها؛ أم أن أمور الشأن الثقافي والفني تحتاج إلى خبرة خاصة في العمل الثقافي؟
الإدارة الثقافية علم محطّ اهتمام الجامعات:
قطاعُ الثقافة والفنُون كباقي القطاعات الأخرى له خُصوصياتُه التي يتعيّن على المُشْتغل داخله أنْ يكون مُلمّا بها. وتدبير هذا القطاع يحتاجُ إلى العديد من الصّفات المعرفية والإنسانية؛ حتى أنّ عِلما جديدًا اسمُه «الإدارة الثقافية»؛ صار؛ في السنوات الأخيرة؛ محطّ اهتمام الجامعات وكليات العلوم الإنسانية ومعاهد التدبير والتسيير في الإدارة والاقتصاد… لذلك، لا يكفي أنْ يكون الكاتب كاتبا أو الفنان فنانا حتى يُعهد إليه بتدبير مؤسسات العمل الثقافي والفنّي، بل يجبٌ أنْ يُترك ذلك لذوي الاختصاص من المدراء والمسيّرين الثقافيين ممّن يتوفرون على الخبرات المعرفية والقدرات الإدارية التي تتيحُ لهم البرمجة والتخطيط وصوغ السياسات الثقافية، ورسم الاتجاهات الثقافية وتحسين التشريع الثقافي؛ وتشغيل الوساطة الثقافية، والقدرة على بناء الجُمهور، وإدارة الموارد البشرية في المؤسسات الثقافية، واقتصاد وتسْويق الثقافة، وتصْميم وتنْفيذ المشْروعات الثقافية، وغيرها.
للأسف؛ في مِنطقتنا العربية، ولأنّ منظورنا للثقافي مُتخلّفٌ جدا، ولا نراه سوى مُلحقة ذيلية للسياسي، فإنّ إدارة الحقل الثقافي تُوكل في الغالب الأعمّ لسياسيين؛ يكونُون عادة رؤساء بلديات، أو لمقاولين (أصحاب محافظ مالية) أو لموظفين عاديين؛ وجميعهم يفتقدون للخيال الذي هو شرط لازم لتطوير الثقافة والفنون، وتجد كثيرا منهم لا يقرأون ولا يذهبون لمشاهدة الأفلام ولا لزيارة معارض الفنّ التشكيلي؛ ولا يرون في الثقافة ذلك الفعل التنموي الطويل الأمد؛ والذي له الاستمرارية في الزمن والمكان والبشر؛ والقادر على أنْ يبْصم أثره على مُستوى التنمية الثقافية والاجتماعية والاقتصادية.
- غالبا ما يُنتظر من المؤسسات الثقافية المدنية مردودية تتجاوز قدراتها والإمكانات المرصودة لها. كيف تنظر إلى موضوع الدعم الذي تقدمه الدولة للشأن الثقافي؟
دعم الدولة للثقافة يضمنه الدستور:
بِدايةً، يجبُ أنْ أوضّح مسْألة هامّة، وهي أنّ الدّعم الذي ترصُده الدولة للإنتاج الثقافي والفنّي، هو في الواقع دعمٌ موجّه للفئات الواسِعة من الشعب التي يتعذّر عليها بسبب الظروف المعيشية الصعبة ومحدُودية الدخل الولوج إلى الثقافة والانْتفاع من خيراتها الرمزية سواءٌ في الأدب أو المُوسيقى أو المسرح أو السّينما. ومن ثم فعِوض أنْ يُترك الجمهور في مُواجهة غلاء التذكرة أو ارتِفاع سُومة الكتاب، تعمدُ الدولة إلى دعْم هذه الإنتاجات تشْجيعًا منها لعمُوم المُواطنين على اقتناء الكتاب أو الذهاب لمُشاهدة عرض سينمائي أو مسْرحي أو موسيقي.
– ولولا هذا الدّعم، لما استطاع الفنّانون والكتّاب من عرْض أعمالهم ومنتُوجاتهم. ولنتصوّر الخسارات التي يُمكِن أنْ يتكبّدها المجتمعُ قاطبة إذا حصل شيء مثل هذا…كيف ستكون صورتُه بدون فكر وبدون فنّ؟ وكيف سيحيا إذا ما تعطّل خيالُ هذا المجتمع وافْتقر إلى ما يشْحذُ إرادته؟
من ناحية ثانية؛ أرى أنّ الدّعم الذي ترصُدُه الدولة للمُؤسسات الثقافية مسألة إيجابية. إنه واجب وحقّ يضمنُه الدّستور للنّهوض بالثقافة في البلاد. وهو بهذا المعنى ليس صدقة. ولذلك يجبُ رعاية هذا الدعم وتطويره بما يخدُمُ السّياسة الثقافية للبلد. في السابق، وقبل مَجيء حكُومة الانتقال الديمقراطي في المغرب سنة 1998 وتقلّد الوزير الاشتراكي مُحمد الأشعري حقيبة وزارة الثقافة، لم يكن الدّعم منظّما ضمن آلية قانونية واضحة، وكانت الدولة تجودُ بالمال العام لمن يخدمُ أجندتها القائمة على التسطيح والابتذال وتتفيه الذوق العام. ابتداءً من أواخر التسعينيات، سيشرع مفهُوم الدعم في اكتساب أبعاد جديدة غير مسبوقة بحكم المنظور الذي تبنّته الحكومة آنئذ للثقافة؛ بما هي استثمار في الإنسان ووسيلة للنهوض به وبذائقته ووجدانه. وخلال هذه الفترة، تحديدا، ستبدأ البذرة الأولى لسياسة الدّعم التي اعتمدتها الدولة لفائدة الثقافة والفنُون. وتقُوم هذه السّياسة على اعتبار الناشطين الثقافيين والفنانين والهيآت الثقافية المستقلة شريكا أساسيا في صوْغ السياسة الثقافية للبلد، وأنّ من مسؤولية الدولة توْفير الظروف المادية والموارد البشرية والبنيات التحتية والتشريعات القانونية من أجل تعْزيز الولوج إلى الثقافة والفنون ودمقْرطة الاسْتفادة من الخيرات الرّمزية التي يُتيحها الفن والثقافة بالنظر لدورهما في التنشئة الاجتماعية وتربية المواطن على قيم الحرية والعدالة والإيمان بالتعدد والاختلاف والمواطنة.
ضمن هذا السياق، بدأ في المغرب ورشٌ كبيرٌ لمأسسة عملية الدعم الموجه لفائدة الناشطين الثقافيين: أفرادا ومؤسسات، وذلك حتى لا يحصل أيّ انحراف في مساراته. وقد أسْفر هذا الورش الجماعي عن ظهُور «دفاتر تحملات» تحدّد التزامات كل طرف في البرامج المدعّمة: الدولة بصفتها الجهة الراعية، والناشطون الثقافيون والفنانون بصفتهم الأذْرع القادِرة على تنْزيل الرؤية المشتركة للعمل الثقافي على أرض الواقع.
للأسف، سجّلنا في الآونة الأخيرة؛ تعْطيل وزارة الثقافة والاتصال لبرنامج الدعم، وسمِعنا كلاما عن رغبتها في إعادة النّظر في المعايير المنظمة لهذا البرنامج، وها نحنُ ننتظرُ ما ستكشِفه السّياسة الجديدة لوزارة الثقافة في ما يتعلّق بهذا البرنامج؛ الذي يجبُ الاعتراف، بأنه يُنعِشُ المناخ الثقافي والفنّي سواءٌ تعلّق الأمر بالمسرح أو الموسيقي أو التّشكيل أو الكتاب والنشر. وتعطيلُه أو إيقافُه مضرٌّ جدّا بالبيئة الثقافية للبلد. وتكْفي الإشارة هنا إلى أنّ بيت الشعر في المغرب الذي أتشرّف برئاسته؛ يشاركُ لأول مرة في حياته في المعرض الدولي للنشر و الكتاب لمدينة الدار البيضاء ( 8 / 18شباط (فبراير) 2018) دون منشورات جديدة ودون مجلته « البيت». وهو أمر مؤسف للغاية.
- في المغرب هناك خصوصية ثقافية للفعل الثقافي الجاد والمسؤول خصوصا أن الفاعلين الثقافيين الذين يتحملون المسؤولية؛ وأنت واحد منهم؛ جاؤوا من مؤسسات سياسية أو ثقافية حداثية أو اشتغلوا في سنوات السبعينيات والثمانينيات بجمعيات ومنظمات ثقافية وطنية ودولية، ماهي التجربة التي تترجمها الآن؟
مُنحدر من ذاكرة ثقافية ومُمارسة مدنية:
فعلا، في كلامك الكثيرُ من الحقيقة. شخْصيّا جئتُ إلى رئاسة بيت الشعر في المغرب مُنحدرا من ذاكرة ثقافية ومُمارسة مدنية انتمت إلى اليسار؛ وهو اليسار الذي سيصيرُ في مرحلة لاحقة من تاريخنا المعاصر، أي ابتداء من حكومة التناوب الديمقراطي (1998) مُشاركا في تدبير الشأن العام مع ما استتبع ذلك من تراكُمات فيها الإيجابي والسّلبي. كيفما كان الحال، أعتزّ بسلالتي الثقافية دون تحجّر أعمى… أعرفُ أنني مدْعوّ إلى مُساءلة تراث هذه السلالة بوعْي نقدي من أجْل استثْمار الإيجابي في مُنجزها، و النأيْ بكل ما هو سلبي في تجربتها…
هذه الإرادة الشّخصية لا تعْملُ لوحدها، بل هي تشْتغلُ في تقاطُعٍ مع إرادات أخرى لصديقاتي وأصدقائي داخل بيت الشعر في المغرب وجلّهن وجلّهم يعْكسُون خلفياتٍ ثقافية وحساسيات فكرية وأدبية متباينة؛ وهو ما يُعطي لعملنا دينامية؛ نطمحُ؛ من خلالها؛ إلى أن يكون لبيت الشعر دورٌ في مُساءلة الوضع الثقافي والشّعري في بلادنا؛ و أنْ يكون مكانا لمقاوَمة البشاعة والقبح وأن يُسْهمَ في ترسيخ الحاجة إلى الشعر وتعميقِ الوعي بحَيَويّة هذه الحاجة؛ وذلك على الرُغم من محدودية الإمكانات.
- بيت الشعر في المغرب يتطلع ليكون الشعر شرفة على العالم؛ هل يمكنكم إضاءة جانب من هذا المشروع الكبير؟
شُرفة على العالم:
بيت الشّعر في المغرب هو أحدُ المؤسسات الثقافية المدنية التي نعتبرها مكسبًا ليس للثقافة المغربية فحسب، بل للثقافة العربية والإنسانية عامة. لذلك لم تكُفْ هذه المؤسسة؛ منذ انْطلاقتها الأولى؛ عن العمل بهذه الروح المتطلعة إلى بناء حوارٍ ثقافي وشعري بين المغرب ومختلف الشعريات الأخرى تعزيزا لقيم الإنصات والحوار المشترك الذي ما أحوج العالم اليوم إليه لإسماع صوت المحبّة الذي عليه يقوم الشعر في هذا الزمن الذي يَشهدُ تمزّقاً مُهولاً، وحُروباً طائفيّة مُتوَحّشة، وتنامياً للعُنف والدّم اللذين صارا جُزءاً مألوفاً في هذا اليوميّ، وفق نُزوع ظلاميّ يكرهُ الحياة.
ضِمن هذه الرّوح التي تحدّثتَ عنها في شأن رغبة بيت الشّعر في العالم أنْ يكون شُرفة على العالم، يُمْكنُ أنْ نفْهم عُمْق ودلالة المُبادرات التي أقدم عليها؛ في السابق؛ إخوتي مسئُولو بيت الشّعر في المغرب الذين طالبوا منظمة اليونيسكو سنة 1998 بإقْرار يومٍ عالمي للشّعر، وهو الطّـلب الذي تمّت الاسْتجابة له سنة 1999، عِلاوة على تنظيمهم للمهرجان العالمي للشعر وإحْداث جائزة عالمية له تحملُ اسم «الأركانة»؛ وهي الجائزة التي بلغت هذه السنة دورتها الثّانية عشرة. وهي الرّوح التي يُمكنُ لي أنْ أجْزم لك أنها مازالت مُسْتمرة بنفس الوهَج والاشتعال، من خلال عِدّة عمليّات كدعوة شاعر من العالم إلى كتابة كلمة بمناسبة اليوم العالمي للشعر (21 آذار/ مارس). وهي الكلمة التي نحرصُ على تعْميمها وقراءتها في كافّة اللقاءات الثقافية والأمسيات الشعرية التي ننظمها بمعيّة شركائنا احتفالا بالشّعر في يومه العالمي، أو من خلال مجلة «البيت» التي ترومُ عبر أبوابها الثابتة، أراض شعريّة، ومؤانسات الشعريّ، ومقيمون في البيت، وحتى في الحوار الذي يتصدَّرُها، على أن تنفتحَ على الشعريّات العالميّة وعلى القضايا النظريّة والفكريّة المتعلّقة بأسئلة الشعر.
هكذا، يمكنُ لي أن أقول لك إنّ ما ظلّ يُوجِّه مُبادَرات بيت الشعر في المغرب، مُنذ انطلاقته الأولى، هو الانفتاح على المعارف الإنسانيّة وعلى البُعد الكونيّ، الذي فيه يتقاطعُ الشعراء ويتحقّقُ لهم اللقاء الكبير الذي يَسعدُ باختلاف الجغرافيات ومُحاوَرة الشعريّات العالميّة؛ هذه المُحاوَرة هي التي تُحدّدُ «المغربيّ» انسجاماً مع تصوّر حَيويٍّ للهويّة الشعريّة، بوَصفها هُويّةً تغتذي بآخَرها وبالمُختلِف.























