لا مكان بجنة الحمير
هيغل في عقلستان
عبدالكريم يحيى الزيباري
عالمٌ جليل من كرد روسيا هاجرَ إلى بلاد عقلستان ليسهم في البناء، فعاد سريعاً، فسألوه: لماذا عدت؟ لا مكان لي هناك، تلك البلاد جَنَّةُ الحمير! حيث الطالب الأول على دفعته لم يحصل على مقعد ماجستير لأنَّ منافسه ابن شهيد أو ابن مسؤول، وفي الآونة الأخيرة المسؤولين كلهم صاروا دكاترة كما في الحقبة الأخيرة للبعث. هذا أكثر كفاءة ونزاهة؟ صحيح لكن هذا قريب الأستاذ. هذا المدير حرامي يسرق المال العام جَهاراً نَهاراً ويساوم الشركات العالمية على عمولات كبيرة؟ صحيح لكنه زوجته حفيدة الأغا الببغا زعيم عشائر سين الذي خدمَ جميع الأنظمة المتتالية بدرجة الإخلاص عينها، وهو المدير الوحيد من العشيرة صاد التي قد نخسر ولاءها إلى الحزب دال إذا ما تمت تنحيته. قرار سيوفِّر ملايين الدولارات: يمنع تسليم التقاعد إلا للمتقاعد نفسه، للاختصار: يقطع تقاعد المواطن المقيم خارج البلاد، كما وتقطع بطاقته التموينية. لكنَّ هذا القرار سيجعلنا نخسر الكثير من الأصوات!! وهكذا نبني لكن: متى يبلغ البنيان أشده؟ عام 2005 قال لي مثقَّف بغدادي: قابلت جميع الساسة فلم أجد أكرم من ساسة عقلستان! ونشرتُ كلامه دون تعليق آنذاك، لكن اليوم وأنا أرى الأسد يموت جوعاً ولحمُ الضأنِ تأكلهُ أولاده؟ أردُّ عليهِ: هذا الذي تُسَمِّيْهِ كَرَمَاً يا أستاذ هو غباءٌ وفساد!!
ليس من وظيفةٍ للعقل إلا النقد بتمييز الخطأ عن الصواب، الجميل عن القبيح، الخير عن الشر، عن طريقة الملاحظة والتجربة والبرهان. سارتر اعترفَ بعجزهِ (لقد تخليت عن سلطتي ولكن لم أترك ثوبي: إنِّي ما زلت أكتب، وما الذي يمكن عمله غير ذلك؟ لا ينقضي يوم دون أنْ أخطَّ سطراً، هذه عادتي ثم إنَّها مهنتي. لقد حَسبتُ قلمي سيفاً زمناً طويلاً، وإنِّي لأعرف الآن عجزنا… إنَّ الثقافة لا تنقذ شيئا ولا شخصاً) . ويتساءل سارتر (ماذا تساوي روايتي الغثيان أمام طفل يموت جوعاً في أفريقيا؟) في اللحظة والتَّو، ليس بمقدار رواية ولا مقالة ولا كتابٍ أنْ يُقدِّمَ شيئاً أبداً، لكن على المدى البعيد، للثقافة دورٌ كبير في بناء الإنسان والمجتمعات فالبعد الحضاري الثقافي هو الذي مكَّنَ ألمانيا واليابان أنْ تنهضَا ببطء وثَبَات بعد الانهيار المادي التام 1945، لكنَّ الخراب لم يصل ثقافتهم الغنيَّة التي يعتزون بها. لا يمكن إنكار تأثيرات فلسفة هيغل المِثالية في كينونة جيل عقلاني قادر على التحرر من الانفعالات والعواطف واستبدالهما بالفهم مصدر الفعل القصدي وإعادة النَّظر في علاقة العلم بالإيمان والتاريخ بالفلسفة والعلم والاهتمام بنقد العقلانية والتنوير الفرنسيين والتجريب الإنكليزي لتنتجَ المثالية الألمانية التي لا يمكن بمكان اعتبارها ظاهرة تاريخية خاصة بالقومية الألمانية، بل هي (أفقٌ متنوع الأشكال من التأثر والتلقي والتثاقف، أشكال صنعت تاريخ أوربا الثقافي والروحي والعلمي والحقوقي والسياسي) . يظنُّ الجميع، كما أسمعُ كثيراً من شخصيات زارت عقلستان أنَّ الكردي لا يُفكِّر إلا بعاطفة وانفعال، وليس بمقدوره التجرد منهما، أظنُّ أننا بحاجة إلى مختارات منتقاة من هيغل في المناهج الدراسية المتوسطة والإعدادية والكلية، أو تدريس مادة العقلانية بإيجابياتها وسلبياتها. والآن سوف يتهموني بالترويج لهيغل وهو نصف ملحد، لذا أضيف: للعقل مكانة كبيرة في الإسلام ، وما مصيبتنا إلا في عدم فهم هذه المكانة، ولقد وضعتُ هذا الهامش الأخير لانتشار دُعاة التكفير في زمن اللاعقل واللاتفكير.
سارتر-الكلمات-ترجمة خليل صابات- دار شرقيات- 1993- القاهرة- ص122. وعبارة (لا ينقضي يوم دون أنْ أخطَّ سطراً) مثل لاتيني.
هنس زندكولر- المثالية الألمانية- ترجمة فتحي المسكيني وأبو يعرب المرزوقي وناجي العونلي- الشركة العربية للأبحاث والنشر- 2012- بيروت- ج1- ص33.
يقول تعالى (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ) الأنفال: 22. ويقول تعالى (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) البقرة: 242. وقوله تعالى (لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا) الأعراف: 179. أيْ لا يعقلون بها، وقال القرطبي (أضاف العقل إلى القلب لأنه محله كما أن السَّمْعَ محله الأذن) ويقول تعالى(أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا) الحج: 46. ويقول تعالى (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) محمد: 24. وعند ذكر عدم التناقض يحيل تعالى إلى القلب في قوله تعالى (لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْأِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ) آل عمران: 65. كيف يُعقلُ أنْ يكون إبراهيم نصرانيَّاً أو يهوديَّا وقد سبقهما بقرون؟ ويقول تعالى لمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام (فاستمع لما يُوحى) أي اعقل مَا أَقُول لَك. والإفراط في العقلانية يوصل إلى الإعجاب بالنفس، قَالَ عز وَجل (وهم يحسبون أَنهم يحسنون صنعا) الكهف: 104. وَقَالَ تعالى (أَفَمَن زين لَهُ سوء عمله فَرَآهُ حسنا) فاطر: 8. وَقَالَ تعالى (وَيَحْسبُونَ أَنهم على شَيْء أَلا إِنَّهُم هم الْكَاذِبُونَ) سورة المجادلة: 18. وفي الحديث (وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب) ونقلَ ابن الجوزي (إذا رأيت الحديث يباين المعقول، أو يخالف المنقول، أو يناقض الأصول، فاعلم أنه موضوع). السيوطي- تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي-تحقيق: أبو قتيبة نظر محمد الفاريابي- دار الكتاب العربي- 1997- بيروت – ج1- ص 274. ومقولة ابن رشد (الله لا يعطينا عقولا، ثمَّ يعطينا شرائع مخالفة لها) ويقول تعالى (لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل) النساء: 165، وقوله تعالى (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا) الإسراء: 15، الحق لم يخبر انه ما كان يعذبهم حتى يرزقهم عقولا وان كان العقل حجة فهو باطن والرسل حجة الله ظاهرة، كما زعمت المعتزلة لأن هذه مقالة تضاهي مقالة البراهمة حيث زعمت أن في في قوة العقل كفاية عن بعث الرسل، وقد قيل لبعض العارفين بم عرفت الله قال بالله فقيل فأين العقل فقال العقل عاجز يدل على عاجز. وقد جاء في الأثر(إنَّ الله سبحانه لما خلق العقل، وأقامه بين يديه – وهو حجة من قال: عرف بالعقل – فقال له: أقبل فأقبل، ثم قال له: أدبر فأدبر، فقال: عزتي وجلالي ما خلقت خلقاً هو أكرم علي منك، بك آخذ، وبك أعطي، وبك أُعرف). المعجم الأوسط للطبراني، شعب الإيمان للبيهقي، العقل وفضله لابن أبي الدنيا، الفوائد المجموعة للشوكاني.
























