هل يخاف المثقف من الخيال؟
نوزاد حسن
في روايته الرائعة كافكا على الشاطئ يتحدث الروائي الياباني هاروكي موراكامي عن الشرطة في اليابان ويصفهم بانهم يفتقرون الى الخيال لكنهم ذوو كفاءة.(هاروكي موراكامي-كافكا على الشاطيء-ترجمة ايمان رزق الله- طبعة الثالثة 2013- بيروت ص353).وما اقصده في الحقيقة وانا اقتبس من تلك الرواية هذا الراي الساحر هو ان الخيال له وظيفة نفسية مهمة لا يمكن ان يقوم بها العقل مطلقا.وتنحصر وظيفة الخيال في جعل الحياة تتسع وتمتد الى افاق ابعد مما نرى كبشر.واعتقد ان الخيال يشعل فينا الحنين الى الله لان الحياة المصنوعة بيد الله تفجر فينا طاقة الخيال الذي يدربنا كيف نفهم الاشياء من حولنا.لذلك فان اشارة الروائي الياباني عميقة جدا لانها تبين الى اي حد يمكن ان يخسر الانسان لو فقد القدرة على التخيل. وفي المقابل فاننا اذا اردنا ان ننتقد شخصا فان افضل وصف نطلقه عليه هو انه فارغ العقل,او انه بلا عقل.وهنا نجد اننا نختلف في شيء مهم عن الاخرين وهو اننا نركز على العقل,فيما الاخرون في اوربا او امريكا اللاتينية يفهمون الانسان لا من خلال العقل وانما من خلال طاقته الميتة عندنا واعني بها الخيال. الخيال اذن كلمة غامضة,ولا اهمية لها لان العقل هو الاهم وهو الاقوى والاكثر تحررا ووضوحا. ان السؤال عن حقيقة خوف المثقف من كلمة الخيال بات اليوم سؤالا مشروعا.وانا اعتقد ان هذه المشكلة النفسية تحتاج الى معالجة,واضاءة وافية كي نفهم لماذا عشنا بطريقة عقلية محددة,وغاب الخيال عن لغتنا وحياتنا اليومية.لذلك يلاحظ اي ناقد او قارئ مهتم بايضاح المفاهيم اننا نؤمن بقوة التنوير الذي يكون العقل ركنه الاساسي.ومن هنا فهمنا ان التطور والتقدم يرتبط بمنجزات العقل هذه الهبة الاهية الكبيرة لنا.ولا اظن ان احدا ينكر منجزات العقل,وقدرته على وضع حلول لامراض ومشاكل عصرنا لكن العقل لا يكفي لمثل هذا الدور.العقل ليس الاداة الوحيدة التي تجعلنا نعيش راضين ومطمئنين لسبب بسيط يتعلق ببناء الحياة نفسها.وقد راينا كيف ا بورخس لم يتوقف عند العقل للاحساس بالحياة بل تجاوز هذه النظرة ليتامل كل شيء من خلال ثلاث كلمات اعتبرها من الاشياء الاساسية في هذا الكون الفسيح.واذا اردنا ان نتحدث عن مشكلة الثقافة العراقية طيلة مسيرتها منذ بداية القرن العشرين فلن نجد مثلا لكلمات بورخس (الزمن الموت الحلم)اي تاثير يذكر لابداع فيه معاناة فردية بكل معنى الكلمة.كان المثقف العراقي كائنا انسانيا مصدوما بالواقع الاجتماعي الغارق بالبؤس والفقر وعبث السياسة.وظل المثقف مهموما بدور اكبر في رصد وانتقاد ما يحصل كي لا يقال بانه كان يعيش في برجه العاجي.ان مكان المثقف مع قضايا الجماهير وهموم الفقراء.وهذه بلا شك رسالة مهمة وانسانية لكنها رسالة خطرة جدا قد تنتهي بالكاتب الى سطحية تخلو من اي معاناة داخلية.واذا استثنينا كتابات علي الوردي العميقة الرائعة جدا,ونماذج من شعر الرواد,وبعضا من نصوص الستينيين الغنية بالبحث غير النظري عن قوى الانسان الفطرية,وكذلك اذا استثنينا شعر محمود البريكان الذي لم يدرس جيدا,فلن يكون هناك الا الواقع الاجتماعي والسياسي الذي فرض على اللغة دورا محددا تكون الامانة في التصوير قاعدته الاولى.وهكذا كانت رسالة اللغة الاندماج في النسيج الواقعي,واعطاء دورللعقل في ضبط تفاصيل الحياة.تماما كما يفعل العالم في المختبر حين يقوم بالبحث من اجل الوصول الى فهم مشكلة علمية تعترض طريق العقل.لقد اراد الكاتب والمثقف العراقي ان يعزل بعض مشاكل واقعه,ويفهمها,وينتقدها مستخدما لغته الادبية البعيدة عن توتر الفردية الخلاق الذي يجعل من النص الادبي وثيقة انسانية تقرأ في كل زمان ومكان.والاهم من هذا ستكون ابداعا نرى فيه طاقة التخيل تعمل بحرية كبيرة تثير فينا التساؤل والدهشة,والقدرة على تجاوز المالوف الذي يبنيه العقل,ويحافظ عليه كميراث بارد لا تجوز مخالفته ابدا. لكن لماذا يخاف المثقف العراقي من الخيال..؟قبل الاجابة اشير الى ان النماذج التي استثنيتها تؤكد عدم وجود هذا الخوف.اما المئات من النصوص الاخرى فانها تنعزل في عالم العقل المسدود بحواجز المنفعة والرغبة في اقناع القارى بان المثقف مسؤول عن مواجهة الاخطاء ونقدها.لكن الحقيقة الاهم لا تنحصر في هذه المهمة فحسب لان النص الادبي لا بد ان يكون درسا في تعليمنا مبدأ الفردية بمعناه الحقيقي.وعلينا ان نعترف ان الفردية تناقض العقل تناقضا تاما.ان المبدأ الفردي يقوم على وحدة الانسان ككائن عجيب يمتلك طاقات خالقة وساحرة.كما يؤكد المبدأ الفردي على اتساع الحياة الداخلية لاي انسان بلا استثناء.لكن هذا الانسان يقوم في حياته بردم ذلك الاتساع كما يطمر بئرا عذب الماء بالرمل والحجارة. ان اي اعتقاد او فكرة او قومية او مذهب ديني ينحشر فيه الانسان ويعتقد انه الحقيقة المطلقة,وانه المعنى الوحيد الاروع والاجمل في هذا الكون..اقول ان اي تفكير من هذا النوع يقتل القوى الفطرية في اعماقه,ويردم عذوبة ماء البئر الداخلية.ومن الممكن الاحساس احيانا بعذوبة النص كما لو كنا نتذوق ماء عذبا.النص يكشف حدود الفردية التي يتمتع بها المثقف,ومن خلال لغته وثراء وعمق عالمه الداخلي نشعر اننا نخوض تجربة الكاتب نفسه,ونتعلم كيف نبني انفسنا,ونحطم النظرة الضيقة المحدودة التي ينخدع فيها الملايين من الناس دون ان يحسوا انهم مخدوعون. لقد وصلت كتابات بورخس الينا وتعاملنا معها على انها نوع من الكمال الفني المحرم علينا الوصول اليه او ختى التاثر به.لم يفكر احد لماذا لم نتاثر ببورخس كما تاثر ماركيز.الاجابة بكلمة واحدة:العقل.نعم العقل هو من صد تاثير بورخس في ادبنا لذلك حرمنا من الاحساس بصفاء تخيله الصادم.لم نحاول ان نفكر مرة كيف انه كتب بها الاسلوب البسيط الخالي من الاستعارات الفخمة الملونة..؟كذلك لم نبحث عن سبب ولعه بكلماته الثلاث..؟وحين تحدثنا عنه بلغة العقل الذي يبحث عن السيطرة على الواقع وما فيه من مشاكل لم نعرف اننا قتلناه,ودفناه الى الابد في مكان مجهول. ان كل نص من نصوص بورخس هو احتجاج خيالي على سيطرة العقل الذي امنا به.وكان ماركيز الصورة الاعظم تاثيرا حين علمنا ان ننتبه الى العقلانيين والستالينيين الذين يفهمون الاشياء بعيونهم فقط.هذه هي مشكلة المثقف العراقي الذي لم يعترف بامكانية الخيال,وطاقاته على كسر حدود العقل المزعجة التي تفرض علينا مفاهيم جاهزة نصدقها على انها هي الجمال الوحيد في هذا العالم.واذا لم نتعلم كيف نتخلص من هذا التفكير السطحي فلن نتعلم شيئا من اجل تكامل فرديتنا بكل قواها الفطرية الخالقة. اذن عدم احترام الخيال هو السمة الاهم في اغلب نصوص الادب العراقي.والسمة الاخرى هي الاعتقاد ان العقل قادر على اعطائنا التقدم والتنوير,وهذا حق لكنه لن يعطينا النضوج الانساني الذي ينسجم مع بناء الحياة بذاتها.ما فعله بورخس هو انه حاول ان يصف لنا حياته حين واجه الحقيقة الواضحة للحياة.وكما قلت سابقا لم تكن الافكار الواضحة التي سحرت ديكارت هي ذاتها الافكار التي سحرت بورخس.فالانا افكر عند ديكارت كان الفكرة الاوضح عنده لكنه لم يكن كذلك عند بورخس.لان الشيء الاكثر وضوحا في هذه الحياة ليس الانا المفكرة ولكن كانت الاشياء بحد ذاتها.الاشياء المعرضة للضعف والزوال.ومن هذه المقارنة سنعرف مع من وقف المثقف العراقي..؟وكيف انه فضل ان يقف مع العقل ضد الخيال..؟واذا لم نحاول قراءة الادب والثقافة العراقية بهذه الطريقة فلن نفهم خريطة الثقافة فهما عميقا.كما ان غياب مبدأ الفردية سيشرح لنا الدرجة الخطيرة التي وصلنا اليها حين صدقنا اننا بشر عقليون نتمتع بفهم كامل محدد واضح.وعلينا ان نتذوق كل انجازات العقل الرائعة التي يصنعها لنا من الموبايل وحتى الاكتشافات الطبية الهائلة التي ستقلب حياة البشر,وتقلل من معاناتهم.لكن هل احس احد ان كل هذه الاشياء مضرة او على الاقل غير قادرة على جعل فرديتنا تتكامل لتنسجم مع طبيعة الحياة التي يتلاعب بها العقل كما يشاء..؟
اعتقد اننا لم نصل بعد الى هذا الاحساس الغامر الكئيب دون ازعاج ان الحياة كلما تقدمت وتطورت فستظل تحمل حكاية زوالها وضعفها.والانسان كلما تمتع بفرديته الحقيقية فانه سيرى هذه الحقيقة التي لا يمكن ان يحجبها العقل على الرغم من كل انجازاته. الحياة تسخر منا دائما حين تفاجئنا بموقف لم نتوقعه,او حادث لم يكن احد يضعه في حساباته.نقف مبهورين مندهشين كيف حدث هذا الامر.العقل ينبهر ايضا بتلاعب الحياة به.يتوقف كما يسكت فجأة صخب محرك ثقيل.تاتي الاحداث بهذه القسوة وعلينا ان نواجهها بدهشة تنم عن اننا لم نكن نفهم جيدا نسيج الحياة المعقد الذي جعلنا العقل نظن انه مفهوم وواضح كأنه قشر موزة.هذا هو الوهم العقلي الذي غرقت به الثقافة العراقية منذ عقود طويلة.ولا بد من البحث عن اشارات نستطيع من خلالها ان نبني فردية الانسان بصورة صحيحة بعيدة عن وهم العقل وسيطرته الخادعة.ومن المؤسف اننا لم نحاول فعل هذا الامر فبقينا واهمين وبلا فردية حقيقية لاننا فضلنا ان نكون عقليين وستالينيين على ان نكون متخيلين ومتشابهين مع الحياة كما هي.
.النص جزء مقتطع من دراسة عن البريكان لم يكمل الكاتب انجازها.























