سيدة تنجب في مخيم بائس وسط النفايات بلا رعاية صحية
نساء مثقلات بهموم النزوح ومسؤولية رعاية أسرهنّ خارج الديار
بغداد – زينة سامي – فاطمة كمال
نزحت ام عمار واولادها واحفادها البالغ عددهم خمسة وثلاثين شخصا ليلاً من منطقة يثرب في صلاح الدين الى بغداد باحثين عن مكان يأويهم من خوفهم وهلعهم.
وتقول ام عمار وعيناها تذرفان الدموع (سرت انا وعائلتي لمدة ثلاثة ايام على الاقدام قبل ان نصل الى بغداد تاركين وراءنا كل ما لدينا من ثروة حيث اننا نمتلك اربعة دوانم وقطيع اغنام ومواشي وسيارات ، وقد قررنا النزوح بعد دخول عناصر داعش الى منطقتنا في الوقت الذي اشتد القصف الجوي عليهم من القوات الامنية)، وتضيف (عند سماعي بخبر يفيد بحرق منزلنا واراضينا الزراعية اصبت بمرض السكري وارتفاع ضغط الدم من شدة هول الحدث واغمي عليَ ونقلت في اثر ذلك الى مستشفى اليرموك).
وتابعت بحسرة (اليوم نحن لا نمتلك شيئا سوى البساط الذي نجلس عليه الذي زودتنا به احدى منظمات المجتمع المدني) .وعند سؤالها عن احتياجاتها وما تطلبه من الجهات المعنية، قالت انها لا تريد شيئاً او عطفاً من اي جهة ، (أريد فقط العودة الى دياري والعيش بكرامة فما شاهدته من ذل ومأساة اثر كثيرا على نحالتي النفسية ونفسية افراد اسرتي وبدأت المشاكل تتفاقم خاصة وان المكان الذي نسكن فيه ضيق جدا ولا يتناسب مع عددنا الكبير)، مضيفة(وبسبب التفكير الدائم بالحالات التي مررت بها فأنا لا أستطيع النوم بسهولة وحتى اذا غفوت فأرى أحلاماً مزعجة).
وذكرت ام احمد (مهجرة من محافظة الانبار) انها غادرت منطقتها منذ نحو ستة اشهر وهي تتخوف من العودة برغم انها تسمع بتحرير منطقتها من داعش (بسبب صعوبة الاوضاع الامنية ولا اريد المجازفة مرة ثانية بعد ان خرجت واولادي التسعة من المنطقة باعجوبة)، وتتابع الحديث (ان تنظيم داعش الموجود في منطقتها كان يتعرض لهم باستمرار ، وتصف وجوه عناصر داعش والخوف واضح في عينيها بأن (اشكالهم مخيفة ولهم لحايا طويلة ويتحدثون باصوات مخيفة) ، وتؤكد بأنها (قضت اسبوعا كاملا بعد وصولها الى بغداد وهي لا تستطيع النوم حتى في الليل او اطفاء الضوء خوفا من مجيء داعش اليهم بسبب الظروف التي مرت بها)، وتضيف ام احمد بأنها (لا تريد العيش في البلد بعد الذي مرَ بها من خوف وهلع زرع داخلها كونها لا تستطيع الشعور بالامان مرة اخرى).
ولادة بائسة
اما ام فاطمة فلها حكاية أخرى، وهاهي ترويها لـ(الزمان) ، قائلة (عندما هجرت من منطقتي في صلاح الدين كنت حاملا في الشهر الثامن، وبعد معاناة وصلت الى بغداد مع اهلي وبعد اسبوع ولدت ابنتي فاطمة في مخيم بائس وسط النفايات والانقاض التي تحيط بنا)، وتساءلت (ما ذنب ابنتي ان تولد في مكان كهذا ؟ وهل ذنبها انها عراقية)؟ وقالت ام ياسر المهجرة من محافظة نينوى (ان الظروف التي عشناها لا يمكن ان ننساها مدى حياتنا خاصة ، فقبل ان نغادر المحافظة اختطفت امرأة في شهر حزيران من العام الماضي وبعد يومين شوهدت جثتها مذبوحة ورأسها مرمي على الجثة)، مضيفة (لقد اثر ذلك علينا جميعا نساءً ورجالاً خوفا من ان نتعرض الى الموقف نفس ففضلنا النزوح ولكن الحالات التي واجهناها اثناء نزوحنا لم تكن سهلة بل كانت في غاية الصعوبة حيث شاهدنا حالات ولادة وانجاب اطفال على الطرقات).
وتابعت (مررنا وما زلنا نمر بحالة نفسية صعبة جدا خاصة النساء لخوفنا من التعرض الى شي يهتك سترنا ويجلب الاساءة لاهلنا)، لافتة الى انها (اليوم تعاني من فوبيا مرضية وتتخيل ان كل شخص يقترب منها يحاول الحاق الاذى بها هي وعائلتها).
واوضحت ام ازهر المهجرة من سهل نينوى والتي تسكن اليوم في مجمع نبي الله يونس (عشنا ايام صعبة جدا حيث فقدنا الاتصال باهلنا واصدقائنا لهول النزوح والهجوم علينا) لافتة الى (ان ارهابي داعش قاموا بالهجوم على منازلنا وسرقة ونهب وسلب كل ممتلكاتنا ومحتويات بيوتنا وقتل ابنائنا الذين لم يتمكنوا من النزوح) متسائلة (كيف لي ان اعيش مثل الاناس الطبيعيين وقد شاهدت مواقف اشد قسوة من مواقف الحرب العالمية الثانية) ؟
ودعا تقريرسنوي اعدته منظمة تعنى بحقوق الانسان الى اجراء الحكومة العراقية معالجات ضرورية في هذا الشأن منها الاستعانة بباحثات اجتماعيات وخبراء علم نفس واطباء للعمل في مراكز للارشاد النفسي ومراكز الرعاية الاولية الخاصة بالامومة والطفولة ورعاية الاحداث لاعادة التأهيل في المناطق المعرضة للنزاعات المسلحة.ودعت منظمة راستي لحقوق الانسان الى الاهتمام بالطفولة وحماية الاشخاص من التشريد القسري وحماية النازحين .وبينت المنظمة ان ما تعرض له النازحون من انتهاكات جسيمة لحقوق الانسان اثر على حالتهم النفسية خاصة ، واعربت المنظمة عن تخوفها من خلق سلوكيات تضر المجتمع خاصة وان الاستقرار النفسي والاجتماعي يؤدي الى وجود مجتمع خال من الانحراف والعكس صحيح)، في حين ، اكد عضو المفوضية السامية لشؤون اللاجئــــــــين في محافظـــــــة كركوك لـ (الزمان) سمير عبد الله صالح (ان الحالات النفسية للنازحين سيئة جدا خاصة وانهم عانوا العديد من المشاكل اثناء نزوحهم)، مضيفاً انه (كان من المفروض ان ينعم هؤلاء النازحون بالراحة والطمأنينة ولكنهم واجهوا ظروفاً قاسية جدا في المجتمات التي لجأوا اليها) .
وكانت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في البصرة قد عمدت إلى التخفيف من الحالة النفسية للنازحين، من خلال استحداث غرفة الاصغاء في المخيمات لسماع مشكلاتهم ومعاناتهم، ومحاولة علاجها. وقال مسؤول برنامج النازحين في المفوضية عامر المالكي في تصريح إن (المفوضية درست افتتاح غرفة للإصغاء تضم أطباء مختصين بالأمراض النفسية للاستماع الى معاناة النازحين بسرية تامة، ومحاولة علاجها)، لافتاً إلى أن (النازحين يشكون من مشكلات قانونية تقوم المنظمة بمساعدتهم على مواجهتها من خلال مركز التأهيل التابع لها الذي يضم متخصصين قانونيين).
وقال الاكاديمي في علم النفس والاجتماع حيدر لازم الكناني ان (الأزمات ووطأة الضغوطات النفسية التي تواجه النازحين في المجالات الانفعالية والاقتصادية والصحية والاجتماعية والسياسية اصبحت تشكل عبئاً كبيرا على المجتمع)، موضحاً ان (ما يتعرض له النازحون قسراً اثناء ممارسة حياتهم الى ضغوطات نفسية شتى نتيجة الأوضاع السيئة التي مروا بها من خلال هجر منازلهم وممتلكاتهم وباب رزقهم عنوة او من خلال تعرضهم للترهيب والقتل او تعرض احد افراد عائلاتهم الى القتل او الخطف او نتيجة الظروف السيئة التي يعيشونها، زاد من وطأة المشكلات التي تواجههم) .
ورأى الكناني ان(تسرب العديد من القوى الفاعلة في المجتمع الى مجتمعات اخرى يتسبب في خسارة كبيرة وتفريغ وتبديد للطاقات القادرة على تحقيق عملية البناء والمساهمة في انتعاش الواقع الاقتصادي والاجتماعي في مجتمعنا الذي هو في امس الحاجة الى عملية التنمية واعادة الاعمار)، موضحاً ان(من أهم عوامل نجاح عملية التنمية خلو المجتمع من الضغوطات النفسية التي تعوق عملية التطور بما تسببه من تداعيات خطيرة للفرد والمجتمع.(وقال الاكاديمي في علم النفس والاجتماع حجي مغسو حسو ان (اغلب النازحين تجدهم عصبيين وغير مستقرين ومتوترين، يتأثرون بابسط الكلمات ويثورون بسرعة)، مشدداً على (ضرورة توفير اطباء نفسيين في المجمعات والمخيمات التي يوجد بها النازحون لاخضاعهم الى جلسات علاجية من خلال الاستماع الجيد للمريض وأعطائه الثقة). وشدد حسو على(ضرورة بث الشعور بالامان وطمأنتهم بأنهم في مكان آمن وانهم سيعودون قريبا الى حياتهم الطبيعية لان كل هذا سينعكس ايجابا على علاجهم).
من جهته، اكد المتحدث الرسمي بأسم وزارة حقوق الانسان كامل امين (اصرار الحكومة العراقية على تغيير واقع المرأة ونيلها لحقوقها المشروعة خاصة انها استطاعت ان تتجاوز الصعاب رغم ماتعرضت له من اذى، خاصة في ظل الظروف الراهنة ولاسيما ان العراق يواجه هجمة ارهابية شرسة انتهكت حقوق الانسان بابشع صورها).
توثيق الانتهاكات
وقال امين لـ (الزمان)، ان (المرأة كان لها نصيب من الهجمة الارهابية التي اجتاجت بعض محافظات العراق حيث تعرضت للقتل والاغتصاب والخطف والسبي والبيع في سوق النخاسة) ، مشيراً الى ان (الوزارة طالبت المنظمات الدولية بالوقوف الى جانب العراق ومساندته ودعمه للتخلص من تلك العصابات الهمجية وانصاف المرأة العراقية لمساعدتها على تجاوز تلك الازمة).
واوضح ان (الوزارة تقوم بتوثيق الانتهاكات التي تتعرض لها النساء لعرضها امام المجتمع الدولي والمطالبة بحقوقهن وانصافهن وارجاع كرامتهن التي سلبت قسرا)، مضيفاً ان(الوزارة تتابع ،عن طريق مكاتبها في المحافظات، اوضاع النازحين وتسعى الى توفير احتياجاتهم قدر الامكان ومدهم بالمساعدات الضرورية اضافة الى مفاتحة الجهات ذات العلاقة لتوفير ما لا تستطيع الوزارة توفيره لهم كالجانب الصحي والتعليمي).

















