نازل آخذ رگي- واثق الجابري

ارتبك‭ ‬سائق‭ ‬السيارة‭ ‬المسرعة‭ ‬على‭ ‬الطريق‭ ‬السريع‭ ‬الرابط‭ ‬بين‭ ‬المحافظات،‭ ‬وهو‭ ‬يسمع‭ ‬صراخ‭ ‬أحد‭ ‬الركاب‭: ” ‬نازل‭ ‬نازل‭”.‬

كان‭ ‬السائق‭ ‬مندمجاً‭ ‬في‭ ‬التسابق‭ ‬مع‭ ‬السيارات،‭ ‬في‭ ‬سرعة‭ ‬تجاوزت‭ ‬ما‭ ‬مسموح‭ ‬به‭ ‬دولياً،‭ ‬لعدم‭ ‬وجود‭ ‬محددات‭ ‬والتزام‭ ‬من‭ ‬السائقين‭ ‬بالسرعة‭ ‬التي‭ ‬تحافظ‭ ‬على‭ ‬الأمان،‭ ‬في‭ ‬شارع‭ ‬سريع‭ ‬يخلو‭ ‬من‭ ‬علامات‭ ‬الدلالة،‭  ‬والاشارات‭ ‬الفسورية‭ ‬والأسيجة،‭ ‬في‭ ‬طريق‭ ‬وصلت‭ ‬حوادثه‭ ‬الى‭ ‬أرقام‭ ‬مرعبة‭ ‬توازي‭ ‬العمليات‭ ‬الإرهابية،‭ ‬وفي‭ ‬معظمها‭ ‬إبادة‭ ‬لعوائل‭ ‬كاملة‭ ‬ذهبت‭ ‬لقضاء‭ ‬حوائج‭ ‬أو‭ ‬للنزهة‭.‬

انتبه‭ ‬كل‭ ‬الركاب‭ ‬على‭ ‬صوت‭ ‬الصراخ،‭  ‬واستيقظ‭ ‬النيام‭ ‬منهم‭ ‬وكأنهم‭ ‬كانوا‭ ‬في‭ ‬حلم‭ ‬مرعب،‭ ‬لكن‭ ‬الراكب‭ ‬المذكور‭ ‬أشار‭ ‬الى‭ ‬سيارة‭ ‬متوقفة‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬السيارات،‭ ‬تبيع‭ ‬الرقي‭ ‬في‭ ‬شهر‭ ‬تشرين،‭ ‬وقال‭” ‬نازل‭ ‬آخذ‭ ‬رگي‭”‬،‭ ‬فأجابه‭ ‬من‭ ‬جلس‭ ‬في‭ ‬صدر‭ ‬السيارة‭ “‬رجال‭ ‬الّي‭ ‬يعبّي‭ ‬بالسلة‭ ‬رگي‭”‬،‭ ‬بينما‭ ‬قال‭ ‬من‭ ‬يجلس‭ ‬في‭ ‬الخلف‭ ‬انتهى‭ ‬موسم‭ ‬التمور‭ ‬وتناقص‭ ‬نخيل‭ ‬العراق،‭ ‬وعبرنا‭ ‬آب‭ ‬اللهاب‭ ‬الذي‭ ‬يكثّر‭ ‬الأعناب‭ ‬ويقلّل‭ ‬الأرطاب،‭ ‬فأجابه‭ ‬من‭ ‬يجلس‭ ‬جنبه‭: “‬جزنه‭ ‬من‭ ‬العنب‭ ‬ونريد‭ ‬سلتنا‭”‬،‭ ‬بينما‭ ‬قال‭ ‬ثالث‭ ‬هذا‭ ‬موسم‭ ‬الرمان،‭ ‬ولكن‭ ‬طعمه‭ ‬لا‭ ‬يكتمل‭ ‬إلا‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬يشرب‭ ‬ماء‭ ‬تشرين،‭ ‬ولم‭ ‬نرَ‭ ‬قطر‭ ‬المطر‭ ‬الى‭ ‬الآن‭.‬

توقفت‭ ‬السيارة‭ ‬وأسرع‭ ‬مهرولاً‭ ‬لجلب‭ ‬رقية‭ ‬كبيرة،‭ ‬وسأل‭ ‬البائع‭ ‬هل‭ ‬هي‭ ‬محلية‭ ‬أم‭ ‬مستوردة،‭ ‬فأجابه‭ ‬معظم‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬السوق‭ ‬مستورد،‭ ‬ومنافذ‭ ‬الحدود‭ ‬مفتوحة‭ ‬حتى‭  ‬وإن‭ ‬وجد‭ ‬المحلي‭ ‬أو‭ ‬منعت‭ ‬الحكومة،‭ ‬ولكل‭ ‬منفذ‭ ‬حدودي‭ ‬قانون‭ ‬وتسعيرة‭ ‬دخول‭ ‬وقوانين‭ ‬تختلف‭ ‬حسب‭ ‬مزاج‭ ‬السلطة‭ ‬المحلية‭ ‬أو‭ ‬المسؤول‭ ‬المباشر،‭ ‬وسأل‭ ‬هل‭ ‬هي‭ ‬شرط‭ ‬السكين،‭ ‬فأجابه‭ ‬لا‭ ‬يحتاج‭ ‬سكين‭ ‬بعد‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬الحرارة‭ ‬ولكن‭ ‬مع‭ ‬ذلك‭ ‬سأفتحها؛‭ ‬فأذابها‭ ‬حمراء،‭ ‬فأخذها‭ ‬وركب‭ ‬في‭ ‬السيارة‭.‬

‭ ‬تحركت‭ ‬السيارة‭ ‬وبدأ‭ ‬أحدهم‭ ‬بفتح‭ ‬الرقية‭ ‬وتقسيمها،‭ ‬فوجدوها‭ ‬لا‭ ‬طعم‭ ‬لها‭ ‬وحَمارها‭ ‬مجرد‭ ‬لون‭ ‬امتزج‭ ‬بين‭ ‬حرارة‭ ‬ما‭ ‬تعرضت‭ ‬له،‭ ‬ومدة‭ ‬النقل‭ ‬والخزن‭ ‬والمواد‭ ‬الكيماوية‭ ‬التي‭ ‬نفختها،‭ ‬وتذكروا‭ ‬عند‭ ‬ذلك‭ ‬تمر‭ ‬البصرة‭ ‬ولبن‭ ‬أربيل‭ ‬ورقي‭ ‬سامراء‭ ‬وتين‭ ‬الحلة‭ ‬وسمك‭ ‬الناصرية‭ ‬الممزوج‭ ‬بملوحة‭ ‬النهر،‭ ‬وهكذا‭ ‬كبقية‭ ‬المزروعات‭ ‬التي‭ ‬تشعر‭ ‬من‭ ‬طعمها‭ ‬أنها‭ ‬نمت‭ ‬في‭ ‬أرض‭ ‬العراق،‭ ‬وأمتزج‭ ‬طعمها‭ ‬مع‭ ‬ترابه‭ ‬وماء‭ ‬دجلة‭ ‬والفرات‭.‬

اتفق‭ ‬الجميع‭ ‬أن‭ ‬تشرين‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تأخذ‭ ‬فيه‭ “‬رگي‭”‬،‭ ‬ولكل‭ ‬فاكهة‭ ‬موسم‭ ‬للجني،‭ ‬وفي‭ ‬هذا‭  ‬لم‭ ‬تنضج‭ ‬كل‭ ‬فواكه‭ ‬الشتاء،‭ ‬وهو‭ ‬فترة‭ ‬خريف‭ ‬تتساقط‭ ‬فيها‭ ‬الأوراق،‭ ‬لتخضر‭ ‬فيها‭ ‬أوراق‭ ‬جديدة،‭ ‬ونقبل‭ ‬على‭ ‬موسم‭ ‬الشتاء‭ ‬حيث‭ ‬تكثر‭ ‬الفواكه،‭ ‬وسيعمد‭ ‬بعضهم‭ ‬على‭ ‬فتح‭ ‬الحدود‭ ‬لدخول‭ ‬المستورد‭ ‬ومنافسة‭ ‬المحلي،‭ ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬الموسم‭ ‬تكثر‭ ‬الأمراض‭ ‬وبالذات‭ ‬التنفسية،‭ ‬والخطر‭ ‬يكمن‭ ‬مع‭ ‬وجود‭ ‬وباء‭ ‬كورونا‭ ‬الذي‭ ‬اختلط‭ ‬وشابه‭ ‬الإنفلونزا،‭ ‬وبدأ‭ ‬الناس‭ ‬يبحثون‭ ‬عن‭ ‬البرتقال‭ ‬والليمون‭ ‬من‭ ‬ديالى‭ ‬ومناطق‭ ‬وسط‭ ‬العراق‭ ‬وشماله،‭ ‬لتحصين‭ ‬أنفسهم‭ ‬من‭ ‬الإصابات‭.‬

في‭ ‬تشرين‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬نهاية‭ ‬الخريف‭ ‬بداية‭ ‬موسم‭ ‬ودورة‭ ‬برلمانية‭ ‬جديدة،‭ ‬وتخلص‭ ‬من‭ ‬موسم‭ ‬خريف‭ ‬وبدء‭ ‬موسم‭ ‬شتاء‭ ‬تتساقط‭ ‬فيه‭ ‬الأمطار‭ ‬ومعها‭ ‬تنزل‭ ‬النعم،‭ ‬وعندما‭ ‬تُهيّأ‭ ‬الأرضية‭ ‬المناسبة‭ ‬سنأكل‭ ‬من‭ ‬أطيب‭ ‬الفواكه‭ ‬والخيرات‭ ‬التي‭ ‬تميز‭ ‬بها‭ ‬العراق،‭ ‬عندما‭ ‬نختار‭ ‬قادة‭ ‬قادرين‭ ‬على‭ ‬تجاوز‭ ‬إخفاقات‭ ‬المرحلة‭ ‬السابقة،‭ ‬وحتى‭ ‬من‭ ‬الخريف‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬يصنع‭ ‬سماداً‭ ‬من‭ ‬مخلفات‭ ‬الأشجار،‭ ‬كذلك‭ ‬من‭ ‬مخلفات‭ ‬السياسة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬إصلاح‭ ‬يعد‭ ‬لمرحلة‭ ‬مقبلة،‭ ‬وبعد‭ ‬هذا‭ ‬الحديث،‭ ‬لام‭ ‬الركاب‭ ‬من‭ ‬قال‭: “‬نازل‭ ‬آخذ‭ ‬رگي‭”‬،‭ ‬وقالوا‭ ‬له‭ ‬في‭ ‬تشرين‭ ‬يمكنك‭ ‬أن‭ ‬تأكل‭ ‬رقي‭ ‬عراقي‭ ‬من‭ ‬بيوت‭ ‬زجاجية‭ ‬مكيفة‭ ‬عندما‭ ‬تختار‭ ‬قيادة‭ ‬صحيحة،‭ ‬وأن‭ ‬لا‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬المستورد‭ ‬لأن‭ ‬معظمه‭ ‬مغشوش‭ ‬ودخل‭ ‬بطرق‭ ‬غير‭ ‬قانونية،‭ ‬وعندما‭ ‬تدعم‭ ‬المحلي‭ ‬الوطني‭ ‬الذي‭ ‬يستطيع‭ ‬استيعاب‭ ‬متطلباتك‭ ‬أو‭ ‬يتقارب‭ ‬معها،‭ ‬ستصنعون‭ ‬مستقبلاً‭ ‬لمن‭ ‬كان‭ ‬يفكر‭ ‬معك‭ ‬أو‭ ‬لم‭ ‬يصدق‭ ‬ما‭ ‬تقول،‭ ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬الصندوق‭ ‬ترسم‭ ‬مستقبلك،‭ ‬وتوفر‭ ‬فرص‭ ‬عمل‭ ‬لكل‭ ‬من‭ ‬يرغب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬من‭ ‬أدوات‭ ‬بناء‭ ‬العراق‭ ‬وذاته‭.‬