معاناة في كلمات دامعات باليأس
رائد مهدي
هكذا أرتأيت أن أعنون هذه الدراسة المبسطة لقصيدة ـ هو بعض من الغباء ـ والتي سطرتها أنامل الشاعرة الاديبة السورية / لينا قنجراوي / بقوة أثر الدهشة والاستغراب واللوم للحال الشخصي المتوجع بظرف مزمن أجتماعي فتبدأ عبارات اللوم أبتداء من مطلع القصيدة :
هو بعض من الغباء
أن تعيش في وطن
بلا وطن
وهنا قمة التأنيب للنفس حين يجد المرء نفسه أسيرآ في شباك الغباء التي نصبتها له يد الظروف التي تتوجه به الى حيث لايريد لترميه في ذلك المكان الموصوف بأنه وطن كمسمى لكنه سجن ومنفى حتى لايشعر المرء برغبة الانتماء لذلك المكان الذي يعج بألالم والفشل والوطن المستباح أقل مايوصف به لاوطن.ومن ثم تنطلق بنا لينا كنجراوي لترينا تلك الصفحات المكتوبة بحبر دموي والمؤطرة بسواد الخوف ومن أعلى عناوين البؤس قائلة :
هي قمة الشقاء
أن ترسم الخوف
في الليل غطاء
لنكتشف أن أول مراتب تلك المعاناة لدى الاديبة هو ألاضطرار الذي يجعل الانسان يتغطى بشيء لايكاد يطيقه بل يتغطى بما هو سبب رئيسي لسلب سكينته وبألتالي يكون ذلك الغطاء بلاء على صاحبه سواء كان غطاء فكريآ أو عقائديآ وبكل الاحوال هي معاناة منشأها الأضطرار.
من عمامة بيضاء
أو راية سوداء
من لحية رقطاء
من خطبة حمقاء
صور متعددة لمصدر ألم واحد متسبب بذلك الاضطرار وقد يكون جزءا لا يتجزأ من ذلك الأضطرار المأساوي القاتم المعالم والمتناقض الأعمال والاقوال بدلالة مفردات الأديبة (بيضاء سوداء) والصورة الاخرى لذلك المصدر المأساوي هو تشوه الحال حينما وصفته بمفردة (رقطاء) والتي كثيرآ ماتطلق على الأفعى التي ملمسها ناعم وفي انيابها السم الزعاف فكذلك تصف ذلك المصدر المأساوي وتشبهه كأفعى جميل ماتدعو اليه لكن تلك الافعى تضمر الموت والألم وتخفيه ولاتظهره إلا غدرآ ومكرآ لتوصلنا الأديبة الى صورة شديدة الوضوح عندما تكشف لنا أن هناك خطبة حمقاء في أشارة لما تتسبب به أمثال تلك الخطب من كوارث ومآسي متصلة بمعاناة صاحبة الكلمات التي تقفز بنا الى ذلك الضحك العبثي الذي مكانه بألتحديد :
من ضحكات نساء
تكللها نار رمضاء
من باب موصد
بألف دعاء ودعاء
فكما قيل شر البلية مايضحك تتشكل الضحكات العبثية حين يجد المرء نفسه مدفونآ بألحياة أو مسجونا بلا استحقاق أو مضطرا دون اختيار فلأن المرأة كانت لها حصة الاسد في تلك المعاناة فلا عجب ان تكون اعلى الضحكات من أشد القلوب المبتلاة ولان مكان المرأة في تلك المعاناة بل ومكانتها مغيبة خلف الابواب لذا وصف ذلك الباب بأنه موصد لكونه موصدا بوجه المرأة خصوصآ ومعظم النساء عمومآ فلاتجد تلك النسوة المغيبات عن أدوارهن سوى اطلاق الامنيات من رحم المعاناة فكانت بالوصف التالي :
أن يمر الليل بلا ضوضاء
بدون انتظار لسكاكين الجهلة
فألضوضاء المعنية هي مصدر الازعاج في أسوأ مكان لان ضوضاء الليل لاتحتمل وهي تنهك النفس اكثر من الجسد وأما السكاكين فهي تشبيه لتلك الامور التي أنشأت وتأسست لنفع الناس ومساعدتهم على تدبير شؤون حياتهم لكنها وقعت بيد الجهلاء الذين بدلوا وظيفة السكين من خدمة الانسان الى ذبح الانسان لتضاف تلك السكاكين الى مشهد المأساة بل وتطغى عليه بكل وحشية ورعب ليهرب المرء من اولئك الجهلاء فيفر الى ذاته التي تواجهه بتأنيب اضافي قائلة :
هو شيء من الغباء
أن تعانق الوحدة
في خضم الرفقاء
أن تبحث بنهم عن صدر
تبث فيه كل المواجع بسخاء
تأمن اليه في رحى انتحار
ألباء والحاء
تتمرد الذات على نفسها حينما تعجز عن الاندماج أو تقبل الآخرين ومع سعيها الحيث للأنغراز بين باقات ملونة من الرفقاء لكنها تشعر أنها جسمآ غريبآ وكيانآ غريبآ نتيجة اختلاف الطبائع فيدور المرء حول نفسه ولايجد إلا نفسه لانه لايطيق التركيز إلا على ماهو مهيئ للتطلع اليه وحسب وذلك المنتفي وجوده في باقات الرفقاء المتعددة وعندما يكون المرء في هرم المعاناة فلامعنى ان يبثها الى آخرين لانهم لم يبلغوا مابلغ من جراح وأسى ولن يستطيعوا مشاركته مايشعر به مما يزيد وحدته ووحشته أن لايجد من يشاطره ذلك الشعور ويحمل عنه شيئا ويخفف عنه وقد تكون تلك الصدور ضائقة بحالها وليس بها شاغرآ يسع الآخرين لان القلوب تنفتح ابوابها على مصراعيها أوان الحب بينما بتلك المعاناة ينزوي الحب بعيدآ عن القلوب وينأى حبيسآ في سجون المحرمات والممنوعات ويتجلى ذلك بتعبير الاديبة عن الحب بصيغة (الباء والحاء) وكان بأمكانها تقديم الحاء على الباء لكننا نفهم منها بأنها اشارة لذلك الحب المتشظي ذلك الحب المنفصل والمنقسم والمنتحر كما بتعبيرها ولان صورة الحب مشوهة في رحم المعاناة ولان المفاهيم الانسانية مقلوبة في تلك البيئة لذا فألحب يكون شكله باء ثم حاء (زواج ثم حب) (شبع ثم طلب ) (موت ثم حياة) هكذا المفاهيم مقلوبة الشكل في تلك المعاناة وعلى هكذا تثقفوا فينصدم المرء بتلك الطبائع النشاز ويلوم نفسه أنه جزء من ذلك المشهد الفوضوي ومن قمة العقل يرتأي حال و مناديآ نفسه بكل أسى :
هو ياسيدي كل الغباء
أن تنتظر في زمن أللقطاء
لحظة سعادة أو حلم بهناء
على وسادة فرغت
من كل شيئ
إلا من فتات أوهام
بحلم لقاء
أو بطاقة أنتماء.
شروحات متواردة من قمة المعاناة عندما يكتشف المرء أنه محاط بمن هم لقطاء أنسانيآ وثقافيآ وليس لهم ادنى ارتباط بألحضارة الانسانية التي منشأها وأصلها الثقافة الصحيحة والافكار السوية فيكونوا مثلما هم موصوفين بأللقطاء حضاريآ وليس لهم اي انتساب حضاري او انساني فمن المؤكد أستحالة الحصول على لحظة سعادة بين اولئك اللامتحضرين واللاأنسانيين بل حتى الحلم بألهناء معهم مستبعد لان العقل اللاواعي والذي يصنع الحلم فهو يدركههم على حقيقتهم كما هو العقل الظاهر ولايؤمن بألسعادة معهم في اشارة لقناعة تامة ظاهريآ وباطنيآ بأنه لاسعادة ولا هناء بين اولئك الاوغاد وماتلك الوسادة الفارغة سوى التي تحمل رؤوس أولئك الموهومين على فراش الجهل وسرير الحمق فلا شيء يتكئ عليها سوى الوهم الموصوف بألفتات لكون رؤوس السابقين كانت تمتلئ به ولكثر الرؤوس التي مر من خلالها لذا فهو اليوم عبارة عن فتات من تلك الاوهام الحقيرة والتي حتى بعد تهشمها لازال فتاتها يعكر صفو الحياة عبر رؤوس اولئك الموهومين الجناة الذين يقتلون الحلم قبل ان يولد بمعاول الجهل ولم يبق من الاحلام سوى حلم اللقاء بألحل حلم اللقاء بما يؤدي لانتصار الحضارة ونيل شرف بطاقة الانتماء لحال افضل وعالم افضل وأجمل. كانت المفردات بسيطة لاتعقيد فيها وكان سياق القصيدة وبناؤها مرتبا ببناء واقعي قريب الفكرة ومع عتامة الصورة لكنها كانت تحمل هدفآ تعريفيآ يكشف المعاناة ويدينها ويرفضها ويتمرد عليها بكل جرأة وقوة رغمآ من قساوة المناخ الاجتماعي التي صورت الاديبة لنا بعض الصور الشعرية من معاناتها فيه. نشهد لها ابداعها وجرأتها وشجاعتها في الطرح وحسن اختيار الموضوع بهذا النص.























