معاصرون في الوقت الضائع
لماذا لايقرأ المعاصرون للمعاصرين؟ سؤال يطرح على لافتة كبيرة ، اشتركتْ في رفعها الاحتجاجي كثير من الإصدارات والمطبوعات والكتب الحديثة ، وبعضها شدد من لغة احتجاجه إلى حد الندم لصدوره فيما اسماه (الوقت الضائع) ، وقت تقدم الماديات وتأخر المعنويات ، وقت اختلاط أوراق الكتب النافعة بغير النافعة ، وقت تعميم النظرة السلبية ليقع تحت لائحة طائلتها كل مطبوع جديد ، يريد أن يرى النور ، وهذا جزء من مشكلة أننا اعتدنا تقديس (الماضين) ، والتشكيك (بالمعاصرين) ، أو من هم أكفاء ولكن التغييب والنظرة الفاحصة غير الموضوعية يصران أن يضعاهم على عتبة بداية الطريق، وهناك طابور كبير من هذه المطبوعات اتجه بمظاهرة لافتة للنظر إلى المقر البرزخي (للعلامة الجاحظ )، وآخر اتجه إلى المقر البرزخي (لإبن رشيق) القيرواني ، وآخر اتجه إلى المقر البرزخي (للمبرد) ، وآخر اتجه بعزاء لاطم إلى المقر البرزخي ( للكاتب اللامع ابن العميد) حيث جرى في ساحة المقر عويل صاخب ارتفع صوته إلى عنان السماء حتى كاد أن يزعج بصخبه من دفن إلى جوار ابن العميد من الموتى الذين لاعلاقة لهم بالشعر والكتابة، ولقد الم بي ألم كبير لتفشي هذه الظاهرة الخطيرة التي لو كتب لها الاستمرار والحياة ، لما بقي لدينا ضياء بصيرة نفرق به بين الخيط الأبيض والأسود ، ولساد الجهل في كل أروقة الكتابة، حتى لات حين مناص، إن هذه المشكلة تقوم على عناصر ديمومة : منها عدم المعرفة وعدم الاحتضان ، وعدم القراءة ، فعدم المعرفة يؤدي إلى عدم الاحتضان ، وعدم الاحتضان يؤدي إلى عدم القراءة ، وعدم القراءة يؤدي إلى عدم المطبوع ، وعدم المطبوع ، يؤدي إلى عدم الأمل لدى المؤلف ، وعدم الأمل لدى المؤلف يؤدي إلى عدم المؤلف، وعدم المؤلف يؤدي الى عدم الثراء في المشهد الثقافي للدولة التي تسودها هكذا مشكلة عويصة ، وربما تطرقتُ إلى أفكار وشذرات لهكذا موضوع ، ولكن بعمود فقري لموضوع آخر على تماس بهذا ولكن فكرته مضت لتلبية مضمونه الأهم ، فما أصبتُ مااردتُ إصابته هذه اللحظة ، ولكني اليوم اطل على المشكلة من ( عدم القراءة ) فأقول: القراءة المنجذبة بطبيعتها تحتاج إلى كتابة منجذبة ، والعكس صحيح أيضا ، واقصد هنا قراءة الموهبة ، وكتابة الموهبة، ولكننا أحيانا نجد أن هذا المعيار لايطبق بهذه الكيفية ، وإنما نجد أنفسنا في حراجة عدم المعرفة ، بحيث أن عدم معرفة القارئ لنموذج الكاتب الإبداعي ومدى تأثيره الوجداني في الآخرين ، ولوجود أبواق كثيرة تسلط الأضواء الكثيفة باتجاه واحد ، فنجده يعزف عن قراءة الموضوع(الكتاب) الجديد ظنا منه أنه فارغ من الفائدة كسابقه من عشرات ومئات المطبوعات التي لاتضم في طياتها سوى ألفاظ وحروف وسطور وطلاسم وحشو يدور في دائرة مفرغة ، تخلط عليك الحابل بالنابل ، فمالي أتحدث هكذا أتراني ناقضتُ نفسي ووقفتُ مع فكرة عدم قراءة المطبوع ، رويدك لاتتسرع سآتيك بما تتطلع لمعرفة سره وبوحه، فأقول : علينا أولا أن نفعل القراءة الاستكشافية الفاحصة فلا نجعل مطبوعا يفلت من إحاطة هذا المعيار كي لانقع في مطب الحكم الظالم ، فهذه القراءة وإن كانت سريعة فهي أفضل من عدمها لأنها ستحل لدينا مشكلة الموضوع من جذورها ، وستجعلنا في كفة إنصاف المعاصرين ، بحيث نستطيع أن نشخص من منهم يستحق تسمية مااسميه ( كاتب القراءة)0 المشكلة تبرز بشكل مستفحل عندما يعاصر الجيل الكتابي ، الجيل القرائي ، في موجة من التضليل والشبهات التي تُعجز العقول عن الإدراك السليم ، وتجعلها رهينة التشتت والاستنفار اللامجدي.
القراءة المعاصرة هي سلاح حضاري وثقافي نحتاجه كي لانجني عل كتابنا ، ولا نسمح لهم أن يجنوا علينا ، فهي طريق سليم ، من خلاله تتضح الحقائق وتبرز المسلمات ، المعاصر لايقرأ للمعاصر ، والمعاصر يكتب للمعاصر ماذا ترى في هذه المعادلة ؟ ألا ترى فيها خللا فاضحا ، وظلما كبيرا ، يصادر الحقائق ويطمس معالمها ويمنح العصر الثقافي هوية مزيفة ، لو اكتشفتها الأجيال اللاحقة لحاسبتنا اشد الحساب ، ولحاسبت من سكت عن تقدم الجهلة في ركب المسيرة المختلة وتأخر العلماء الأكفاء الأجلاء ، بل هي ستسجل علينا أعظم تقصير ترتكبه الجهالة بحق العدالة والإنصاف!.. لابد أن يكون لنا أجيال من القراءة الواعدة ، هذا يقرأ للتشخيص ، وذلك يقرأ للتحليل ، وغيره للتعليل ، وآخر لإصدار الحكم ، وآخر للهواية ، وآخر للمحايدة ، وآخر لكشف الغطاء عن الخفاء ، عدم القراءة المعاصرة ستكون مدعاة لما اسميه ( الغسيل الإبداعي)، مستعيرا معنى غسيل الأموال الاقتصادي ، حيث سيتم هنا تهريب القراءة من بوابة عدم القراءة، فيصبح الكتاب ذو الألف قارئ كالكتاب الذي لم تلده أمه بعد ، وهناك ماهو اخطر من هذا ، من يقرأ بأفكار بالية ، أفكار إبداع عصرية مثمرة ، فيهشمها تهشيما ، ويرميها في مهب الريح ، كمن يهشم القلادة الذهبية بمعول بال ، فلا فائدة من المعول ، ولا فائدة من التهشيم ، ولا فائدة من القلائد!
هذا على مستوى (الكتب) أما على مستوى (الصحف) فإنكَ لتعجبُ ممن يتصفح الجريدة ، باحثا عن الأسماء والقشور ، متناسيا أن الأسماء التي يبحث عنها ماكانت لتكون ، لولا توقد النصوص التي صنعتها ومنحتها شذرة اللمعان الذهبي ، هذا إذا كانت لامعة حقا وفق معيار النجومية ، وإلا فهي لامعة في نظر القاصر المحول فقط ، وهذا عوق قرائي آخر يضيف للمشكلة عقدة أخرى ، إننا نبحث عن أسماء وعناوين جذابة ، فلا بد للكاتب أو المبدع من أن يخدعنا بذكائه ، وبلعبته الكتابية ، فيجرنا إلى مضمونه من خلال لمعان اسمه وعنوان موضوعه المختار بأناقة متفردة ، وهو هنا محل اختبار، فإذا أوصلنا الى لمعان مضمونه ، كان حقا هو الكاتب اللامع ، وإذا اقتصر ذلك على اسمه وعنوان موضوعه ، اكتشفنا انه خدعة ، فلا بد لنا إذن من قراءة المضمون ، وهذا هو التفسير النقدي والمعرفي للقراءة بمنظور( ر- ش- مصدرا ومرجعا وباحثا)
وهناك من يقرأ والعقدة لاتفارقه لحظة واحدة فتراه يتصيد الشذرات بمعنى الأخطاء ، فيلف بها ويدور ، دون أن تفهم منه شيئا يغنيك عن غيره، وأحب أن الفت النظر إلى فكرة فلسفية مفادها : أن من لايقرأ القراءة المعاصرة تفوته الفرصة المعاصرة ، بمعنى انه غيب كتابا ما عن الظهور ، وفي نفس الوقت يكون قد غيب نفسه عن الإطلالة على كتاب عصري ، فهو هنا غائبٌ مُغيَّب مُغيِّب، والخسارة قد تبدو أكثر من ذلك لو تمعنّا جليا في حيثيات ذلك!
رحيم الشاهر – كربلاء
AZPPPL























