مصطفى نصر الكاتب السكندريّ في حوار أدبي – ثقافي
القصة القصيرة فن صعب
حاورهُ – عِذاب الركابي
كاتبٌ لهُ حضورهُ في الثقافة والإبداعِ المصري والعربيّ ، أعمالهُ الروائيّة والقصّصية ، ومشاغباته المُثيرة في تساؤلاتها الضروريّة في الصحافةِ الثقافية تقولُ ذلك..خجلهُ الطبيعيّ يجعلهُ بطيء..مُتمهّل في علاقاتهِ سواء مع الكتّاب أو مع غيرهم ..، صحبتهُ ، وفضاؤهُ المخمليّ الذي يفضّلُ الاصطياف فيه هوَ الكتاب .. ولحظة انعتاقهِ ، وحريّتهُ القصوى هي الكتابة .. أعمالهُ الإبداعية تتحدّثُ عنهُ ، واسمهُ سبقهُ إلى المحافل الثقافية والأدبية يّذكرُ في كلّ مجلسٍ يُجهّزُ طبخة ً ثقافية ، وحينَ يدورُ الحديث عن أحياء ومعالم ورموز مدينة الإسكندرية الفنيّة والأدبيّة ، فأنّ اسمهُ يتصدّرُ قائمة طويلة من المبدعين ، وتلك هيّ أعراضُ حُبِّه الصحية لمدينتهِ.. للإسكندرية معشوقة (كفافيس) (وداريل) و(أونغاريتي) أيضا،ً وهذا ماجعلهُ مُغرماً مُتيّماً بأدقّ تفاصيل حياتها من إنسانها إلى شجرها وأحيائها وعمرانها و( أنني أودّ أنْ أكتبَ عن كلّ شيءٍ فيها) !!
كاتبٌ يرى ويسمعُ الكلماتِ قبلَ أنْ يصوغها حروفاً مثيرة .. وكلماتٍ مضيئة ومُستفِزّة .. حُبُّهُ لفنّ السينما أضفى على ملكة التخييل لديه الكثير .. وجاء إلى فضاء الكتابة – المغامرة الشاقة من بوّابة السينما ، إذ لها علاقة وثيقة بأسلوبه التكنيكي في السرد ، .. أبطالهُ يعيشونَ معهُ في كلّ حيّ وبيتٍ وشارعٍ وزقاقٍ من الإسكندرية ، وكأنّهم لا يفضونَ بأسرارهم ومعلقاتِ عذاباتهم إلاّ لهُ ، وهوَ – طائعاً- يجرّ عربات همومهم إلى محطتهِ الأخيرة الكتابة ( قصّة قصيرة ورواية)، وحدها التي تختصرُ هموم هؤلاء الناس الذينَ ينتمي إليهم .. الكتابة لديه فتنة ، ولحظة اختصار العالم ، وهوَ يفضّلها سرداً شفّافاً هادفاً ، ( أفضّلُ الرواية عن أيّ شيءٍ آخرَ).. فعلٌ كونيّ مُقدّس ، وحينَ تصبحُ الكتابة فرضاً كالصّلاة ، ومحرابها آمناً عطراً ، ينافس في عمرانهِ الإبداعي أفخم المدن والكاتدرائيات على مرّ الأزمان والحقب ، فأنَّ الكاتبَ والمبدع لا يطمحُ من ذلكَ إلاّ إلى( عشب الخلود) التي أقلقت جدّنا العظيم (جلجامش) صاحب أول قصيدة حُبّ في التاريخ .. وكاتبنا الكبير مصطفى نصر في هذا الحديث المقتضب الدافيء ، لديه ما يقولُ ، ليتواصلَ مع قارئهِ بكلّ شفّافيةٍ .. وخجلٍ .. وحميميّة!!
. صدرَ لهُ أكثر ماثنتي عشرة رواية ، وخمس مجموعات قصّصية ، بالإضافة إلى أدب الطفل – أربع قصص قصيرة صدرت في القاهرة والكويت.
.حصل على عدة جوائز أدبية عن إبداعهِ الروائي والقصّصي.
. ترجمت بعض أعماله إلى لغات أجنبية ، منها الروسية والرفرنسية.
. وجدتُ صلة بين (جوستين) والشخصية الإسرائيلية .
{ قصّص قصيرة، روايات، أدب طفل، يوميات صحافية ثقافية، حضور إبداعي صاخب .. فسيفساء إبداعية باهرة الضوء، عميقة المعاني .. أيّ مغامرةٍ هذه؟ أين أنت أيها السندباد من كلّ هذا ؟ أعني مَنْ الأقرب إليك ؟ ومَن يجيب عن أسئلتك أكثر؟
– منذ صغري وأنا أفضل الرواية، وأفضل قراءة الرواية عن أي شيء آخر. وواضح من إنتاجي الأدبي، أن عدد رواياتي يفوق بكثير مجموعاتي القصصية. وقد لجأت لكاتبة للأطفال متأخرا. فقد كنت أخشى الإقتراب من هذه المنطقة لحساسيتها، فالتعامل مع الأطفال مسئولية. أما عن لجوئي لكتابة المقالات في الفترة الأخيرة، فقد كنت رافضا لكتابة المقالة. ولم ألجأ إليها إلا مستفزا. فعندما قرأت جوستين الجزء الأول من رباعية الإسكندرية – ولم يكن فخري لبيب قد ترجم باقي الأجزاء. استفزتني الرواية، ووجدت صلة بين جوستين والشخصية الإسرائيلية. فكتبت مقالة عن ذلك. واشتركت بها في مسابقة للمجلس الأعلى للثقافة وفوجئت بأنني فزت. ورغم ذلك صمت طويلا عن كتابة المقالة. لكن أشياء كثيرة شدتني لكي أكتبها. فكتبت مقالاتي الأخيرة .
القصّة القصيرة عنيدة
{ قلْ لي ما الذي يربط القصة القصيرة بالرواية؟ هل القصّة القصيرة مشروع رواية طويلة ؟ لماذا يرى البعض من روائيينا العرب والعالميين أنّ القصّة القصيرة هي الأصعب؟ ماذا تقول؟ ما وجه الصعوبة؟ أليسَ الرواية عملٌ كونيّ شاق.. ولحظة اختصار العالم؟ حدّثني!!
– رغم حبي الأكثر للرواية؛ إلا أنني أقدر القصة القصيرة، فهي فن صعب، ودليل صعوبتها إنها لم تصنع اسما إلا لعدد قليل من كتابها على مستوى العالم. فرواية واحدة قد تجعل كاتبها نجما. وإنما القصة القصيرة لا.!! كما أن القصة القصيرة تكشف المدعين بسرعة. ممكن يتوارى مدعي خلف صفحات الرواية الكثيرة جدا. وأعرف الكثيرين منهم. لكن القصة القصيرة عنيدة ولا يمكن أن يضحك عليها أحد. الرواية تنمو رأسيا، بينما القصة القصيرة تنمو أفقيا.
الرواية قادرة على استيعاب فنون كثيرة
{ يهرولُ عديد الشعراء والكتّاب والصحفيين والفنّانين حتّى اللهاث نحو الرواية، كيْ يحظى بلقب(روائي) .. كيف ترى هذا العدد الكبير من الروائيين في مصر والوطن العربي؟ وانحياز دور النشر للرواية أكثر من أي إبداعٍ آخر؟ أهو نسمة صحية في فضاء ثقافتنا؟ البعض يرى أنّ هناك مَن(يثرثر) ويكتب على غلاف كتابه( رواية) ماذا تقول؟ أهي عدوى الجوائز؟ أم ماذا؟
– يقول البعض إن الرواية أصبحت ديوان العرب الجديد. وأنا مازلت أرى أن الشعر هو ديوان العرب وسيظل كذلك. فشعوبنا العربية تعشق الشعر، اسمع ( محمّد حسنين هيكل )مثلا، عندما يستشهد في أحاديثه السياسية بأبيات شعر للمتنبي وشوقي وغيرهما من شعراء العرب. أما عن محاولة بعض الشعراء كتابة الرواية، فرأيي أن الأجناس الأدبية لم تعد كما كانت، فقد تداخلت كل الأجناس، فالرواية قادرة على استيعاب فنون كثيرة، كالشعر والموسيقى والسيناريو والفن التشكيلي. “الرواية تأمّل شاعري في الوجود” – ميلان كونديرا!
“الرواية صورة الحياة” – هنري جيمس !
“الرواية سرد نثري خرافي”- مورس شرودر!
“الرواية هي كتـاب الحياة” – د.ه. لورانس !
{ أيّ تعريف من هذهِ التعريفات الأقرب إلى رؤاك كروائي كبير ؟ وما تعريفك الخاص للرواية ؟
– في الحقيقة كل هذه التعريفات للرواية تعجبني، فالرواية قادرة على استيعاب كل هذه الأفكار. في (الهماميل) كتبت هامشين أسفل الصفحة معلقا على حدثين في الرواية. واعترض عليهما المرحوم جلال العشري. لكنني أرى أن الرواية قادرة على استيعاب أكثر من ذلك.
. عشقت السينما قبلَ الكتابة .
{ عديد أعمالك الروائية تحولت إلى دراما إذاعية وتلفزيونية.. إلى أي مدى استطاعت هذهِ الأعمال المحافظة على جوهرها؟ كيف تنظر إلى عملك مرئياً أو مسموعا شعورياً ؟ كيف تقيّم ما يكتب من( دراما) الآن ؟ هل يمتّ بصلة إلى المواطن الظاميء للحرية والحياة الحقيقية وإلى الوطن وهو يخطو خطواتٍ نحو صباحاتٍ جديدة ؟ ماذا تقترح لدراما هادفة؟
– عشقت السينما قبل أن أعشق الكتابة. لذا لا يخلو تكنيكيي للكتابة من فن السينما بكل أبعاده. أما عن تحويل أعمالي إلى أعمال درامية. فأنا لا يعنيني إلا أن أستفيد من التجربة لصالح فن الكتابة. ولا يعنيني إلا الفن الروائي، ولو أدى هذا إلى صعوبة تحويل أعمالي إلى دراما.
الجوائز لا تعبّرُ عن الحقيقة
{ حصدت عديد الجوائز على أعمالك الروائية والقصّصية.. كيف تنظرُ إلى الجائزة ؟ أهي مسؤولية أكبر ، وحافز للمزيد من الإبداع الجاد والمثير؟ أمْ أنّها قيد ( مخملي) يربكُ تأملات المبدع للأعمال القادمة؟ ماذا أضافت لك الجائزة كمبدعٍ كبير؟؟
– حصلت على الجائزة الأولى في مسابقة نادي القصة عام 1983. وسألني صحفي عن الجائزة، فقلت إن الجوائز عادة لا تعبر عن الحقيقة. فكل الجوائز بما فيها نوبل يحصل عليها – عادة – الأقل جودة. ولكي لا تسقط الجائزة وتنتهي يحاولون من وقت لآخر أن يمنحونها لمن يستحق.
{ يقولُ بعض النقاد ( الترجمة خيانة للأصل) .. هلْ أنت مع هذه المقولة؟ أليست وسيلة تواصل إنساني؟كيف كانت ترجمة أعمالك؟ وكيف تقيّم ما يُترجمُ من أعمالنا وأعمال عالمية تصلنا ؟ هلْ خرجت الترجمة عن شروطها الإبداعية، ودخلت في نفق المجاملات والعلاقات والمصالح ؟ حدّثني !!
– تربينا على الأعمال المترجمة عن الروسية والفرنسية والإنجليزية والألمانية. لكن الأفضل أن تقرأ الأعمال بلغتها. فقد قرأنا في بعض السلاسل ملخصا ً لروايات. لقد ترجمت روايتي (الهماميل) للروسية. وترجم جزء منها للفرنسية في مجلة صدرت بالفرنسية عن مدينة الإسكندرية. وفي مشروع الترجمة الذي تبناه إتحاد الكتاب العرب، اختاروا روايتي جبل ناعسة للترجمة. ولا أدري ما الذي حدث لها.
الكتابة للطفلِ مسؤولية
{ الكاتب والروائي الكبير مصطفى نصر كتبت للطفل.. وصدرت لك أعمال مهمة. يلاحظ القاريء قلّة مَنْ يكتبون للطفل .. كيف تعلّل ذلك ؟ أهي شروط الكتابة الصعبة لهذا العمر؟ أم عدم اهتمام الناشرين أمْ قلّة الدوريات التي تخاطب عقلية الطفل؟ أمْ ماذا؟
– كتبت للطفل بعد أن أصبحت جدا. والكتابة للطفل مسؤولية. ولجأت فترة لكتابة سيناريوهات أطفال، وذلك من أجل الحصول على المال. فقد كنت أنشرها في مجلات عربية تدفع بسخاء. وفي الحقيقة قلة الذين يكتبون للطفل كما ينبغي أن تكون الكتابة.
أقدّمُ مالاتي الصحفية بشكلٍ قصّصي
{ والكاتب مصطفى نصر يمتهن الكتابة الصحفية – الثقافية – الفنية ببراعة .. يرى البعض خطر الصحافة على المبدع، ويراها آخر إثراء لملكات ومخزون المبدع وخاصة الروائي.. إلى أي الفريقين تنتمي؟ ما رأيك بصــــــــحافتنا الثقافية ؟ يراها البعض صحافة علاقات ومجاملات ومنــــــافع متبادلة ؟ إلى أي مدى هذا القول صحيح؟ وماذا تقترح لصحافة ثـــــــــــــقافية متميزة؟
– إنني أعشق الإسكندرية. وقلت كثيرا بأنني أود أن أكتب عن كل شيء فيها، فنانيها وسفاحيها، ومعالمها. وبالفعل كتبت عن أحيائها الشعبية التي أعرفها جيدا. وكتبت عن جميع السفاحين الذين ظهروا في الإسكندرية وهم كثر. كتبت عن بدرية السيد وعزت عوض الله، وأتمنى أن أكتب عن سيد حلال عليه والشيخ أمين، وغيرهما من فناني الإسكندرية الكبار. وأكتب الآن عن الإسكندرية قديما. أحاول أن أقدم مقالاتي في شكــــل قصصي، أحكي فيها حكايات.وأن أمزج المقالة بالقصــــــــة، وأرجــــو أن أصـــــل إلى درجــــة المزج بــــــــين الاثنين. روايتي القادمة عن حي بحري
{ (الكتابة حياة) و( الحياة كتابة) أيّ التعبيرين أقرب إليك ؟ قل لي ماذا تكتب هذهِ الأيام؟ اخبرنا عن ( الرواية) أو (القصّة القصيرة) القادمة، فالقارئ في شوقٍ لذلك!!
– تركيبتي النفسية تجد صعوبة في التأقلم مع عالم الكُتاب، فأنا خجول بشكل واضح. وغـــــــــــير اجتماعي. وأجد صعوبة شديدة في طلب شيء من أحد. وذلك يؤرقني وجعلني أحاول أن أبتعد عن عالم الكُتاب، لكنني أفشل في كل مرة. وأتعس أيام حـــياتي عندما أضطر ألا أكتب. أكتب الآن رواية عن حي بحري، عن شخصيات عاشت فيه، وهو حي عجيب وثري، يجمع بين الارستقراطية والشعبية، عاش فيها بشوات وأهل الفن والكرة وفتوات. أما عن القصة القصيرة فلا أستطيع كتابتها وقت كتابة الرواية. فعندما أكتب الرواية لا أفكر في شيء غيرها. وعندما أكتب القصة القصيرة، لا أصدق أنني كنت روائيا يوما.
























