مذكرات صاحب الزنج

مذكرات صاحب الزنج

 محفوظ داود سلمان

ويقال : ثورتنا زنابق من دمٍ سوداء ، كنا

قد رسمنا النخل صلباناً ، نموت على الجذوع وليس يحنو السعْف  او تهب الظلال …

ويقال : ان آلخبز غايتنا وكان الملح ينمو

في البطائح تزهر الاوراد مثل الثلج ،

تمتليء السلال …

وهناك في سيحان كان يبيع فيها الجاحظ

الحيوان والأسماك تلمع في يديهِ كفضةٍ

حيث البيان يقال والتبين أرخص مايكون

يباع في سوق الغلال …

من زنجبار أتيت أحمل لوني الدامي ، ملامح

جبهتي ، فيها ندوبٌ من صهيل الموج ، وسمٌ

من هزيم الريح ، نزف من رمال …

ورأيت كيف الزنج تكتسح السباخ تباع

أجساد العبيد ، تدق موسيقى من الاغلال

ألحانٌ تجيء من القيود

وسمعت في إفريقيا صوت الطبول وكانت الاشجار

تزحف ربما حملت ثماراً من نهود …

قد عشتُ في عصر الحريم وكنتُ مخصياً ، وكان

العري وحشياً يحاصرني ، وإني اعشق الاشياء َ

عن بعْدٍ ، تقول رفيقتي في البدء كان العري

هل تدري ، ولكن كان لي جسدي ودرعي من حديد …

كيف الحياة إذا خلت منا الظواهر : ليس من

زنجٍ هناك ، وليس ينمو الملح فيها ، لا يجيء

بها مسيحٌ أسودٌ يلقي خطاب الزنج ،

يصلب من جديد…

يوماً سأدخلها مقاصير الخليفةِ ، أخرق الاستار

لا الحراس تمنع وجهتي ، او يرهب الحجّاب أصحابي

وأشهرِ فاقعاً لوني ، وأفصح عن دمي ، وفصيلتي

ومعي خطاب الثورة السوداء يحتشد المماليك العبيد …

كان السويق او الدقيق غذاءَنا ، والتمر من حشفٍ

ولم تثمر سوى حجرٍ هنا الأشجار ، كان الجمر

يزهر في الغصون ، وكان الأوراق من ذهبٍ

تساقط في القصور …

 قد كنتُ أقتاد الجواري و القيان ـ ولستُ نخّاساً ـ

وكان الوشم في جسدي ، وأحلم ليس من حلمٍ ،

وليس لأي عبد آبقٍ أن يرسم الأحلام يوماً

او يثور …

لكن ثورتنا مغايرةٌ يقال فليس من لغةٍ لنا

فشفاهنا تشكو الغلاظة ، ليس غير الجوع

فيها ، قيل أن الزنج موتى ليس ثمة من نذور …

ويقال ان الثورة الحمراء كانت لعنةً او أنها مغدورةً

ويقال تأكل نفسها ورجالها ، ويقال ان الزنج

كانوا يحرقون النخل في الارض الخراب و أنهم كانوا

كأجداثٍ تدور …

ويقال ان البصرة آحترقت وتبعث مثلما قد قيل :

بعد خرابها ، هل تبعث العنقاء من نار تؤرّث

من جناحيها وتجتمع الطيور …

***