مدخل إلى الضّوء للشاعرة وفاء عبد الرزاق

مدخل إلى الضّوء للشاعرة وفاء عبد الرزاق
كيمياء لغة باذخة
عِذاب الركابيّ
اللغة هي عملية كشفٍ إنسانيّ ؟ سارتر
إنّ الشاعرَ ينتقلُ عبرَ الذاتِ إلى ما وراءِ الذات ؟ بول دي مان
حينَ أقرأُ ديوان شعر، أو قصّة قصيرة، أو رواية، أوْ أيّ كتابي تدخّلَ سلمياً في وقتي، وجدّدَ في نهر تأمُّلاتي، واستوطنَ برؤاه خلايا الذاكرة، وتسرّبت مفرداتهُ وأخيلتهُ، لتشعل النيران في أصابعي، وتوقظُ الإيقاع في أوتار قريحتي، كنتُ أضعُ بيني وبينهُ مسافة، من دون أن أغلق بابَ الحُلمِ أمامَ صوره الهامسة، ومواكب أخيلته، إلاّ مع قصائد مدخل إلى الضوء للشاعرة الكبيرة وفاء عبد الرزاق، فقد ألغيت هذهِ المسافة تماما، وقرّبت رئتيّ من أنفاسها وأشواقها وهمسها الصّاخب، ووجدتني أرى ما هوَ أبعد من عطر هذهِ الكلمات، وأسيرَ إيعازِ أصابعي الجنونيّ
البعد العشقي للكتابة
وأتشكّلُ رغبةَ نورٍ
يُعيدُ حرارةَ الطينِ لخيطهِ الريان،
وللشفّافيةِ فوضاها المُطلقة؟ ص16
وتجدُ نفسَكَ أسيرَ لغةٍ؟ مستودع حلمٍ إنسانيّ، لهُ أنهارهُ الربيعية وماؤها الزلال، وهي تتفجّر بأمواج يقظةٍ، من الصعب التعايش معها إلا بإصغاءةٍ هي خلاصة تمرين لغوي بياني.. وإذا كان الشعرُ لايتألفُ إلاّ من تفاصيل جميلة كما يقولُ بول فاليري، فأنَّ الحلمَ هوَ الرحمُ الخصبُ لهذهِ التفاصيل، الّتي جسّدتها كلمات لاتصدرُ الصوت فقط، إنما تتكلم كما يعبّر الناقد؟ أروين أدمان، ولابدّ من قراءة قصائد وفاء عبد الرزاق، ونحنُ مستسلمين للحلم، وإيعازه المخملي، والعيش مع وابل لغةٍ موحيةٍ بنشوةٍ وسلام
ألها رغبةٌ مُطلقةٌ
أمْ لغو الريح،
أميلُ إلى الأسرار
أنا..؟
هو..؟
أمْ كلانا؟
ما لنا ولغو الضمائر،
نحنُ الأُفق الّذي يجرُّ سفائنَ لمْ تُدركْ؟ ص17.
2ــ اللغةُ هي عمليةُ كشفٍ إنسانيّ سارتر
وهي البعدُ العشقي للكتابة، وهذا التعبيرُ الإيحائيّ في مدخل إلى الضوء هوَ فعلُ اللغة الّتي وحّدت بينَ ذات الشاعرة الحالمة، وحولها إلى مخلوق جمالي، وبينَ القصيدة بعلاقة إنسانية كونية شفافة، لا تشبهُ إلاّ علاقة الرسام باللوحة التشكيلية، وعلاقة العازف بآلتهِ الموسيقية ، ولكلّ منهم أوركستراه وهي صدى الوقت وظلال الروح، ورسولهم المتوّج بآيات الإصغاء والتأمُّل هي اللغة، التي لمْ تعُدْ وعاء الفكر، كما تنصّ القواميس القديمة، بلْ الجسر الشفّاف الموصل إلى مملكةِ الأحلام، ولهذا تخلدُ القصائد، وهي أطول عمراً من وميض الأيديولوجيات وحجر الكاتدرائيات والكنائس
أصغيتُ إلى فراشاتٍ
على كتفِ غصنٍ
خمائلُ تحفُّ بوردها،
تردّدَ وردُ أثلجهُ العشقُ،
تردّدتْ فراشاتٌ بهيامها الصّامتِ
تردّدَ رحيق كينبوع ظمآن
تردّدتُ أنْ أسالَ
كيفَ يتكتّفُ المتردّدونَ إجلالاً لك ؟ ص 20.
3ــ يقول إليوت الشعرُ ليسَ تعبيراً عن المشاعر، بلْ تخلص منها ..هوَ ماكانت عليه الشاعرة؟ وفاء عبد الرزاق، وهي تتكيءُ على كيمياء لغة؟ اللغة، وحدها البحّارُ الماهرُ في خضمّ أمواجِ بحرها البياني.. وقدْ فضحتْ أبجدية القصيدة كلّ مسعى للشاعرة، وجاءت اللغة الشعرية بعد الكلام، وهي تتوحدُ مع الآخر؟ العاشق، وتتماهى مع مايجمعُ شتات الرّوح، تمدُّ إليهِ خيطاً لؤلؤياً، مموسقاً بالشوق الصّادق، وممغنطا ًبالأنين الجارح، ولاتجدُ إلاّ الحلمَ ملاذاً.. ووضوءاً لصلاة العشق التي صارت قضاءً، وباتجاه قِبلةٍ في اللامكان
أغرقُ بأبجديةٍ تستضيءُ بلعنةِ حروفها
تأتي أنفاسُكَ قافلةً
أقرأُ ركبها وأُباركُ دائي،
أُفصّلُ جسمي على قامتِكْ
أهتدي بطيفٍ يغزلني
وأوسلُ رجاءَ الناي
خفيفياً يتكسرُ صوتي بينّ ثقوبه
أتوقدُ على صدر الليلِ
أُعتّقُ البياضَ،
وأتوضأُ في كأسِكء ص27.
4ــ غايةُ الشعرِ هوَ الجمالُ تيوفيل غوتييه
وغايةُ التعبير هو الإيحاءُ، وغايةُ اللغةِ انْ تصنعَ شيئاً مُدهشاً، يتسمُ بالجمال بوصفهِ دهشة متجدّدة ؟ بتعبير كونديرا، ومَنْ غير الشعر يٌقيمُ مسلّةً للجمال ؟ ومَنْ غير الشاعر يُعيدُ سلالةَ الحالمين. والشاعرة وفاء عبد الرزاق وهي تتكيءُ على أبجديةٍ من ذهب الوقت، ومخيلة شجرةٍ تُثمرُ لا تريدُ أنْ تقولَ شيئاً، وهي تزرعُ إسمنتاً في الكلمات، بلْ لتفعلَ شيئاً، لايُقرأُ إلاّ في دموع القصيدة ، وصهيل الإيحاء، ولا يتراءى إلاّ حُلماً شفّافاً وطيفاً ربيعياً جميلاً
فما لي اليومَ استعيركَ منّي
أُسوسِنُ طفولتي.. أتبرعمُ
ولوْ لحظةَ حُلم؟
لي في السؤالِ رحمي
وللسؤالِ نطفتك،
فكيفَ لي أنْ أنجبكْ ؟ ص34.
5ــ يُدهشني قول بورخيس إنّ الكلماتِ في الأصل سحرية .. وكأنَّ مدخل إلى الضّوء انسابَ رقراقاً على أصابع وفاء عبدالرزاق وجاء برهانا ًثابتاً على صدق قول هذا العبقريّ، وهي تعودُ بها إلى سحرها ومنبعها المقدّس.. إلى فقه اللغة وكيمياء الكلام.. إلى سحر الصوفيين وهمُ يؤدون الصلاة في محراب لغةٍ تكرهُ السكون والجمود والمألوف والمكرور، وترفضُ التحنيط والاعتقال في مراكز بوليس اللغة، منتصرةً إلى التفجير، وهم يؤنسنون اللغةhumanesim ، لتصبحً كائناً يُميزُ أفعاله السحرية العشق للتجدّد والتثوير، أليسَ الصوفيون همُ أول مَنْ كتبَ قصيدة النثر قبل التسمية ، كما يؤكد الشاعر الكبير؟ أدونيس لتظهر قصيدة النثر إلى الوجود شعراً كونياً، وليسَ إكسسواراً ، حين يستسهلها البعض، ويرغب في زيارتها في محرابها المهيب، في غير موعدها الكرنفالي. وفاء عبد الرزاق تؤدّي التحية الصباحية طازجة لقصيدة بهمس وعسل قريحة الصوفيين، وهمُ يرسمون الوقت بياناً، والعلاقات الدافئة والعشق بلاغةً لاتعرفُ الخواء، خيال بعد الخيال، وكلمات بعد الكلمات
وتمازجَ نصفي في كُلِّه
كأنّي استأنسُ أزلَ الزمان
أُسمّي الراكدَ جارياً
البثَّ أنساً
والغصةَ زلالاً
الخضوعَ حركةً
العريَ ستراً
والانتقال ثباتْ،
ما لايُسمع أسمعُ
أصمتُ نطقاً
أرى الخفاءَ ظهوراً
أُصدّقُ أكذبَ ما أرى ص36.

لي ساعاتٌ أنتَ يقينها
أدركني من ثوانٍ لستَ فيها،
أعرفُ أنّكَ كلّها،
إلا إني حينَ لا أراكَ أهابها

خوفي من رجائكَ وخمره
فتعالَ لا جرمَ لنا سوى أنّنا
مازلنا اثنين يفصلنا الزجاجُ
وبولائه للنفيّ يشطرنا

أعذرُ غيرَ مجرّب
لا يدري أنّنا نصفانِ لواحدٍ
بحرارةِ روحكَ أحيا،
وبحرارةِ روحي تتنفسُ ص42.
6ــ وتصبحُ اللغةُ من الروحِ إلى الروحِ يقيناً، حينَ يبداُ الإغواءُ أوركستراه،
فلعبة الإغواء تضيفُ دائماً قليلاً من النُكهةِ إلى الحياة ؟ باولو كويلهو؟ الظاهر ص 23.. وحين تصبحُ له استراتيجية، يضعُ أبجديتها الهوى الرومانتيكي بتعبير كونديرا.. لحظتها يتكلمُ الجسدُ بلغة الشهوة أعلى درجات الخضوع للجسد ؟ كما يقول سارتر، فيولدُ الصّمتُ كلماتٍ، تتمرغُ بمشاعر وأحاسيس لا حصر لها، عندها لاتخفي القصيدة خجلها الياقوتيّ، وهي تتزينُ بأزياء أخيلة باذخة مثيرة، تمتدُّ إلى ما بعدَ المدى
ماذا ستلبسُ الليلةَ ؟
رقصَ روحي أمْ قناديلي
أمْ دهشةَ الستارةِ الّتي تعرّت لأجلنا ؟
ما أحوجني لبحركَ،
لما سيكسبهُ الصّمتُ من عيوني
ومنكَ حينَ أشربكْ؟ ص45.

أنا هنَّ وقتَ يميلُ رأسي
إلى ضوئكَ
اكتبني انتعاشاً وانتشاءً
هيّا أقرأ سطر قلبي، وتهجّى رضابي
هيّا ارسمْ رعشتين على خدّكَ
لا تضطربْ
ناري مجسّكَ خذها واحترقْ؟ ص46

بكيتُ لأمطرك،
ألمْ يجئكَ عطري
ألبسني إذنْ وتراقصْ بي،
لنعلّمْ الحبَّ طباعنا
أنا فوقَ جسدِكَ
طفتُ بهِ وارتديتهُ؟ ص 48.
7ــ وأنَّ هذا الشعرَ يتألفُ من كلماتٍ، وهذهِ الكلمات لا تُصدرُ الصوتَ فقط، وإنما تتكلم ؟ أروين أدمان؟ الفنون والإنسان ص77.
في القصيدة؟ شذرة الروح العاشقة الهائمة، وهي لمّا تزلْ بعطر الوحي، وحرارة رحمها الكوني، ورماد الأصابع، تصبحُ للكلماتِ سلطة، تحكمُ كلَّ شيء وتحوي كلَّ شيء العطور والأصوات والألوان كما يعبّر الرائي الكبير آرتور رامبو، حينَ تنسابُ لغةُ القصيدة من الروح إلى الروح، وهي تُرتّبُ فوضى الجسد بآيات الإغواء، وتراتيل الهوى الرومانتيكي
جنون أصابعها
كلُّ ماقبلكَ باطلٌ
يشيخُ الأزليُّ بعدكَ
وأنا الجنينُ الّذي تعمّدَ العشقَ
وبالثالوث اختمرْ؟ ص51.
8ــ كُلُّ قراءةٍ مُنشأة.. عظيمة للكتاب هي إعادة كتابته، إلاّ مع مدخل إلى الضّوء ، فالناقدُ مهما هذّبَ في معدن أصابعه، ونغّمَ وعدّلَ في أوتار قريحته، فأنه يجدُ ما يكتبهُ عن قصائد؟ وفاء عبد الرزاق امتداداً لحالتها الشعرية، واصطيافا ً مشروعا ً في فضاء لغتها، فيصبح ما يكتبهُ ظلالاً لقصائدها، وامتداداً شفّافاًَ لأنهار رؤياها المتفجّرة.
أردتُ أن أُباركَ جنونَ أصابعها الضروريّ، فخانتني الكلماتُ كثيراً، وأسعفتني رؤى الكتب الّتي قرأت، ونُقِشتْ على قماش الذاكرة المهتريء، فالقراءةُ حفر في الكتب كما يقول صديقنا الروائي الكبير إبراهيم الكوني، ولم أجدْ لمقالي نهاية تليقُ بشاعريتها إلاّ قول؟ جويل بروود عن الشاعرة تريسي ك. سميث إنّها شاعرة ذات مدى وطموح غير عاديين.. ترسلنا قصائدها إلى قشعريرة الخيال الرائعة، ثمّ تُرجعنا إلى أنفسنا متغيرين وراضين معاً ..
وذلك ما كانت عليه الشاعرة؟ الروائية وفاء عبد الرزاق.. وهذا ما توحي بهِ قصائد مدخل إلى الضوء .. ورُبّما جلّ شعرِها في أعمالها السابقةِ واللاحقةِ أيضاً..
AZP09