محطات سردية واثقة في خطوات ثقيلة.. نصوص مستمدة من غرائبية الحياة

محطات  سردية واثقة في خطوات ثقيلة.. نصوص مستمدة من غرائبية الحياة

يوسف عبود جويعد

تعتبر المجموعة القصصية (خطوات ثقيلة) للقاص عادل المعموري وهي من إصدارات دار الجواهري للنشر والتوزيع بغداد – المتنبي لعام 2016، من النصوص السردية التي تنوعت في زوايا النظر، والثيمة، والفكرة، ابتداء من العتبة النصية، بنية العنونة، التي هي تختزل المضمون والشكل والمسار السردي وحركة الأحداث، فيكون العنوان النتيجة النهائية لمبنى النص السردي، ونكتشف ونحن نتابع تلك النصوص، إنّ القاص عادل المعموري يمتلك خزين فكري ثر، حيث يتضح ذلك من غزارة الأفكار المطروحة داخل متن كل نص، والاختلاف الواضح بين نص سردي وآخر، كما إنه حاضر الحياة في هذا البلد، وناقلها بنصوص سردية هي من صميم حياتنا، ونحسّها تخصنا جميعاً، وهو من خلال هذه المجموعة التي نحى فيها منحاً فكرياً وفلسفياً، إذ أنّه يقوم بصياغة النص السردي واستحضار الحدث من أجل أن يولج داخل عوالمه المتلقي ليصل إلى الرسالة الإنسانية والفكرية والثقافية التي تضمنها هذا النص، وهي أحداث سردية لا نرى فيها الوصف الزائد وتدخّل القاص فيها غير موجود، فليس هنالك أي تمهيد من أجل استدراك الثيمة، بل إنّ المتلقي يزجّ بشكل تتابعي داخل المبنى السردي ويسير معها نحو تصاعدها وتواترها واحتدامها وذروتها، كما إنّه يتميز بكونه يضع النهاية الصادمة أو المفاجأة في كلّ نص وأحياناً المدهشة وأحياناً تكون حالة من حالات الانبهار والدهشة، وهي ميزة تميّز بها في صياغة نصوصه السردية، وأعني بها فن صناعة القصة القصيرة، وقد اكتشفت ذلك من خلال متابعتي لكلّ النصوص التي كتبها، إذ إنني قمت قبل هذه المجموعة بتقديم دراسة نقدية لمجموعته الأولى ( العزف على وتر الفجيعة )، ويعتمد أيضاً على الحدث داخل بنية النص كأساس ضروري لانطلاق أدوات القص، مثل الشكل، المضمون، الزمان،المكان، الشخوص، والثيمة السردية، لأن الاعتماد على الأحداث السردية في صياغة النص السردي، يجعلها متماسكة، متناغمة، وتسير بسياقها الفني بالشكل الذي يدفع المتلقي إلى متابعتها بشغف ووله من أجل سبر أغوارها ومعرفة نهايتها. ضمت هذه المجموعة تسعة عشر نصاً قصصياً، تنوعت في أحداثها واختلفت بشكل ملفت للنظر، في قصة ( أنشودة الوجع ) نعيش مع امرأة وطفلها وأوجاعها وهي تنتظر زوجها المفقود، وفي قصة (إعدام رجل نائم ) نكون مع حادثة مداهمة واختطاف وقتل رجلاً، إلا أن تلك الأحداث التي تقطع الأنفاس كانت حلم لرجل نائم، وفي قصة ( الرقص خلف الأبواب ) نعيش مع امرأة وزوجها القذر الهمجي، وقد أجبرت على الزواج منه، أمّا قصة ( اللقاء الأخير ) فهي غريبة الأطوار كون بطل القصة يجد محبوبته بعد فراق طويل في مكان عام ، ويندفع للحديث معها وهو لا يعلم بأنها متزوجة، إلا أن زوجها يعود وهو ضخم مفتول العضلات ( الركلات التي تلقاها من الرجل الضخم كانت كافية لجعله يتوسد الرصيف المقابل للمطعم والدم ينزف منه ) ص 36، في قصة ( الورقة الأخيرة ) نزج وسط علاقة حب بين امرأة وابن الجيران، وفي قصة ( بقرة الزعيم ) نعيش منحاً سياسياً وأحداثاً سردية بالغة الأهمية، وشديدة المتعة، كون بقرة الزعيم الغالية في حالة ولادة، ويعجز الطبيب البيطري من مساعدتها، وهو يعرف أن بقاءه حياً هو في نجاح عملية ولادة تلك البقرة، إلا أنّ الحظ العاثر لهذا الطبيب يتسبب في وفاة البقرة، فيقوم الزعيم بنفسه بقيادة إحدى المركبات وسحقه حتى الموت، أمّا قصة ( بكاء عاشق خمسيني ) فإن أحداثها عن رجل خمسيني غير متزوج يمر بلحظات عاطفية إلا أنها خاطفة، وفي قصة ( حمى نهار قائض ) نكون مع واقع الحياة التي نعيشها في هذا البلد، إذ إن بطل القصة كان يروم شراء دواء لزوجته المريضة، ويتفاجئ بأنّه وسط مظاهرة عارمة، ويتعرض للضرب والإهانة، ثم يثور فيدخل وسط المظاهرة، أما قصة (خطوات ثقيلة ) التي حملت المجموعة اسمها فتأخذنا أحداثها السردية في مبنى سردياً رصيناً إلى حالة متابعة من شاب لرجل كبير، بأحداث تتابعية متصاعدة متواترة تشدنا إلى معرفة ما يبغي هذا الشاب من الرجل، بعدها نكتشف أن هذا الشاب لا يطارده وإنما يريد الاقتراب منه لأنه يشبه أباه، وتعتبر قصة (رجال من الصفيح ) بؤرة هذه النصوص السردية، وقد صيغت بتناغم وانسجام تام، وسياق فني متصل، أمّا الحدث السردي التي انطلقت من خلاله فيعد من أغرب الأحداث السردية، حيث أننا نعيش مع رجل قاس بقلب من حديد، يحفر حفرة تحت الأرض ويسقفها ويضع لها باب فوق الأرض ويدفن أخته فيها، وتظل تحت الأرض، وهو يقدم لها الطعام والشراب، وتمر السنين وتكبر تلك الفتاة وهي تحت الأرض، وبحملة مداهمة يكتشف مكانها ، وتخرج إلى النور، انه نص سردي يثير الاهتمام، ويزج المتلقي داخل هذا المبنى السردي الرصين بلغة انسجمت والسياق الفني للحدث، في قصة ( رغبات لم تعد مكبوتة ) نعيش مع أحد المعاقين وهو يتسوّل في مفترق طرق وحكايته المشوقة، وفي قصة ( عربة فارغة ) نعيش مع أحد الكسبة الذي يدفع عربة لنقل ما تتبضعه النسوة من خضار، والمقلب الذي حدث له أثناء عمله، وفي قصة ( فرار سيدة حرون ) يأخذنا الحدث السردي إلى حياتها بعد فقدان زوجها وطفلها الذي يتعلق بها، ومحاولتها الخلاص من هذه الحياة بالهرب، إلا أن ابنها يجعلها تتراجع عن قرارها، ونكون مع قصة ( فضاءات خوف ) وحالة من الخوف والرعب بسبب مطاردة سيارة لسيارة بطل القصة، إلا أنها في النهاية يتضح بأنها لأصدقائه وابن عمه، وأرادوا أن يرعبوه، أمّا قصة ( قداس أخير ) فهي قصة من قصص الحرب ، والمواجهة وبسالة الجندي العراقي، أمّا قصة ( لوحة بلون المطر ) هي خليط من الحلم والواقع، إذ إن بطل هذا النص في الحلم يرسم لوحة جميلة لحبيبته التي فارقته، وعندما يستيقظ يكتشف أنه كان في حلم جميل، وفي قصة ( ميرندا في بغداد ) نزج في عملية احتيال وسرقة سيارة غريبة الأطوار، وفي قصة (نافذة بلا لون )

نعيش حالة الحبّ والوله والعاطفة، أمّا قصة ( وجع أبيض ) يقدم لنا القاص مبنى سردياً ممتعاً، يعكس فيه الجانب الإنساني، حيث تعلّق بطل هذا النص بكتكوتين وبعد أن كبرا، اكتشف أنّهما ديك ودجاجة، ويختفي الديك، ثم يعود إليه، ويفرح ويبكي لمقدمه، كونه ترك أثراً وفراغاً في حياته، وهذه الرحلة المختزلة السريعة، والتي قصدت فيها ترك معرفة عمق الأحداث وثقلها للمتلقي، نكتشف التنوع والاختلاف في هذه النصوص السردية، وكثرة وغزارة الأحداث، وأفكارها، وثيمها، وخطابها الإنساني والثقافي، إنّ المجموعة القصصية ( خطوات ثقيلة) للقاص عادل المعموري، هي خطوات واثقة نحو عالم السرد الجميل.