مابعد خريف الساعدي.. قصص تعبّر عن هواجس جيل
كمال لطيف سالم
تعالج قصص هذه المجموعة مسائل تبدو واضحة وهي معاشة تدور في فلك حياة الناس همومهم هواجسهم تخوفاتهم من مصائر مجهولة.غير ان القاص عبدالكريم الساعدي وضع هذه الاشياء العيانية أمامه ليغور في مسارب هذه التجارب التي سحقت مئات الاحلام والامال وزرعت الحزن عميفاً في النفوس. القاص توغل الى وعي المتلقي بمداخل ذكية وأن بدت غامضة إحياناً وواضحة في بعض جوانبها. شتات اشياء تزدحم بسرد مطول مع الاحتفاظ بلغة انيقة ولكنها تبعد الذهن لهنيهة عن وقع القصة بحدثها المهم رغم معالجته القصيرة التي تمس السياسة والانتماء ودوامة الجنس وغرائزه ودوافعه وتأتي قصص اخرى ، تأتي سنوات الحرب وما خلفته من قروح بليغة قائمة لايمكن حذفها او نسيانها تتركز موضوعة الحرب والعقد والاندحار والحطة عصارات نفسية ممزوجة بمرارة واضحة. فزمن القصة كما يحدده القاص مابين عام 1984- 2014 وهي اعوام ملتهبة آكلة سنوات ثعلبية ذئبية وهي من اخطر المراحل التي مر بها العراق. اتون الحرب العراقية الايرانية وسقوط الطاغية وما اعقب تلك السنوات من تناحر وثارات وطائفية تؤججها تلك الجهة او من يحركها القصص تباينت في طرحها ومعالجاتها ولكن ثمة خيط وشيء من الالم يحيط عوالم ومناخات القصص فترى عبثية السلوك او الطريق الى الخلاص كتبرير للهروب من عدو ساحق هذا مانجده في قصة(( ليلة اليمة)) فرجل عقائدي ديني يهرب من بضجة رجال السلطة ليجد نفسه مضطراً للجوء والاختباء في ملهى ليلي، وهناك يجد نفسه يجلس على مائدة يحتسي الخمر ثم سرعان ماينغمر بلذة جسدية تبعثها فيه مومس ويغرق في متعة حسية ((لاعليك ارتد هذا القناع المكر لتخدعهم اتم اللعبة حتى الختام انه امام خيارين امام السقوط في قبضة السلطة او الهبوط الى دهاليز اللذة (( حاول الهرب من فخ الشهوة والاثارة التي بدت تدب في كيانه))
وبعد انقضاء ليلة ليلاء فوجئ برقم حساب الدفع الذي لايملك ثمن تسديده ويكون حسابه (( لم يدر في باله ان الذي طارده بالامس ينقذه اليوم يمحي كل التهم الموجه له. والقصة تنتهي بالتساؤل، أخيانتي اثبتها الرفيق ام براءتي))؟
القصة حدث واقعي لكنه يقع في سياق الطرح الغرائبي العبثي ولربما القدري غير المتوقع. وخز ووجع الحرب يدمي قصص المجموعة. حيث يمضي بنا الى السواتر والموت والصمت المرعب(( الارض قطعة من ملح عالقة بغفوة اطلال منسية مترعة بالوحشية والغياب(( رسائل الموتى)) كنت وامي تلوذ بدمنا المحترق شوقاً لرؤية وجه اخي الذي عصفت به الايام في دائرة المحنة وكان مساء الفاو غائماً ينقر قلوبنا بالرعب))
هي تلك ام تبحث عن ولدها في جبهات القتال… اي خزي هذا الذي صنعته الحرب واي دوامة تسقط في محالات النفس المحترقة التي تلوذ الى المستحيل… أم تدخل بين السواتر وازيز الرصاص ودوي المدافع تبحث عن ولدها.
– ما أسم أخيل؟
– علي
صاح على احد الجنود وملامحه يعتريها الانزعاج وعندما لايجد اسم اخيه بين الموتى(( وكان العناق مكتظاً باللوعة ومرايا الذكرى… لقد تأخرت كثيراً… نعم تأخرت كثيراً.
قصص المجموعة هاجس جيل بكامله. البعض ممن رسب ولم يكمل دراسته وعليه هنا ان يستعد لخدمة العلم كما في قصة كان الدرس صحوا، لقد تم طي قيدك راجع التجنيد اي تجنيد يغلق باب الروح وبدون اسماء الموتى فوق دفاتر الجامعة لتصبح دفتر خدمة بمرسوم شيطاني، وهكذا استبدلت أمنياته بقطعة قماش صحراوية وبيرية وبسطال حجم 43 وودع كل عوالمه رواياته بعيداً صوب غابات من الخراب من ذكريات قصص خجلى ضائعة مرتعبة مهزوزة.
وموقف عابر من لطخة على جدار او صفعة في فراغ. العيش على حلم مفترض اماني مصنوعة داخل نفس خاوية معذبة انها عوالم مضحكة مصبوغة بكوميديا بلهاء تجعلنا نستلقي ضحكاً وتصفق باحذيتنا ونحن نحدق بلهاء في شيء اقرب الى الصرع انه ينازل الذباب يتلاكم معها تغلبه في نومه وفي صحوه وعلى دون كيشوت الذباب ان ينتصر.
لا ادري لماذا يتكرر موتنا ولماذا يهدم الذباب احلامنا البائسة؟
استعد استرح
وهكذا تأتي المفارقة اللاطمة المزمجرة
– مابك؟
– ذبابة لعينة فوق انفي
– هشها.
الذبابة هنا كيان محيف ولكنها بنظر الضابط شيء ضئيل وحقير وكيف يتسنى لك مواجهة العدو وانت لا تحتمل موقفاً كهذا ؟ وهكذا تمرغ الجندي في الوحل وبدأ القصف ويموت الدب الكسول.
– لاتمت ايها الدب الكسول احك لي حلم الليلة الفائتة من سيقص لي الاحلام بعدك لا تخشى شيئاً. هيا ها انذا اسلمك احلامي.
– وقبل ان ينطفئ ضوء القاعة كانت اسراب الذباب تلعق دمه.
– قصص مجموعة ((، مابعد الخريف)) معدومون مذلولون مهانون يعانون الحطة وأزمة النفس هي نتاج حقبة عفنة دامية اكلت نفس البشر وتركتهم اشباحاً هائمين لايعرفون مصائرهم يشعرون انهم مذنبون ولا ذنب لهم يقادون للموت ولا يدركون سبباً لذلك يقاتلون ولا يعرفون عدوهم. يموت ولايعرفون لماذا هكذا سجل القاص عبد الكريم الساعدي مصائر ابطاله.
– قصص فيها مقومات مقنعة رغم السرد المطول وهو يمتلك دراية في صنعته فهو يضع خطوطاً حمرا بين سطوره ولكن قصصه لايمكن ان تنسى.























