
الكاتب علي الشمري: أبحث في بحر الكلمات
(كينو) شريط تسجيلي يفكك تشفيرات السينما العراقية – وسام قصي
يقول رائد الكتابة الكابوسية فرانس كافكا: “الكتابة هي موت بفرح”، يوفر ذلك الموت للذات البشرية الحد الاقصى من الخلاص، ولكي يقدم الانسان ذات جديدة في الكتابة تعبر عن رغبة في مقاومة الموت.
لا تمثل الكتابة مجرد عمل فني ولكنها تمنح علاقة سيادة مع الموت، وتمكن الكاتب من مقاومته وتزيد من سلطته على الوجود حتى لو كانت خيالية ، تحت ظل عالم فقد فيه الإنسان سيطرته على كل شيء واصيب بعجز شامل.
يبين كافكا معلقاً على مثل هذا الاختيار في مذكراته : “ثمة قوة جاذبية للعبارات، القوة التي لا يمكن للمرء أن يتملص منها. أظفر بالسكينة عبر الكتابة أكثر مما أظفر بالكتابة عبر السكينة”.
ينطلق الكاتب علي الشمري من منطقة محورية تفصله عن العالم ليست هي منطقنا نحن فبينه، وبين الأشياء تتدخل دائماُ نصف شفافية رطبة معطرة كثيراً كأنها ارتجاف هواء الربيع المنعش، وهذا الشعور المراقب والذي يشعر بأنه مراقب وهو يقوم بأعماله العادية، فالشمري برز في ظل هوس الكتابة الكوني في عصر استهلاكي يقوم على إشباع اللذة اللحظية المؤقتة، وبعد أصبحت الكتابة عبارة عن هوس يسعى الى حاجة ملحة للتفريغ الدائم متى شعر الإنسان بالامتلاء.
فيلم ( كينو) للشمري يعبر عن شعور دفين بالحزن، عن عجز ما / رغبة في تتحول حياتنا وآلامنا لجزء من موسيقى كونية حزينة تملأ السماء، للتعرف على المزيد من التفاصيل كان لنا هذا الحوار مع كاتب سيناريو فيلم ( كينو) ، مدير الدراسات والتخطيط الفني في مجموعة قنوات كربلاء الفضائية، الاديب والكاتب علي الشمري.
{ كيف تولدت لديك فكرة كتابه سيناريو فيلم كينو؟
الفيلم هو تعبير عن نتاج الواقع، فالأمر عبارة عن قضية متاحة أمام المختصين والمهتمين وعوام المجتمع و ليست بحاجة للتعمق بالفكر بقدر ما هي بحاجة للطرح، فلذلك فكرت ضمنياً أن أكون واقعياً واحصر الفترة مابين حياتي العلمية المدرسية وبين المهنية في الوظيفة، وان ابحث بين الفترتين عن السينما فما وجدتها، ولن اذكر فيها سوى التلفزيون دون السينما، وكان هذا الشعور من أهم الدوافع التي جعلتني اكتب متناولا السينما بواقعها، بعد ان طرق علي الباب عند الساعة العاشرة صباحا المصور حسام هادي الذي قام بإخراج الفيلم قائلا:” نريد أن نقدم فيلما نشارك به في مهرجان النهج السينمائي فاقترحت الفيلم التسجيلي، واخترت عنواناً مختلفاً لان الاهتمام باختيار العنوان المميز يعد من أهم المقومات التي تسعف سياق الفكرة لدى كاتب السيناريو حصراً!. ثم الانفتاح على تفاصيل الأحداث والنهايات.
غياب السينما
{ ما الذي أردت أن تسلط الضوء عليه من خلال السيناريو؟
أردت أن اعرض وأبين بطريقه تحقيقية، حالة التساؤل والسؤال عن غياب السينما، التي تعد أهم وسيلة محاكاة يعيشها الفرد تحت ضل الإنسانية واللإنسانية، ثم الاقتراح والحلول، فالسينما ليست وسيلة تعليم وإرشاد، وإنما هي دلالة ذات بعد صوري يحمل جوانبا نفسية وجمالية ورمزية، لتصل للمتلقي عبر إشارات مشفرة قادر على فكها و تفسيرها والتفاعل معها، فمنها حاولت أن يفتتح التحقيق بهذا الجانب المفقود عن طريق الفيلم التسجيلي برسم خطة السيناريو عن طريق التعريفات المتعددة للسينما ومن ثم تلقي الإجابات من بعض الشخصيات ذات المهن المتعددة، وكان هناك مقصداً بأن اختار المهن المنوعة لتعطي إجابات عن السينما، لان هذه المهن مثل (الطبيب، والمهندس، والمعلم، والنجار، والحداد، وغيرها من المهن) عندما تم سؤالهم عن وجود السينما في العراق، كانت اجاباتهم متفقة على إنها مفقودة و منسية تقريباً، هذا جانب، والجانب الأخر عمدت على إثارة سؤال يستكمل التحقيق وهو: ماذا لو كانت ثقافة المجتمع هي التي تمنع من إنشاء دور عرض؟.. لأننا في الحقيقة قبل ان نكون كتابا ولدينا نظرة اختصاصية في مجال كتابة السيناريو تعايشنا ونشأنا في اسرة ومجتمع لا يعرف السينما وتكاد تنقرض هذه التسمية من فمه، فهو حتى لا يشكي الحرمان منها، والسؤال فيها فمن الممكن أن يكون التدني في الثقافة عاملاً مهماً في عدم إنشاء دور العرض، لكن اثبت التحقيق بالفيلم عكس ذلك.
{ هل لديك تجارب أخرى ام انها الأولى؟
في السنة الأولى إلي في الجامعة في قسم الصحافة اكتشفت بأنني لا أحب كتابة الأخبار بجميع أنواعها وإنما أميل إلى كتابة المقال؛ لان في المقال الصحفي المساحة الكافية للتعبير عن ما اشعر به وما اريد ان أقوله، وهو ما يمثل وجهة نظري بالأحداث ومعالجتها بطرقٍ فنية متعددة كان الدكتور علي الشيباني احد المحاضرين في القسم وكنت اسأله كثيرا عن ( ما هو السيناريو؟) ( كيف يمكنني ان أترجم أفكاري إلى سيناريو؟) / ( ما هي مقومات الكاتب الناجح؟ ) / (دلني على الكتب المهمة حول هذا الاختصاص؟) / ( ما هي الخطة العملية للسيناريو على الورقة؟) ( توقف أستاذي لم لا تجبني!) كنت كثير الأسئلة بهذا الجانب لأنني من المتأثرين بالأفلام الأجنبية، وخصوصاً نوع الأفلام ذات الإثارة النفسية أو الرعب النفسي، كما كان احد زملائي في القسم، المخرج سعد العصامي الذي كان يعمل وقتها في قناة كربلاء الفضائية كان أيضا احد الذين هاجمتهم اسألني.. كينو ليس التجربة الأولى كتبت عددا من السيناريوهات الروائية والوثائقية منها فيلم روائي ( مناديل سود) / ( برمودا) / ( الغراب الأسود) / ( ارقام متسخة) ومن الأفلام الوثائقية منها: ( فنيسيا الشرق) / ( بابل) / ( الضحية)، والفترة التي قضيتها من الجامعة والى هذه اللحظة انا اتابع البحث بعلمية وفن كتابة السيناريو إلى هذا اليوم أصبحت لدي الجرأة بإخراج النصوص إلى النور لتلقى استحسان المهتمين والمخرجين.
{ هناك إشكالية يعيشها ويتحسسها كاتب السيناريو دائما، وهي أن مادته المكتوبة لا تترجم على الشاشة بنفس التفاصيل الدقيقة وبذات الأحاسيس التي خبرها السيناريست وتفاعل معها أثناء الكتابة، هل ينطبق هذا الأمر عليك؟
الكلمة هي الحاكمة، وهي التي تخون الكاتب دائما؛ لان الكلمات الممنهجة لكتابة السيناريو تكون موظفة على أساس الخلق الصوري لقارئها، والكاتب عندما يحلل الصورة الذهنية إلى كلمات مكتوبة على ورقة يصبح من المستحيل ترجمتها وإعادتها بذهنية المخرج كتلك الصورة التي كونت في رأس الكاتب، وهذا الاختلاف مشروع بين الكاتب والمخرج بحكم جودة الرؤية بينهما، والأمر يصبح طبيعياً في حال تواصل المخرج مع الكاتب؛ لمعرفة مقاصده وطرق معالجة الكاتب ليصلوا معاً لقرار موحد، لكن يمسي الأمر غير طبيعي في حال تجاهل المخرج مقاصد الكاتب، واكتفى بما توصل إليه خياله وما استوعبه إحساسه الذاتي بالنص، فذلك يؤثر على العمل الفني قبل أن يؤثر على شخص الكاتب من حيث افتقاد مكامن الأهمية التي وظفها في خطة السيناريو، أنا أؤمن بنظرية الإلهام الإلهي في فطرة الإنسان الفني بالفطرة من حيث إن الكاتب لا يحتاج أن يدرب ويتعلم ليكوّن له خيالا واحساساً فنياً خاصاً بل إن الإحساس والخيال يدرب ويغذى وينمى عاجلا أم آجلاً ، وان من يطلق عليه كاتبا للسيناريو هو ذاك المبعوث في الوسط فني ليبشر السينما والتلفزيون بجنة عرضها إحساسه وخياله، بعكس المخرجين الذين لا يقف الإحساس والخيال عائقاً في مسيرتهم فبإمكانهم أن يدرسون مناهج الإخراج بكل جوانبها النظرية والعملية لينتج مخرجين متفاوتين بالإمكانيات لكنهم متمكنون بنفس الوقت من صناعة عملا تلفزيونياً أو سينمائياً متفاوت الإمكانيات تجعل الكاتب راضياً أو رافضاً طريقة القراءة و المعالجة من قبل المخرج، اما انا فنعم!.. ينطبق علي سؤالك بسبب ما تم ذكره.
غابة مخيفة
{ هل كاتبة السيناريو تجربة مخيفة بالنسبة لك؟
في الواقع عندما تريد المغامرة في غابة ما ليلا أو نهاراً سترسم لك الغابة نفسها بكل ألوانها وأشكالها ومجوداتها، لكن إذا أردت أن تغامر خياليا في الغابة فلن ترسم لك الغابة شيئاً، عليك أنت رسمها ورسم مسيرك فيها وان توحي لنفسك المثيرات لتكون حقاً في غابة، المخيف هنا هو ليست الغابة التي ترسم لك نفسها، وإنما المخيف الحقيقي هو كيف سترسم أنت ملامح هذه الغابة خياليا، من يرسمها يجب ان يكون خائفاً حريصاً بين يديه أقلام وأدوات رسم معرفية بكتابة السيناريو وتعتبر مرحلة كتابة الأفكار المرحلة الثانية الأكثر خوفاً.
{ الإيجابيات التي لمستها في فيلم ?kino
فيلم kinoمن الأفلام التسجيلية المهمة التي شهد العرض الأول له في مهرجان النهج السينمائي الدولي بدورته الرابعة، وأثناء ما عرض الفيلم في صالة المهرجان استشعرَ الحاضرون بجانبين، الجانب الأول هو التماس روعة العرض ومتعة المشاهدة الجماعية بين جموع المتابعين في السينما، والجانب الآخر هو حالة الحرمان التي تعرضها مادة الفيلم والتي تخبرهم: ان العراق خالٍ من السينمات التي تعيشون روعتها هذه اللحظة!.. كانت هذه أول إيجابية التمستها أثناء عرض الفيلم لأول مرة في مهرجان النهج، وأتخيل ايجابيات الفيلم أينما يعرض سيفرض سؤاله أمام أصحاب الشأن، وهو انتم المعنيون وانتم المسئولون عن غياب دور العرض السينمائية بهذا البلد بعد اقتراح الحلول المناسبة أمام أصحاب الشأن وكذلك تنبيه المتابعين عن موقف البلاد من السينما.
{ ماهي الصعوبات التي واجهتك اثنا كتابه السيناريو؟
لم أواجه أثناء كتابة السيناريو أية مشاكل، وبالخصوص كان هـذا الفيلم احد العروض التقديمية للمهرجان، وحتى على صعيد إنتاج الفيلم فكانت جهة الإنتاج وهي مجموعة قنوات كربلاء الفضائية متعاونة لدرجة كبيرة من العطاء ليظهر بالصورة التي عليها الآن.
{ هل لديك آمال وطموحات في مجال الكتابة؟.
نعم و أتمنى من عينَي أن تسعفني لنهاية الطريق، لأتمكن من القــــــــراءة والمطالعة فيما أحب ولأتـمكن من مواصلة الكتابة وتحرير الأفكار، يقودني الطموح لان ابحث في بئر الكلمات عن أحدثها وأجملها وارشقها لتكون هذه الكلمات قادرة على رسم وتبيان الصورة الخيالية لتستعاد عند القراءة مرسومة بالخيال، أتمنى ان يشيع هوس القراءة بين المجتمع وان تنتشر المكتبات والمقاهي الأدبية في كربلاء وباقي محافظات العراق لكي نخلف جيلا ذو فــــــــكر متجدد وقلم مؤثر.























