كسرةٌ في ميزانِ السماء – رهام ماجد قنبر

رهام ماجد قنبر

في هذا العالم أشياء تُكسَر بصوتٍ مسموع، وأخرى تنكسر في صمتٍ لا يلتفت إليه أحد.
كسور النوع الثاني تبدأ بفكرةً صغيرة تُخطئ طريقها ثم تجد من يبرّرها فتتحوّل إلى عادة، والعادة إلى صمتٍ عامّ يُبرِّر ما كان يجب أن يُستنكر.
هو لا يبدأ باليد بل بالاعتقاد أن السيطرة قوة، وأن الصوت الأعلى أصدق، وأن القسوة شكلٌ من أشكال التربية.
ومع كل تكرار يتشوّه ميزانٌ أخلاقيّ بأكمله، ويغدو البيت الذي خُلِق ليكون ملاذاً مساحة خوفٍ خفيّ.
الكدمة قد تزول لكن الفكرة التي سمحت بها تبقى، فتمتدّ إلى الذاكرة، إلى اللغة، وإلى عيون طفلٍ يتعلّم أن الحب قد يؤلم.
وحين نسمح للإيذاء أن يُختزل في “شأنٍ خاص” نكون قد خفّضنا سقف الكرامة للجميع.
السؤال إذاً ليس عن لحظة غضب بل عن معنى القوة نفسه، أهي قبضةٌ تُخيف…أم يدٌ تحمي دون أن تُذكّر بضعف من تمسك به؟
من هذا المنعطف الأخلاقي تبدأ الحكاية… حكاية مجتمعٍ يختار بين أن يُدير بيته بالخوف أو أن يبنيه على الرحمة التي لا ينكسر معها أحد.
فحين تُهان إمرأة لا يُجرَح شخصٌ واحد بل يُخدَش وجهُ الإنسانية كلّه.
العنف ليس صوتاً عالياً فحسب، ولا يداً امتدّت في لحظة غضب، إنه فكرةٌ منحرفة تتسلّل أولاً إلى العقل ثم تتجسّد في سلوك.
فكرةٌ تقول إن السيطرة أقصر الطرق إلى الاحترام، وإن القسوة شكلٌ من أشكال الرجولة، وإن الصمت فضيلةٌ حين تكون الضحية إمرأة.
وهذه الفكرة قبل أن تكون خطأً أخلاقياً هي سقوطٌ حضاري.
الديانات الكبرى على اختلاف مشارِبها لم تأتِ لتؤسّس هيمنةً بل لتقيم ميزان عدل.
في القرآن الكريم: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ}(النساء: 19), والمعروف هو كلّ ما تعارف عليه العقل السليم من رحمةٍ وعدلٍ وإحسان.
وقال النبي محمد عليه أفضل الصلاة والسلام :{خيرُكم خيرُكم لأهله} (رواه الترمذي).
معيار الخيرية هنا ليس في الصوت المرتفع، بل في الخلق المنخفض الجناح.
وفي الإنجيل:{أحبوا بعضكم بعضاً} (يوحنا 13:34)
والمحبة في اللاهوت المسيحي ليست عاطفة عابرة بل التزامٌ أخلاقيّ بعدم الإيذاء.
وفي التوراة:{تحب قريبك كنفسك} (سفر اللاويين 19:18)، ولا يمكن أن يحبّ إنسانٌ نفسَه ثم يُبيح إذلال غيره.
أما في التراث البوذي:(فتقوم الوصايا الخمس على الإمتناع عن إيذاء الكائنات الحيّة لأن العنف يفسد الفاعل قبل أن يؤذي المفعول به).
وفي الفلسفة الكونفوشيوسية:(لا تفرض على الآخرين ما لا ترضاه لنفسك ) وهي قاعدة ذهبية تكاد تكون قاسماً مشتركاً بين الشرائع والأعراف.
كل هذه النصوص على اختلاف لغاتها تلتقي في نقطةٍ واحدة: الكرامة أصلٌ لا يُمسّ.
والإهانة ليست تفسيراً للنصوص بل تحريفٌ لروحها.

أما القانون فقد تعلّم من التاريخ أن البيوت التي تُغلَق أبوابها على الألم لا تبقى مغلقة طويلاً.
فالإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948) ينصّ في مادته الأولى على أن:(جميع الناس يولدون أحراراً متساوين في الكرامة والحقوق) ، وفي مادته الخامسة:(حظر المعاملة القاسية أو المهينة).
واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (CEDAW، 1979) أكدت التزام الدول بحماية المرأة من العنف والتمييز.
هذه المواثيق ليست مجاملات دبلوماسية بل خلاصة قرونٍ من الصراع ضد الظلم.
القانون الحديث لم يعد يعتبر العنف “شأناً عائلياً خاصاً”، لأن التجربة أثبتت أن ما يُبرَّر في الداخل يتسرّب إلى الخارج. الطفل الذي يرى الإهانة يتعلّم أن الحبّ مشروط بالأذى، وأن القوة تعني القسوة….وهكذا يُعاد إنتاج العنف جيلاً بعد جيل.

كما جاء العلم النفسي يؤكّد ما تقوله الشرائع: (العنف لا يصنع طاعةً بل خوفاً، والخوف لا يبني استقراراً بل قلقاً مزمناً).
فمنظمة الصحة العالمية تشير إلى أن النساء اللواتي يتعرضن للعنف أكثر عرضة للاكتئاب واضطرابات القلق واضطراب ما بعد الصدمة.
الجسد قد يلتئم لكن الذاكرة تحتفظ بالأثر، والروح تعيد ترتيب العالم حولها كأنها تمشي في حقل ألغام.
المجتمع الذي يبرّر العنف بحجة “العادة” ينسى أن العادات تتغيّر وأن ما كان مقبولاً بالأمس قد يصبح عاراً اليوم.
الأعراف الأصيلة في كل ثقافةٍ عربيةٍ كانت ترفع من شأن المرأة باعتبارها “عرضاً مصوناً” و“أُماً مكرّمة”، لا هدفاً للإذلال.
حتى في الشعر الجاهلي كان الإعتداء على النساء عاراً يستدعي الثأر…. فكيف يُبرَّر اليوم ما كان يُستَنكر في عصورٍ أقلّ ادعاءً للتحضّر؟

العالم لا ينهار دفعةً واحدة بل يتآكل حين يصبح الأذى عادياً. كل صفعةٍ تُبرَّر وكل إهانةٍ يُسكت عنها هي تنازلٌ صغير عن معنى الإنسان.
وحين نحمي إمرأةً من العنف نحن لا ننقذ فرداً فقط، نحن نعيد تثبيت حجرٍ في أساس العدالة.
القضية ليست صراعاً بين رجلٍ و إمرأة، بل صراعٌ بين فكرةٍ وفكرة (بين من يرى القوة إذلالاً، ومن يراها حماية)،( بين من يظن الصمت حكمة، ومن يدرك أن السكوت عن الظلم مشاركة فيه).

في النهاية الكرامة ليست امتيازاً تمنحه يد… بل حقٌّ يولد مع الإنسان.
وكل يدٍ تُكفّ عن الإيذاء هي خطوةٌ نحو عالمٍ أصدق مع نفسه.
الإنسانية لا تُقاس بعلوّ الصوت بل بعمق الرحمة.
والرحمة في كل دين وقانون وعرف سليم ليست خياراً… بل أصل الحكاية.