إطار الصراع خارج الدستور- د فارس الخطاب

 

 

فارس الخطاب:

من أخطر الأزمات التي تعيشها الدولة العراقية بعد عام 2003 هي أزمة اختزال الإرادة الشعبية وتحويل مصير أكثر من ستة وأربعين مليون عراقي إلى قرارات تُصاغ داخل غرف مغلقة، بعيدًا عن الدستور ومؤسسات الدولة الشرعية. فبدل أن يكون الشعب مصدر السلطات كما نص الدستور، أصبحت بعض القوى السياسية تتعامل مع العراق وكأنه ملكية حزبية خاصة، تُدار بمنطق التوافقات الضيقة لا بمنطق الشرعية الدستورية.

إن اختزال آراء العراقيين جميعًا في اثني عشر عضوًا داخل ما يُعرف بــ”الإطار التنسيقي” لا يمثل فقط تجاوزًا سياسيًا، بل هو انحراف خطير عن جوهر النظام الديمقراطي نفسه. فالعراق ليس طائفة واحدة، ولا حزبًا واحدًا، ولا تحالفًا سياسيًا بعينه، بل هو مجتمع متنوع، متعدد الانتماءات والاتجاهات، لا يمكن أن تختصر إرادته في مجموعة محدودة من الأشخاص مهما كانت مواقعهم أو نفوذهم.

الدستور العراقي لم يمنح أي تكتل سياسي حق الوصاية على الشعب، ولم يجعل من الاجتماعات المغلقة مصدرًا للقرار الوطني. بل نص بوضوح على أن الشرعية تُستمد من الشعب عبر الانتخابات والمؤسسات الدستورية، لا عبر التفاهمات فوق الدستورية أو الاتفاقات غير المعلنة. وعندما تصبح القرارات المصيرية، كاختيار رئيس الوزراء أو رسم السياسات العليا للدولة، رهينة إرادة مجموعة صغيرة، فإننا نكون أمام نظام موازٍ للدولة، لا أمام دولة قانون.

وفي هذا السياق، برز التخبط الواضح داخل ائتلاف دولة القانون بزعامة نوري المالكي، ومعه بعض قوى الإطار التنسيقي، في محاولات متكررة لعرقلة وصول محمد شياع السوداني إلى رئاسة الوزراء، لا انطلاقًا من اعتراض دستوري أو برنامج سياسي بديل، بل بدافع المناكفة السياسية وتصفية الحسابات الداخلية. هذا السلوك كشف أن بعض الصراعات لم تكن مرتبطة بمصلحة الدولة أو استحقاقات المرحلة، بل بصراع نفوذ داخل البيت السياسي الشيعي نفسه، حيث تحوّلت الدولة إلى ساحة تنازع شخصي، وأصبح المنصب التنفيذي الأعلى رهينة الحسابات الضيقة لا الحاجة الوطنية.

إن معارضة أي مرشح حق سياسي مشروع، لكن حين تتحول هذه المعارضة إلى وسيلة تعطيل من أجل منع طرف معين من الوصول، لا بسبب رفض مشروعه، بل بسبب الخصومة معه، فإن ذلك يضرب جوهر العملية السياسية. فالعراق لا يحتمل أن تُدار حكومته بمنطق الثأر السياسي، ولا أن يُختزل مصير شعبه في نزاع بين أجنحة السلطة.

المشكلة لا تكمن فقط في عدد الأشخاص، بل في الفكرة نفسها؛ فكرة احتكار التمثيل وادعاء الحديث باسم الشعب دون تفويض حقيقي. فهل يمكن لعشرات الملايين من العراقيين، بمختلف قومياتهم ومذاهبهم ومناطقهم، أن يكونوا مجرد هامش أمام قرار يصدره اجتماع سياسي محدود؟ وهل تتحول الانتخابات إلى مجرد إجراء شكلي إذا كانت النتائج النهائية تُحسم خارج البرلمان وخارج المؤسسات الرسمية؟

هذا الواقع أنتج حالة من الإحباط الشعبي العميق، لأن المواطن بات يشعر أن صوته لا يغيّر شيئًا، وأن السلطة تُعاد إنتاجها داخل نفس الدوائر المغلقة، مهما تبدلت الوجوه والشعارات. وهذا أخطر ما يمكن أن يصيب أي نظام سياسي، لأن فقدان الثقة لا يهدد الحكومة فقط، بل يهدد شرعية الدولة نفسها.

إن استمرار هذه الحالة يعني تكريس العرف على حساب الدستور، وتغليب النفوذ على القانون، وتحويل النظام السياسي إلى منظومة مغلقة لا تسمح بالتداول الحقيقي للسلطة. وهذا لا يبني دولة، بل يؤسس لأزمات مستدامة وانفجارات مؤجلة.

العراق بحاجة إلى استعادة المعنى الحقيقي للتمثيل السياسي؛ تمثيل يقوم على المؤسسات لا الأشخاص، وعلى القانون لا الصفقات، وعلى الإرادة الشعبية لا الاحتكار الحزبي. فلا أحد يملك حق التحدث باسم العراق وحده، ولا جهة تستطيع مصادرة صوت الملايين تحت أي عنوان.

 

إن احترام الدستور ليس خيارًا سياسيًا بل شرط بقاء الدولة نفسها. وأي محاولة لاختزال العراق في لجنة، أو شعبه في مجموعة، هي إهانة لفكرة الوطن قبل أن تكون مخالفة للقانون. لأن الأوطان لا تُدار بالنيابة الحزبية، بل بإرادة شعوبها