كاهنات معبد اور يظهرن في رواية.. محاولة للإنصراف عن الشعر
منى السبع
عرفنا رسمية محيبس شاعرة مبدعة تتقاسم رغيف الشعر مع الفقيد كزار حنتوش، اما ان تكون روائية ذات امكانية سردية ماتعة، فهذا ما اثار دهشتي واعجابي معا..
روايتها (كاهنات معبد أور) الصادرة مؤخراً عن دار”الروسم” في بغداد،التي تمتد على مساحة 202 صفحة، شدتني بقوة حتى انني اكملتها في جلستين متقاربتين، ذلك لعفوية وعذوبة حكاياتها التي تمنيت ان لا تنتهي .
تبدأ الرواية بمشهد مروّع شهدته الكاتبة وهي لما تزل طفلة صغيرة يتعلق بشابة قتلت وقطع رأسها والقيت جثتها في النهر”غسلا للعار” اذ تصف الكاتبة رعبها عندما رأت الجثة تطفو على الماء(ذهلت واعتراني الخوف..كنت ارتجف، نسيت حقيبتي وكتبي التي استلمتها اليوم وهو اول يوم لي في المدرسة)ص5
وكيف يتطور الأمر بمرور الأيام ليصبح قبر تلك الشابة المغدورة مزارا للمتنزهين يضعون عليه الورود وينذرن النسوة له الشموع والبخور..ثم تسترسل الكاتبة في وصف طفولتها(كنا نقرأ ونكتب على ضياء النجوم والفوانيس الشحيحة، لكنها كانت ارض البراءة الاولى وظلت تطفو على ماء احلامنا باشجارها واقلامها ومعلميها الطيبين)ص11
لنهر الغراف القريب من قريتها،الحظ الاوفر من عشقها بل وهيامها فلا يكاد يخلو فصل من فصول الرواية من وجود هذا النهر الذي اراها قد جعلت منه بويب السياب(اذا كان الدانوب ازرق فالغراف اشد زرقة وبراءة من جميع انهار الكون)ص24
وتأخذنا معها في رحلتها المثيرة، فبعد تعيينها معلمة في احدى المدارس الريفية تعرضت الى ضغوطات من اجل ان تنتمي الى حزب السلطة،حزب البعث، وكيف تم تلفيق تهمة التمرد ضدها لرفضها الانصياع لهم حتى انتهى بها الامر معتقلة في احدى دوائر الامن..
في المعتقل تروي حكايات لسجينات كن معها في المعتقل وان بقضايا مختلفة فتسرد قصصهن الغريبة بعض الاحيان لتحيلهن جميعا الى الجذور الاجتماعية المتزمتة نفسها(تخيلت رأس الفتاة المقطوع وقد انجب رؤسا كثيرة وجثتها التي تطفو على ماء النهر وقد تحولت الى عشرات الجثث لنساء مجهولات)ص53
ولا تنسى الكاتبة الجنوبية أن تروي فصلا عن الانتفاضة الشعبانية وتصف على نحو مؤلم مدى القساوة المبالغ فيها التي جوبهت بها الانتفاضة من قبل أزلام السلطة(لكن سرعان ما التقطت السلطة انفاسها واستعادت السيطرة على العاصمة وبقية المدن بزحف الحرس الجمهوري الى تلك المدن واحراقها وتدميرها بالكامل والقاء القبض بشكل عشوائي على الناس في البيوت والشوارع والمحال التجارية وجرت تصفية هؤلاء جميعا دون تحقيق)ص60
تظل الكاتبة مسترسلة في حكاياتها، عبر وصف سردي آخاذ يجعل القارئ يستشعر الصدق ينبض بين حروفه فلا يستطيع الا ان يتبعه من دون أن يلتقط أنفاسه،حيث تاخذنا هذه المرة الى بغداد التي قصدتها لغرض الدراسة وتروي انطباعاتها للوهلة الاولى عن هذه المدينة الباذخة كما تقول( مدن ترفل في المتع والنعيم واصناف الثراء والحياة الناعمة)ص94
انه البوح الصريح والملغّز أحياناً،عن عوالم المرأة العراقية المغيّبة والمهمّشة والمقموعة، عبر مسيرة الحياة في هذه البلاد المضطربة، بسبب من أنها – العوالم – الاجتماعية والاقتصادية، ظلتْ كما هي تراوح في مكانها منذ عصر الاقطاع الى يومنا هذا، ولعل في هذه الصفحات من حياة الكاتبة، هي من دون شك صفحاتنا نحن العراقيات.
بشكل أو بآخر ظلت الكاتبة تسحبنا معها عنوة، لنغوص معاً في بحر من عوالهما المضطرب، ومسيرتها الشعرية المثيرة التي كم ناضلت، اجل اظهارها ضد خوفها وخجلها كونها فتاة ريفية من جهة وضد من كانوا يضعون العراقيل في طريقها من جهة اخرى،هذا النضال المستميت هو وحده الذي أفضى في نهاية الأمر الى أن تتوّج الكاتبة بحصولها على جائزة الشاعرات من دولة الامارات العربية المتحدة عام 1996، وذلك باعتبار أن أمرا جميلاً كهذا، محصلة طبيعية لعمل دؤوب مثمر، ليس وفق ما تقتضيه لعبة الأدب المثيرة، بل ماتتطلبه لعبة الحياة برمتها، التي تقوم على مبدأ الكفاح من دون هوادة من أجل الوصول الى الغايات والاستحقاقات الانسانية المرتجاة..























