قصص بثلاثة أقسام.. تماثل لوح التشكيل في نشوى التمثيل
يوسف عبود جويعد
يقدم لنا القاص والناقد اسماعيل ابراهيم عبد في ( تماثل ألواح النشوى ) وهي مجموعة من النصوص في القص , ومن اصدارات مديات ثقافية – دار الزيدي للنشر والتوزيع والاعلان – العراق عام 2015 , الواحا تشكيلية سردية في محاولة منه لتقديم نمط جديد ينتمي الى عالم السرد ..
لقد جعل الكاتب متن النص السردي والبنية السردية على هيئة لوحة تشكيلية الا ان فنانها وصانعها ورسامها سارد وليس رساما , وكذلك وظفها لتكون لوحة سردية , اقرب منها الى لوحة تشكيلية يرسمها فنان تشكيلي , أي ان القاص ينقل الفن التشكيلي ليضمه الى نصوصه الابداعية الادبية , اذ نكتشف ذلك من خلال الابعاد المحورية في صناعة النصوص , كما هو حال الفنان التشكيلي الذي يستحضر الفكرة, ويهيء لها مستلزمات نشرها فوق القماشة البيضاء من خلال فرشاته والوانه ثم يعمق رؤيته من خلالها , ثم يسوّغ الفكرة , ويوضح المنحى الفلسفي , والمنحى الانساني , ويضيف لها المفردات التي دفعته لصياغتها من وحي افكاره الخاصة , ثم يترك حيزا كبيراً للمتلقي , الذي يقوم (هو) بعد الانتهاء منها بإعادة رؤيتها وتحليلها وتأويلها كما يراها , وبهذا فأن القاص تقمص شخصية الفنان التشكيلي ليقدم لنا لوحة تشكيلية سردية غائرة في العمق الفني , والعمق الدلالي , والصورة الرمزية , مستخدماً لغة بليغة وعميقة غزيرة قادرة على تكوين اللوحة دون عناء , لخبرته الطويلة في مجال التحليل والنقد والدراسة لنصوص ادبية كثيرة ومطولة , وكونه ارتأى ان يقدم حالة من حالات التطور والتجريب في البنية القصصية ذلك الجنس الادبي المهم , الذي يتطلب خبرة ودراية ومهارة عالية ..
أن القاص استطاع ان يتخطى السياق الفني الرتيب المتبع في صناعة القصة القصيرة , أي اشتراطات تناولها التقليدي , كالزمان , والمكان , والشكل والمضمون , والحدث , والحس التصاعدي .. وبالرغم من وجود تلك الادوات التي تشكل اساساً لابد منه في صناعتها , الا أنه نثرها شأنه شأن الفنان التشكيلي داخل لوحة السرد , وبعمق فلسلفي , ورؤية فكرية غاية في الدقة , وقد قسمها الى ثلاث اقسام , القسم الاول – ذر التماثل وفيه خمسة عشر نصا سردياً , والقسم الثاني : الواح نيكار , وفيه ستة نصوص سردية , والقسم الثالث : قمة من النشوى , وفيه خمسة عشر نصاً سردياً , ثم اقتطع القسم الثالث ليضيف اليه في مركز الثلث الثاني , وفيه اربعة نصوص سردية , وقد يبدو المدخل ولوجاً الى عالم هذه النصوص السردية الغائرة في عمق الدلالات , والاستعارات , والصور الرمزية , والاسهاب بنقل الحدث القصصي بشكل يوحي للمتلقي وكأنه صوت صادر من اعماق الروح الانسانية التي تقدم انماطا ثيمية , وفكرية , تستحث روح (الارادة) الانسانية داخل شخصية المتلقي قد يجد المتلقي بعض العناء لفهم ومعرفة وسبر اغوار تلك الالواح , الا أنه يجد المتعة في عمقها وغموض رؤيتها , حيث يكون النص السردي ( برد… برد ) دعوة لدخول حس التجديد والتجريب داخل بقية النصوص فهذا النص يقدم , حالة اغتصاب لامرأة , ومحاولة هذا الانسان انقاذها , الا ان جداراً يحول بينه وبينها , يسمع استغاثتها , يسمع آلامها واوجاعها , وهكذا فأن تفاصيل السرد تنطلق من اعماق الروح وتولج الى القاع ليحيل الصورة السردية الى لوحة تشكيلية سردية تتيح للمتلقي المشاركة في رسم معالمها , وتأويلها ومشاركة القاص في نقل هذا العناء الموجع , لكنها لاتحمل هذا الوضوح السلس السهل الذي يمكن إدراكه بسهولة , والسبب في ذلك ان الحدث السردي صيغ على غرار اللوحة التشكيلية , وتضمن حساً روحياً انسانياً اعمق من التداعيات الذاتية , كون تلك التداعيات تشكل حالة واحدة , الا أن هذه النصوص هم انساني عميق .. أن الثيمات التي تناولها القاص في هذه النصوص , تشمل الحياة في هذه البلد , سواءً كان ذلك من خلال نقل الحياة السياسية , او الاجتماعية , او العاطفية , او الحروب التي حدثت , وكذلك فهي تعكس الانكسارات النفسية التي اصابت الانسان في هذا البلد , وشاء لها القاص ان تكون تشكيلية سردية عميقة المعنى , وانه يدعو المتلقي لتشكيلها مرة ثانية , والمساهمة معه في اعادة تركيبها لأكثر من مرة لأجل الوصول الى وضوح في الرؤية لها .. قد تكون الغاية في تقديم هكذا نصوص من قبل القاص لشحن عقل وفكر المتلقي للانطلاق بمخيلته , ولتقديم التأويلات التي تستند على متابعته لمسيرة المبنى السردي داخل النص, والحفر والتبئير من اجل اكتشافها , كون القاص يجد من خلال استفزاز وتحريك وادخال فكره في عوالم النصوص بعمقها حالة ضرورية لرفع مستوى الوعي , وكذلك يجد ان النصوص السردية التي تنقل بواقعية سهلة المنال والمعرفة لا تتطلب جهداً كبيراً لصياغتها , وان الحاجة الى نصوص فكرية عميقة ومختلفة هي التي يحتاجها المتلقي من اجل عملية الانتقال في الوعي والفكر الى مرحلة جديدة .. إنها رسالة مهمة لصناعة السرد بضرورة ان يكون هنالك جهد , وهنالك معالجات فنية , ولمسات سحرية , هي التي تعطي الانطباع الصحيح لصناعة القصة القصيرة , ان النصوص السردية (تماثل ألواح النشوى ) للقاص والناقد اسماعيل ابراهيم عبد , تطرح تساؤلات وافكارا , وتضع لنا حيزا مفتوحا عميقا من اجل الرحلة الاستكشافية لعالم هذه النصوص ومعرفتها .























