قصة اختطافي ورحلتي في الطب والحياة – عبد الهادي الخليلي

من مذكرات الاستاذ الدكتور عبد الهادي الخليلي

قصة اختطافي ورحلتي في الطب والحياة – عبد الهادي الخليلي

النزول من السيارة

بعد دقائق توقفت السيارة ونزل منها الشخص الذي عن يميني فأصبحت قرب باب السيارة وتحركت السيارة قليلا وامرني الرئيس صارخا بالنزول منها والجلوس على حافة الرصيف مع الإنذار بعدم فتح عيني ورفع العصابة إلا بعد أن أعد من الواحد إلى المئة. هددوني بإطلاق الرصاص علي إذا فتحت عيني قبل ذلك وكأن تلك الفترة الزمنية تعطيهم الفرصة الكافية ليختفوا عن أنظاري كي لا ألاحظ أية تفاصيل عن السيارة.  ولكني كنت متيقنا بأن السيارة كانت نفسها التي أقلتني أول مرة وهي البي أم دبليو زيتوني صالون ضخمة ستة سيلندر. جلست على الرصيف وبدأت أعد في داخلي وحينما ابتعدت السيارة واختفى صوتها نظرت من أسفل العصابة فرأيت أرض الشارع ثم خلعت العصابة تماماً. تنفست الصعداء وانتعشت بالتحرر من الأسر ومن قبضة المجرمين وحمدت الله على السلامة. بقيت للحظات صامتا وفي فراغ تفكيري ليرتاح دماغي من هول الصدمة ومن الفرحة بالخلاص.

نظرت إلى ما بخصوصي تمعنت بالشارع الذي كان معبدا وبمسربين في كل اتجاه  وفي وسطه “جزرة” وسطية بعرض حوالي المتر. كنت متأكدا من أنني داخل حدود بغداد حيث إن هاتفي النقال خلال الاختطاف كان يعمل ولو باتصال صعب ولكنه لا يمكن أن يعمل خارج نطاق شبكة اتصالات العاصمة. كان الشارع مظلما ولكن يمكن أن أشاهد بعض المعالم فيه. لم أشاهد أية سيارة قريبة أو بعيدة في ذلك الشارع وكان الهدوء المقلق يسود المنطقة.  تمعنت في الجانب الذي كنت فيه فلم أجد أي منشآت أو بيوت. في الجانب المقابل كانت هناك بيوت متباعدة وللحظات فتحت باب إحداها ثم أغلقت. لم أجرؤ أن أطرق الباب عليهم لقلقي من رد الفعل. وما شجعني ألا أطرق الباب عليهم هو إني لاحظت على البعد باتجاه اليسار أضوية على الشارع العام بما يبدو أنه محل تجاري أو ما شابه. توجهت إلى ذلك المحل الذي كان يبعد مسافة النصف كيلومتر أو أقل وصلت إلى هناك لأشاهد أن المحل هو مكتب دلالية سيارات. كان هناك شاب أنيق في الاربعينيات من عمره يلبس دشداشة بيضاء وشعره مصفف ويبدو أنه صاحب المكتب ومعه شاب أصغر عمرا منه يلبس قميص بدلة فتح أزراره العليا. ويقف خارج المحل رجل في بداية الستينيات أو أواخر الخمسينيات وهو يلبس العقال والكوفية البيضاء ما يدل على إنه من المنطقة الغربية أي الرمادي وما بخصوصها. كانت هناك سيارة تويوتا صالون موديل كراون واقفة أمام المكتب. سلمت عليهم وانا بحال غير طبيعية حيث كنت ألبس بدلة بدون رباط وشعر لحيتي كث حيث لم أحلق طوال مدة الاختطاف. ردوا السلام فسألتهم من أين اتجاه بغداد فأجابوا بابتسامة ساخرة: حجي هذي هي بغداد!! وهنا استدركت كي لا أظهر بعدم المعرفة الكلية فقلت بالطبع أنا أعرف ذلك ولكن قصدت بأي اتجاه نتوجه إلى الباب المعظم؟  فأشروا إلى الاتجاه الآخر الذي جئت توا منه. ثم سألوني حجي أنت شعندك “ماذا تعمل” هنا؟ أجبت وأنا حذر من هؤلاء لاحتمال ان يكونوا شركاء في العصابة: بأني جئت لزيارة صديق في هذه المنطقة ولكن سائق التكسي طلب مني مغادرة السيارة لعدم كفاية البنزين ليوصلني إلى بيت ذلك الصديق. وأنا أبحث عن سيارة أجرة لتعيدني إلى بيتي. سألوني وأين بيتك حجي؟ أجبت انه في شارع فلسطين وإذا بهؤلاء الاشخاص يستغربون مني ليقولوا “حجي شجابك لهنا” كيف جئت إلى هنا؟ فالمسافة إلى هناك تصل إلى عشرات الكيلومترات! وعندما سألتهم عن إمكانية الحصول على سيارة أجرة كانت الإجابة حجي “أكو تكسي هنا بهلمنگطعة” هل هناك تكسي في هذا المنطقة النائية؟؟ بقيت حائرا ماذا أعمل وإذا بالرجل الكبير يتطوع لمساعدتي قائلا أنا مستعد لأن أصحبك في سيارتي إلى منطقة حي البياع فقط ولكن بشرط أن تدفع لي ألفان وخمسمائة دينار. استجبت باللحظة حيث أن الأمل كبير في أن أحصل في البياع على تكسي يوصلني إلى بيتي.

التكسي الأول

ركبت سيارة الرجل كبير السن في المقعد الأمامي وهنا تنفست الصعداء وانطلقت بنا السيارة. بدأت الحديث بأن شكرته على لطفه بمساعدتي فرد عليّ بلطف وقال أنا أحببت أن أساعدك في هذا الليل وأنت بعيد عن أهلك. حاول أن يعرف سبب وجودي في ذلك المكان وفي ذلك الوقت من الليل. بقيت أردد نفس القصة التي ذكرتها عند المكتب التي سمعها هو مني كذلك. في تلك الظروف التي يمر بها البلد لا تعلم من هو الأمين ومن هو اللعين لذا كنت غير مطمئن بأن هذا الرجل هو من الصنف الأول وكان من الممكن جدا أن يكون مرتبطا بالعصابة. لله الحمد لم يكن كذلك. استمر بأسئلته فسألني عن وقت استئجاري للتاكسي الذي ادعيت أنه تركني في تلك المنطقة أجبته قبيل غروب الشمس ثم أردف يقول حاجي تعرف كم الساعة الان أجبته كلا، فرد عليّ أنها العاشرة وخمس وأربعين دقيقة أي قرب منتصف الليل. كنت على ثقة بأنه لم يصدق قصتي وكانت نظراته تشكك فيما قلت.لاحظت أن عجلة القيادة ثبتت على الجانب الأيمن منها كما في بريطانيا وبعض الدول الأخرى. وفجأة غيرت موضوع النقاش إلى تصميم سيارته ومكان عجلة القيادة وهل هناك صعوبة في قيادتها في شوارع بغداد وكم تساوي سيارتك في السوق المحلية، وهكذا ترك موضوع النقاش “التحقيقي”.  قال إنه تعود على قيادة تلك السيارة باستمرار استخدامها.  تطوع بالحديث عن حياته الشخصية حيث قال ان مورده من السيارة يبلغ حوالي العشرة الاف دينار يوميا وهي تكفيه لسد احتياجاته واحتياجات العائلة. ثم أردف قائلا حجي أنا كنت منتسبا للأمن وقد فصلت كما فصل كافة منتسبي الأمن ولم يخصص لنا راتب أو تقاعد. قلت له انشاء الله تنتبه الدولة وتعيد صرف رواتبكم أو حتّى تعود إلى الوظيفة.صمت بعدها برهة ثم قال: حجي نحن كلنا في سلك الأمن فاسدون، قلت لماذا تقول ذلك فأنتم تخدموا البلد وتحفظوا سلامة الناس. فقال لا يوجد بيننا من هو شريف حقا وأردف يستشهد بالمثل العراقي المعروف ” ماكو خّير إلا..” ولم يتذكر تكملة المثل فأكملته له “ماكو خيّر إلا خضير حتّى خضير ماهو خيّر”. استمر في حديثه قائلا كنا خيرين ولكن عندما أعطانا صدام قطعتي أرض وسيارة كهدية منه فكان علينا أن ننجز أي واجب نكلف به حتّى إذا كان لا أخلاقيا، لذا أصبحنا فاسدين. لم أعقب على ما قال وفي تلك اللحظة وصلنا إلى حيث قرر هو وكان سوقا عاما فيه دكاكين مفتوحة لبيع الخضار والفاكهة وكانت على وشك الإغلاق. شاهدت عددا قليلا من السيارات متوقفة بالقرب من الدكاكين. بأكثر الظن أن المكان في أطراف مدينة البياع. سلمته أجرته بعد أن أوقف السيارة واحتاج أن يفك ورقة العشرة آلاف دينار التي أعطيته، وأعاد لي الباقي وكان سبعة ألاف وخمسمائة دينار. وهنا طلب مني أن أبقى في سيارته ويحاول هو أن يقنع أحد اصحاب السيارات هناك ليأخذني إلى بيتي. شكرته على لطفه وبقيت داخل السيارة وكنت أعلم كم هو مستحيل إقناع سائق ليخاطر بحياته وبسيارته في ذلك الوقت المتأخر ويتوجه إلى الجانب الاخر من المدينة ويقطع عشرات الكيلومترات. اعتذر السائق الأول من الذهاب إلى حي المستنصرية حيث أسكن لأنه سيخترق أحياءً غير آمنة والثاني اعتذر كذلك لعطل أضوية سيارته فيبدو انه كان يسير في الظلام بدلالة الضوء المنبعث من سيارة قادمة مثلا. والثالث لم يكن لديه بنزينا كافيا لتلك السفرة. وهنا عرض صاحبي على السائق الثالث أن يعطيه خمسة أو حتّى عشرة لترات بنزين يسحبها من سيارته.  ولكن السائق رفض بضغط من قريب له كان بجنبه.

 عندها فقدت الأمل بالحصول على سيارة وبدأ القلق والخوف يساورني. قال لي صاحبي: كان بودي أن أوصلك بنفسي ولكن لا أتمكن من ذلك. ظهرت أمامنا سيارة تكسـي نظامي حيث أن كل السيارات التي تحدثت عنها وكذلك سيارة صاحبي هي سيارات خاصة يستخدمها أصحابها كسيارة أجرة. أوقف صاحبي تلك السيارة وبادر سائقها بالقول أنت من أي عشيرة؟! وهذه بداية مهمة اجتماعيا حيث تقف أمامه النخوة العشائرية. أخذت تلك الأسئلة مأخذها وقبل السائق توصيلي واشترط صاحبي عليه أن يوصلني إلى باب بيتي بعد أن أغلظ الأيمان عليه. طلب السائق أجرا ثلاثة الاف دينار وقبلت ذلك على الفور. قدمت لصاحبي جزيل الشكر والامتنان وودت أن أتعرف عليه لعلي أشكره بطريقة تليق بعمله الكريم في يوم من الأيام ولكني أحجمت عن ذلك لئلا يسألني عن نفسي وهنا يمكن أن تتعقد الأمور.