قراءات في كتابات ــ مهدي شاكر العبيدي

قراءات في كتابات ــ مهدي شاكر العبيدي
هنالك كتابان نفيسان أسلفهما الراحل إلى رحمة الله الدكتور علي جواد الطاهر ، هما فوات المؤلفين ، و فوات المحققين ، ضمنهما استدراكاته وتعقيباته ومؤاخذاته وتصويباته المبتسرة لما وقع فيه رهط جم من العراقيين والعرب ، من هنات ٍ هيناتٍ وأغاليط شائنة ، وجد أن ليس من الصحيح الغفالة عنها أو تجويزها بهذا المسوغ وذاك دون تنبيه أصحابها عليها ، وهم في غمرة استغراقهم في التأليف والتحقيق ، وتصفحهم لدوريات وكتب فرغ منها السابقون عليهم من المنشئين أو مجايلوهم من المبدعين وممن يعول على مجهوداتهم في أن تظل الحياة الثقافية مبقية ومحتفظة أبداً بنفس تألقها وازدهارها ، برغم ما يكتنف الحال والوضع العام في أي بلدٍ من هزاهز ودواعٍ تميل برجال الفكر والرأي إلى نفض أيديهم من كل تأميل إن لم يؤثروا الهجوع على بساط السكون .
وأسماها أي الطاهر فواتاً ملقياً بها في روع قرائه ومتذرعاً بأنه من النادر خلوُ كتابات كل مَن عانى مشقة التأليف والتحقيق في التاريخ والأدب والضروب المعرفية الأخرى ، في الحاضر والغابر ، من الهفوات غير المقصودة لذاتها ، أو انها حصلتْ عن عمد ، إنما ترتبت نتيجة نسيان أوعن قلة تحصيل أو تفريط بما تقتضيه آداب البحث من إلمام وإحاطة كافية بعناصر الموضوع المبتغى بحثه أو الإيلاء منه إلى نتيجة ما أو محصلة ، ويتسمح أكثر فيوحي لغيره أن لو تمعن في كتابته هو ، فلربما تشجع في الاستدراك عليه بعد عثوره بغير فواتٍ يشوبها أو يشينها .
وعلى غراره أطلع الأستاذ شكيب كاظم بكتابه الأول في التراث والثقافة والأدب قراءات في كتابات عام 2005م ، ويَمنُ علينا بالثاني عام 2013م ، والمعنون المرء يلقي عصا ترحاله ، متوخياً نفس هدفه من تلمس الحقيقة التي يصبو إليها متجرداً من أيما نزوع لتحريك السواكن واستثارة الأحقاد ، ولتصديه لهذا النوع من التنقير والتمحيص ، بواعثُ يجملها في تسخطه على ما يسود أوضاعنا الثقافية عموماً من ألفتنا واعتيادنا كيل الثناء والمديح متوانين في لفت نظر مَنْ ننقده أو نستعرض فصول منجزه الموضوع أو المحقق ، إلى ما اعتوره من شطحات وأخطاء تضائل من قيمته وتبخس شأنه ، وأقول مَنّ أو يمنَّ علينا ، لأنه يوشك هجران هذا اللون الكتابي وعيافه لعدة أسباب ، منها فتور الرغبة وغيره على ما يجمل ذلك في تقديمه الخَجِل والمقتضب .
وقبل سنين فائتة أسمعني صديق ملحوظته على تبارى الأدباء في رفد سوق الكتب بتآليفهم ومصنفاتهم آملين لها رواجاً وشيوعاً بين القراء ، وتداولاً بين أيدي المقرظين والنقاد ، وحتى تبابعتهم من الذيول ، ومن رأيه أنه يشترط للكتاب الجيد والجدير بالقراءة احتواءه على ما نعَته إضافة فكرية إلى خزينه المعرفي ، يتوسع بها أفقه ، ويذكو عقله ، ويرهف حسه ، ويتهذب طبعه ، وأخيراً يبرأ وجدانه ونفسه من آفات وأدواء الضغينة والحسد ، وهذه الآراب والمطالب جميعاً ، على سليقة القدامى في ترتيب مصنفاتهم وتنسيقها ، ما أظن أنّ من السهل تأتيها لأغلب محاوليها والراغبين فيها .
استذكرت هذا لاستيلاء روح الاعجاب عليّ بوفرة مطالعات المؤلف شكيب والمجتني منها معارف جمة ومعلومات محيطة بتواريخ الآداب والمدونات التاريخية والحوادث السياسية ، وكذلك تتصل بظهور المدارس الفلسفية وعلم الكلام ، وقد نتلمس سير الأفراد البارزين والمؤثرين في مجتمعاتهم إن في استحثاثها على طِلاب الرفعة والتقدم أو في تيئيسها وتضليلها فتكبو كبوة ما بعدها من نهوض ، وتتخلف بها عن العالمين .
والآن آن لي إزجاء ما وقفت عليه من بعض الفوات أثناء قراءتي لهذا الأثر القيم على تسليمي له بما انضاف منه إلى واعيتي ، من حصائل فكرية قد لا أعثر عليها أو بها في ركامات الكتب ، مع ما أسرني وشغفني من فرط الإيناس والرغبة واستهواء قراءته ومع ما تكللت به هوسي وتحمسي وشيء من الانحياز ، فلا تثريب عليّ إذا انسقت منها لبعض الاستطرادات الموهِمة ببعادي عنها بعض الوقت .
1. في موضوع ليس في القصيدة ما يشين بل ما يزين الصفحات 157، 158، 159، 160، 161، يقول ما زلت أتذكر أن جريدة بغداد لصاحبها الصحفي المعروف خضر العباسي ، والمناوئة للشيوعية ، نشرت قصيدة التتويج على صدر صفحتها صيف عام 1959م فأقول بعض القول الذي قد يبين منه أنه واهي الصلة والارتباط بما نبغي سوقهُ من ملاحظات على الكتاب عموماً .
خضر العباسي صحفي لفترة قصيرة ، أصدر فيها جريدة بغداد وناوأ سياسة عبد الكريم قاسم ، لا هو توفيق السمعاني ولا جبران ملكون ولا روفائيل بطي ، من ذوي الممارسة الصحفية الطويلة والمضنية لها ، غير أنه أصدر قبلها في أخريات الأربعينيات من القرن الماضي ، كتيبات قرأت عن بعضها تقاريظ بمجلة الكاتب المصري التي أشرف عليها طه حسين وصنوه حسن محمود المتوزع الاهتمامات والأولاع من ترجمة لنوادر الكتب في التاريخ والسياسة ، فضلاً عن كتابة الشعر والقصة ، وخرج منها بلا نصيب من هذه الشهرة التي يلهث وراءها اليوم من يتقاصرون دونه في القابليات والمواهب ، وقد تتأتى لبعضهم بفضل انخراطهم في التشكيلات والشلل ، ومن هذه الكتيبات ما يعنى بسجايا نسوة بني العباس ويشيد بما حُبينَ به من حضور وقوة شخصية ، على أساس أنه من بقايا سلاسة بني العباس ويهتم بتجلية مفاخرهم وأمجادهم ، كما استكنه ذلك يومها كاتب مصري في استعراضه لإحداها ، كان ذلك نهاية عام 1949م ، أيام الدراسة المتوسطة ، ارتحلت بعدها إلى بغداد وقبلت بدار المعلمين الابتدائية في الأعظمية ، وفوجئت انّ من بين المقبولين أيضاً الطالب خضر العباسي ، وكان يكبرني سناً بطبيعة الحال ، ولِمَ لا وهو يمتلك كتاباً نُشر عنه في غرة مجلات مصر ، وليس هذا بالشيء القليل وقتذاك .
ومضت أيام ، كنت واقفاً على مقربة منه ، ولمحته يخرج ورقةً من جيبه بقصد مراجعة ما تحتويه من رأي ، فإذا بي أقرأ من بعيد عنوانها ، ولعله تعمد تسوية ورقته بعد تعديل وقفته ، حتى أجتلي ما فيها بوضوح وسهولة فخامة مزاحم البا ي ومفتريات الصحف ضده ثم يسترسل في كتابته بكل صراحة سمجة وغير سمجة
إن مبدأنا هو مبدأ عقيل بن أبي طالب ، الصلاة وراء عليٍ أفضل ، وتناول الطعام من مائدة معاوية أدسم .
وبعدها لم يصطبر على مقتضيات الدراسة وما تفرضه من شرائط والتزامات ، فتركها بعد شهور ، ولم يكملها ، وقيل أنه سئم محاسبة مدرسيه لتهاونه وإهماله واجباته ، وبعد عشر سنوات من هذا التاريخ أصدر جريدة بغداد ملفياً أن أكفل السبل لذيوعها هو استهداف شخص الجواهري بالتشنيع والقدح ، وجاوز في ذلك حدود المسموح والمقبول وخرج عن المعقول ، مما يستدعي مقاضاته وتطوله تبعة الإخلال بآداب المهنة الصحفية ، وتحرك وزير الارشاد فيصل السامر بعض التحرك ، ونصحَ للصحفيين جميعاً أن يوقفوا مناوشاتهم ومهارشاتهم القاسية بعضهم لبعض ، مستغلين جو الحرية ، وإحجام عبد الكريم قاسم عن أن يضع لها حداً لرغبته في اصطناع الموازنات بين الأطراف السياسية ، فكتب الجواهري في جريدته الرأي العام لائماً عاتباً على الوزير توانيه في ردع من يتحرش بحرمات الناس وكراماتهم ، كأنما قانوننا مثل قانون الليل الذي يُدق به في السهرات ، فكان صدى اكتوبة الجواهري أن ترجاه محمد شرارة في جريدة الحضارة ، أن يطامن شعوره ويهاود ، فما برح فيصل السامر معتصماً بطهارة ذيله وعفة نفسه ونقاوة ضميره ، ولا دخل له بالذي حصل، وأن هناك أكثر من متشفٍ ونزّاع للاستفراد بالحكم ، وممهداً له بفسح المجال لأي منتحلٍ شعوراً وطنياً وقومياً ليقول ما يقول ، ووُقِينا بحسن الختام .
وبعد سنين من هذه الواقعة جنح فيها المتخاصمون المتقاطعون في مشاربهم وأهوائهم من كل رعيل وفصيل ، وآثروا لها السكوت الراغم المَرغِم أبصرتُ العباسي وسط جلسة منسجمة بمقهى الشابندر مع أفراد من ذوي ميول شتى ، وظهر لي أنه محتفظ طول هذه المدة المناهزة قرابة ربع قرن ، بنفس ملامحه وامارات وجهه وزيه الأنيق ، كأن لم تنل منه حوادث الأيام وصروفها ، ولخضر العباسي هذا كتاب ينفع بهه طالبي دراسة الشعر العراقي لما بين الحربين ، فقد أودعه شواهد لشعراء درجوا في تلك الحقبة وسعوا للملاءمة بي طموحاتهم الشخصية وأهواء المتسيدين والمتغطرسين من الحكام ، مع توجيه بعض النقد والرفض المفتعلين لأساليبهم في تصريف الشؤون والنظر لحال بني جلدتهم ، حسبما غلا وبالغ وتجنى أحد الكتاب ذات يوم في تقييمهم مدعياً إخلالهم بالمقاييس والأحكام الفنية ، عله يجد شافعاً لتعفية شعر العمود ، وإعمام الشعر الحر الذي يعتد سائر نماذجه مستوفية للصدق الفني والتجربة الشعورية .
1 ورد في الصفحة 160 ، استهلال الجواهري قصيدة يوم التتويج بهذه الصورة أو الحبكة ذات الاخلال بالوزن أو ما يسميه الدارسون زحافاً
وته ياجواهري بزهوك العطر الندي
وبضوئك الزاهي ربيع المولد
وصوابه تهْ يا ربيع بروضك العطر النديوبصنوك الزاهي ربيعِ المولد
2 للجواهري ما يشاء أو لا يشاء من اعتداده قصيدة يوم التتويج زلةَ العمر ناقضاً تقييمه لها عبر استذكاراته كونها تتسم بالصحة اللغوية ومتانة التركيب وسلامة الأداء وبراعة النسج بحيث لا تقف بمضاهاة بنائها الفني أي قصيدة ، بما فيها لقية بدوي الجبل شاعر الشام لنفس المناسبة ، أو مغضياً عن قولته أمام الأديب والصحفي زيد الحلي أن قصائده جميعاً مثل أولاده ، وقصيدة التتويج أثيرة عنده لكن للسياسة أحكامها ، فنحن مستكنهون أنَّ شائنيه وعائبيه عليها عندهم من المثالب والعيوب ما يخفونه مكراً وتدجيلاً ، ولهم مواقف مشنوءة تتسم بالانخذال والتهافت أمام سطوة الباغين لو عنّ لهم الاصطفاف بجانب الصفوف الوطنية لشجب خطة أولاء في تولي المسؤوليات ، ما يزري بهم ويعييهم أن يجدوا معوضاً عنه يستردون بواسطته مهابتهم وقيمتهم في عيون الملأ ، فترانا نقف بجانب المؤلف في دعوته لنشر هذه الخريدة الرائعة لدى إصدار طبعة جديدة من ديوان الجواهري الخالد ، ومن الطرائف التي يحسن أن تذكر في هذا السياق أن محامياً و أديباً ومن أقرباء عبد الكريم الدجيلي وهو أحد رواة شعر الجواهري ، ودارسيه وصحابه من سنين انتهت ملازمته له بالافتراق والتجافي ، التقيته ذات ظهيرة يوم حار بشارع بغدادي ناءٍ عن سكننا نحن الأثنين ، ونسيت الأشغال والمبتغيات التي ألجأتنا إليه ، إذا به يستشيط غيظاً ويتسجر حرداً ونقمة على أبي فرات لأنه أهمل تلك الفلذة ولم يدرجها في ديوانه المطبوع ، فهو من معجبيها والمبهورين بما توافر فيها من الأسر والإحكام والأصالة الفنية ، فضلاً عن تناولها في معانيها واقع حال الشعب العراقي وما تعانيه أغلبيته الساحقة من الخسف والامتهان والافتقار إلى الكفاف ، وخير للمليك المتوج حديثاً أن يعول على سواعد أولاء النفر في تدعيم ملكه مع الالتفات إلى الثروات النفطية المنهوبة في كركوك قبل تبوئه عرشه ، ويتنظرمن كل فرد في البلاد أن يكون له من هذا الحال المزري موقف مشرف ، وإذ ذاك وبنتيجته يلتف حوله المواطنون بأرواحهم وأبدانهم ، مؤيدين ومساندين ، وكذا استمعت للمحاضرة وكلانا يتصبب عرقاً ولعل للانتهاكات والمظالم التي اقترفت زمن العهود الجمهورية أثراً في تشوقِ جميع مَنْ كابد فيها الارهاق والعذاب لأزمان الملكية ، وتعللهم بمثل هذا التوجه ترقيداً لإحساسهم باللذع والمرارة ، وتعبيراً عما يطوون عليه من شعور كون الواقع السياسي حينها بات خالياً ممن يستحق صدى المخاطبة والبوح بأوجاعهم وأشجانهم ، فغالبية أولي الأمر والنهي ، والحراص على ضمان طاعة المواطنين لهم ، وانصياعهم لإجراءاتهم وتدابيرهم في تمشية مصالحهم ، على أساس انها ما اتخذت إلا في سبيل خدمتهم دون أن يحوم حولها ريب أو شبهة ، وقبل أن يأنسوا بمؤازرتهم ومودتهم ، هذه العينة من الأسياد والمسؤولين الماسكين بالزمام ، ملتهون بجني أوطارهم ولا يستأهلون أن ينبري لهم أحد بالشكاة ، ولم يعدموا تحويط أنفسهم بالجوقات والطبول والأبواق المنفوخة كي تعلي منازلهم وتزيدهم وهماً على وهم بأنهم متفانون في خدمة الشعب ، وهذا ما جهر به الجواهري يوماً أمام جمعٍ من خلصائه ، أن مواطنينا إذا استّشرت المظالم والتعديات النازلة بهم ، وتفاقم استياؤهم وتذمرهم منها ،فلسوف يتحننون لزمن الملك القتيل
وفي القصيدة بيت في غاية الروعة وسلامة الديباجة أتى فيه على فجيعة الأهالي برحيل الملكة عالية ، وتصوير ما حل بهم من شجن وكآبة ، وهذا ما حصل فعلاً
لم تبق عين لم تفضْ عن حرقةٍ وحشىً بفيضِ الدمع لم يتفصدِ

إذ خرج الناس إلى الشوارع وغصت بحشود المارة ضحى ذلك اليوم الربيعي من عام 1951م ، وهذا ما شهدته بنفسي وأشارت إليه الصحف الصادرة في اليوم التالي ، حتى المعارضة كجريدة صوت الأحرار أو العالم العربي أو الأخاء التي تولى تحريرها لطفي بكر صدقي ، وتُمنى واحدة منها تلو الأخرى بالإغلاق والمصادرة لنشرها في صدر صفحتها غرةً من غرر الجواهري القديمة ، ويشتط المفسرون في تأويلها أنّ نشْرها بعد سنين ما جاء إلا ليوحى بها للناس أن مضمونها ينطبق على واقع حالهم ، فيقدم صاحبها للمحاكمة أو يُنذر أو تمنع رصيفته من الصدور .
يدي هذه رهنٌ بـما يدعـي فمـي لأن لم يُحكِم عقله الشعب يندمِ
ولو فتشوا قلبي رأوا في صميمه حشاشةَ هـــــذا العالـم المتألم
الرجلُ ذاك استبدل بمناصبته العداءَ للسلطات موقفاً أميل إلى المرونة والتطفيف في ادانته لذويها في افتتاحياته اليومية رعياً ومداراة للظرف والمناسبة ولبضعة أيام ، عدا جريدة الأهالي بدعوى أن هيئة تحريرها تعتصم بعدم الاكتراث ولا تنجرف مع أي طارئ وعابر من الحوادث اليومية ولا تنقاد بوحيه ، وحسبها أنها نشرت كلمة تعزية وكفى .
ويبدو أن اللجنة المكونة من المحققين الأثبات المعلومين لدى الخاص والعام ، والتي شكلها المرحوم شفيق الكمالي يوم كان وزيراً للإعلام ، لجمع شعر الجواهري وتقديمه لمتذوقيه في طبعة جديدة تصدرها الوزارة ، أقول استغفلتنا نحن معاشر القراء والأدباء ، وشامتْ فينا لوناً من الغشامة وعدم التنبه وقلة الفطنة ، فآثرت نشرَ فرائد منها في الجزء السابع تفيض في امتداح حضارة بغداد في العصور الخالية ، وأنها كانت تحتفي زمن العباسيين بأرباب العقول وجهابذة الرأي والشعراء المجودين ، وتزهو بقاطنيها من الودعاء والمسالمين والمؤتلفين مع بعضهم بعضاً ، والمتباينين في أطوارهم وعاداتهم وتصرفاتهم سيان أن يمموا وجوههم صوب الحانات أو دخلوا المساجد ، ولا حق لأي من الطرفين أن ينهي الآخر عما هم فيه من الانغماس في الشراب أو الانصراف للعبادة ، ويشرف الجواهري في حبكه وصياغته لهذه الوصلة البالغة أربعة وعشرين بيتاً على السمت والمنتهى مما يمكن أن يبلغه شاعر في تجربته ومعاناته من الصدقية والتفنن وإشراق الخيال ، قلت استغفِلتنا وشاءت لها عنواناً هو أطياف بغداد كأن ليس في الحي دار ٍ أو متقص ٍ ومتتبع ، علماً أنها منشورة بتمامها ضمن ترجمته بأحد أجزاء موسوعة شعراء الغري ، لمصنفها ومنسقها الشيخ علي الخاقاني ، كما نشرها المتوفى من عهد قريب الدكتور عبد الله الجبوري بكتاب أصدره عنه قبل عقود مبتغياً النكاية والزراية ، وجاءت ثمرته بعد آونة ، تحفيزه بعد احتدام عواطفه لسبك هجائيته المشهورة لعبدة الجبورية وهي غاية في القدح والذم ، وذهب المفسرون والدارسون مذاهب شتى في تأويلها وتحديد مَن المقصود بها ، بعد نشرها بمجلة الثقافة لصاحبها الراحل صلاح خالص . رحم الله الجميع .
3 لا أدري حقيقة أصل هذه الحكاية المزوقة بخصوص تحمل الشاعر الجواهري للضنى والتعب ، وتعرضه للعناء والأرق ، في اهتدائه لمطالع قصائده كل مرة ، وهي حالة نفسانية مريرة تعتريه دائماً ألمح إليها في مذكراته بل استرسل في سرده لغشيانه أكثر من مكان ومنتجع في دمشق التي حلّ فيها لتأبين عدنان المالكي حتى تصاحبه أو تماشيه هذه الطِلبة أو البغية المنشودة ، ويستمسك بأهدابها أي المستهل أو المطلع ، ويتدفق لسَانه بالشعر الأصيل الموحي ، أما أن زارهم زائر لدارهم في الأعظمية وهو مبارحه خارجاً منه في ظروف عصبية لم يجف فيها دمعه أو ينضب أساه لمصرع أخيه ، لتزف له زوجه الخبر فور عودته ، فيصرخ بالمطلع الذي يجري وراءه لتتفجر شاعريته الثجاجة راثياً ، فهذا ألصق بالوضع والاختلاق منه إلى الخبر الموثوق المرتكن إلى مرجع أو مصدر ومستند . وكأن المؤلف فطن لهذا فلم يسهب فيه أكثر .
4 عن قصيدة أخي جعفر في ختام الكتاب جاء ما نصه
إنها من خوالد الشعر العراقي في القرن العشرين ، والتي خلدت ذكر جعفر مهدي الجواهري ، في حين خبا ذكر الآخرين واقتصر على الدارسين مثل دحام الآلوسي صديق جعفر ، ترى مَن يذكر دحام الآلوسي.
صواب الهنة الأولى في هذا النص هو جعفر عبد الحسين الجواهري ، كان يومذاك يتلقى دروسه في الجامعة الأمريكية ببيروت ، وعاد لبغداد في إجازة ، ويلقى حتفه شهيداً في معركة لصالح الوطن ، والشيخ عبد الحسين أبوه وأبو محمد مهدي ، يقول عنه الأخير أنه غنى زمناً وشهر صوته بوجه الحاكم الصائل ثم خاف وفرَق وتركَ الميدان ، فهو شاعر لامع أيضاً ، تجد بعض شعره في شعراء الغري للخاقاني وفي اثرٍ آخر لجواد شبر ، وأشاد برصيده من العلم والفضَل والشاعرية معروف الرصافي في مخاطبته للجواهري نماك أبٌ بالعلم شيَّد مجَده ، توفي سنة 1917، وهو ابن الشيخ محمد حسن صاحب جواهر الكلام ، أما أخي الأخوين الأكبرُ فهو الشاعر عبد العزيز الجواهري ساق بعض قصائده روفائيل بطي بكتابه الأدب العصري في العراق العربي ، والأخ الرابع هو عبد الهادي عُرف بالتجوال في ربوع الخليج .
ولا أدنى علاقة لجعفر بمن يسمى دحاماً أحد شهداء يوم الوثبة وهو كما أتذكر طالب من أهالي الديوانية ، اعتاد الصحفي سلمان الصفواني نشر صورته مزدانة بسدارته بمناسبة حلول ذكرى ذلك اليوم الدامي ، وهناك قيس الآلوسي ، شاب من أسرة محترمة فُجِعَ أهله بمصرعه في تظاهرات الجمهور ، ندبه الجواهري ورثاه في قصيدة خاصة مواسياً ذويه .
الوالـدن ــ عليك يـــا قيــس الـــمدلل فـــــي لغوب
يتعللان بلـمح وجهِكَ فــي الشروق وفـي الغروب
ويغالطان النوم عـنك بـــطيفــك الـمـِرح الطروب
ويــراجـعــان تلاوماً نـفسيهمــا صـنــع َ المريـب
يــتــبــادلان أساهـما شكوى الغريب إلى الغريب .
5 جاء في الصفحة 148 ما خلص له من كثرة الاستطراد في موضوع الخيول خُلقت للعرب ، حيث أتى على ذكر الفارس والأمير الحمداني الشهير ، مؤسس الإمارة الحمدانية في مدينة حلب الشهباء ببلاد الشام كذا ، واسمه أبو فراس الحمداني ، أبو الحسن علي بن أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان بن حمدون التغلبي 303 356 هـ .
أ لم يكن أبو فراس الحمداني مؤسساً للإمارة في حلب أصلاً ، إنما مؤسسها الذي ينوف عليه سناً هو ابن عمه سيف الدولة .
ب في نسخة ديوانه المشتملة مجموع شعره والمطبوعة ببيروت قبل سنوات معدودة ، وشرَحَ بعض كلماتها ، وهي من الوضوح وفي غير حاجة إلى تفسير وشرح وتبسيط ، باحث ومحقق من لبنان اسمه عبد الرحمن المصطاوي في تقديمها بأنه الحارث بن سعيد بن حمدان بن حمدون الحمداني التغلبي ، وأنه تولد سنة 320هـ ، وقتل يوم الأربعاء 8 ربيع الأول سنة 357هـ ، في معركة تعرف بـ صرد على يد الأجناد الذين بعث بهم الأمير أبو المعالي أمير حلب الجديد إثر مغادرة أبيه الباني والمؤسس هذه المسكونة ، ولا داعي للتفصيل في قضية أسره بالقسطنطينية من قبل الأعداء الروم ومكوثه عندهم أربع سنوات ، وما كان لوقوعه من أثر في تفجير شاعريته ، فقد باتت هذه المسألة معروفة لدى أي دارس لشعره ، ثم ان الاختلاف في مسماه في مصدرين أو ثبتين قديمين أو مرجعين حديثين ، وترجيح أحدهما على الآخر والقطع له بالصواب والصحة دون الآخر أيضاً ، وهو مسألة لا تتعلق بالأستاذ شكيب بحال أبداً ، أوفى بي عليه هوسي بالكتاب ، وحَملَني على الإيغال في أشتات من الكلام واستطرادات قد يلوح منها بعادي عنه بعض الوقت ، غير اننا لا نترخص بمضمون الفقرة أ من الفوات 6 .
ألمْ أقل لكم في البدء أنّ أي أثر فكري مهما جهد مؤلفه لتوشيحه بالتمام والاتقان والكمال ، ندر أن لا تتسقط فيه هنات هينات ؟ والسلام .
AZP07