قامات الزبد.. إبحار في ضوء آيل.. رواية تدأب على إكتشاف شخصياتها
محسن حسين عناد
الكاتب الاردني الياس فركوح يختار لروايته (قامات الزبد) احداثا وموضوعات من اجواء ساخنة كانت لبنان تمور بها بتأثير الصراع الدامي بين القوى السياسية والطائفية وبتأثير واضح من اطراف اقليمية ودولية لها اجنداتها السياسية والتاريخية اشّر من خلالها المؤلف حدة صراع هذه الاطراف ليبين الواقع المعيشي والزمني ليصنع صورة كاملة استفاد منها في رؤيته الروائية وابراز وبلورة تأثير الفعل والحركة في تصاعد الحدث وتسلقه لمساحة الابعاد والمواقف على وفق منظور فني وتقني لكي يحقق صورة لحالة الحراك الدائرة ضمن ساحة الصراع التي كانت غير بعيدة عن صراع الشخصيات الروائية حين امتلكت وعلى مدار الحدث مواقف وظواهر مكنتها من الوقوف بنجاح امام ما تفرضه الاحداث سواء اكان الحدث حقيقة فنية ام موضوعية.
الرائع في الرواية شخصياتها التي وحدتهم الافكار والمباديء بالرغم من التباين في الوطن والدين بحيث سوغت هذه الشخصيات لنا وكل على حدة معرفة واكتشاف حياة كل شخصية وتصوراتها وعواطفها من دون ان نلمس ترهلا او فبركة مقصودة تجمل الحدث وتطوره. فبقيت هذه الشخصيات حتى نهاية الرواية نابضة بالحيوية والعمل والوعي ومعرفة ما يحيطها وما يمكن التوقع به من امور ومشاهد بالرغم من اختلاف كل شخصية عن الاخرى بالمزاج والسلوك والتصرفات التي املت على كل شخصية قوة التاثير والتاقلم والبساطة في التعامل مع الواقع الميداني للاحداث بروحية العارف وارادة السياسي المدرك لماهية ما يحيط به او يشارك فيه.
هذه الملامح التي تظهرها الرواية هنا وهناك دليل اكيد على حدة الوعي وثقافة المؤلف وتاثير ذلك في تحقيق الهدف الانساني الذي يرفض تصنيف الانسان على وفق موقفه الديني او العرقي. لقد ركز المؤلف على ثلاث شخصيات رئيسة ادت ادوارها على مساحة الحدث بطريقة ناضجة ومتوازنة ضمن ايقاعات فنية تقنية عالية مثلت لوحة كبيرة اشتملت على (خالد ـ نذير ـ زاهر). حراك هذه الشخصيات وتفاعلها مع الحدث كان بتاثير الانتماء لتنظيم عقائدي جمعهم ووحد آراءهم بحيث انشأ هذا التوحد واقعا زمنيا رسم تاريخ تلك الفترة ورموزها.
لم يسلك الياس فركوح الطريق السهل في كتابة روايته بل تعمد ان يغور في مسار شاق وكبير لامتلاكه خزينا من الصور والاحداث جعله ذلك الخزين قادرا على مزج وخلط الاحداث ثم ترتيبها على وفق تصوره ورؤاه الفكرية وهذا عُد نجاحا اضيف اليه ولتجربته الروائية بعد تملكه ناصية الدربة والمراس والثقافة الواسعة والاحتكاك بالناس ومعرفة قضاياهم. هذه العوامل والمسببات لعبت دورا كبيرا في بلورة وانفتاح حسه السياسي الذي انعكس على تصرفات شخصياتهم وحراكهم سواء اكان الحراك داخل التنظيم ام خارجه. النجاح هو من يرسم الشخصية ويجعلها طبيعية في عواطفها وتصرفاتها تتنافس وتحب وتكره. تلتزم بالمباديء من دون ضغط او تدخل يثنيها عن واجبها بعيدا عن السقوط في المثالية او الرتابة.
زاهر النابلسي شاب جامعي حبه لمبادئه جعله ينخرط في تنظيم سياسي اعطاه جُل وقته. عمله في صحيفة التنظيم والجامعة وضعه في معادلة التوازن بين عمله السياسي والمهني من دون ان يفرط برغباته واحلامه.
اما نذير الحلبي شاب لا يقل حماسة وانتماء من زميله زاهر. يحب عمله السياسي ويعطيه كثيرا من وقته. يكلفه التنظيم باعمال في لبنان وخارجه. لم يؤثر عمله السياسي على احلامه وعواطفه ولم يثنه ذلك عن اقامة علاقة حب مع ثريا الشابة المصرية التي تعمل في صالة للرقص في بيروت. كان يبادلها الحب كما هي ايضا تحبه وتسهر على راحته وتتابع اخباره ومساعيه فكان يزداد تعلقا بها حتى بعد ان تركت بيروت وسافرت للقاهرة خوفا من الحرب وبهذا شخص المؤلف الجوانب الانسانية فيهما واكد ان الحب يمكن ان يعيش ضمن اجواء غير طبيعية احيانا.
اما الشخصية الثالثة (خالد الطيب) ظروفه لا تقل سخونة عن ظروف الاخرين مسؤولياته المتشعبة في جريدة التنظيم والاجتماعات السياسية لم تلغ عواطفه بل نراه يعطي لعواطفه وضمن هذه الاجواء المريبة نصيبا تمكن من خلاله التعرف على (المدام) وهي امرأة ثرية ترك لها زوجها ثروة طائلة. لقد وفرت له اضاءة عاطفية اشعرته بانسانيته وانتمائه العاطفي. بادلها الحب ولم تشعره يوما بالفارق الطبقي بينهما. هذه العلاقة التي رسمها المؤلف تثبت واقعية الحدث وبساطته ورفض هذه الشخصية للضغوط التي ربما تبعده عنها لان استقلالية عواطفه واختياراته لا تخضع للمنظور السياسي الذي يمارسه ويعيش ضمنه. لذلك اهمية عواطف الانسان وثاثيراتها مهمة في صياغة الشخصية ورفضها لكل ما يسيء لانسانيته واحلامه.
لقد لعب الزمن والمكان دورا توضيحيا في مسار الفعل والحركة لان الزمن يشكل في الرواية عنصر العمل السردي وهو محوري يترتب على وفقه التشويق والاستمرار. فالزمن قد يكون متباينا من شخصية لاخرى ومع ذلك فليس له وجود مستقل في الرواية انما يتخللها سواء اكان حقيقيا ام متخيلا لان واقعية الزمن لا اثر لها في التشكيل العملي الفني يلجأ اليها المؤلف لخلق حالة من الاثارة في ذهن القاريء وكذلك الحال مع المكان بفارق ان المكان يشكل مساحة ذات ابعاد طبوغرافية تحكمها المقاييس والاحجام ونظام من العلاقات المجردة تضفي عليها الرواية الظلال والالوان. المكان في الرواية ليس فراغا بل هو مملوء بالناس والاشياء فجاء دوره اساسيا في تعميق الدلالة ووضع الشخصيات وافعالها.
لقد قربت رواية قامات الزبد المكان من رؤانا حين صارت احداثها واقعية فيها العديد من المعاني والرموز والاشارات من دون الغاء الاشياء فوتوغرافيا من خلال استثارة مختلف الحواس كون الوصف تقتصر وظيفته على الجانب التزييني للاحداث زمانيا ومكانيا بالرغم من اهمية التزيين ومكانته فيه.
اذاً رواية الياس فركوح رواية واقعية زمنية فيها مهارة فنية تستخلص منها التجارب والخبرات فلا غرابة في ان تتبوأ هذه المكانة الكبيرة لانها لم تكن ابدا رواية تقليدية بأطرها وتشكيلها انما هي قبس من حالات شعورية اعطت للخير والشر ثقلا كبيرا خول المؤلف مسح الواقع الاجتماعي من زواياه المتعددة التي ترسم افاق وتطلعات الانسان في واقع مرير تحيطه الحرب والدمار من دون ان يسقط في الابتذال والتصنع.
شخصية خالد او نذير او زاهر شخصية مطوقة بهمومها وظروفها الخاصة لكنها مع ذلك تمتلك وعيا طبقيا جادا وفهما للواقع ميزها وجعلها ما وراء المعنى المباشر وهذا عامل مساعد على تغيير رتابة حياتهم اليومية ومنهج اكده المؤلف ليوضح اهمية كل شخصية في تركيبة الرواية وابحارها في تيار التغيير على وفق مزج الالوان والطرائق باسلوب فني وتجربة ناجحة.
الجميل في الرواية هذا الانتشار الواسع للاحداث والمادة بحيث نشعر ان الحدث يأتي من معايشة المؤلف له والتوافق معه لادخال وتحضير بديع للطبيعة وتلازمها. الانسيابية في الالفاظ خلقت صورا مملوءة بالاحاسيس واستقرارها في نقطة متوازنة مع القيمة التعبيرية النابضة بالحيوية. فاللغة التي استعملها الياس فركوح كبيرة وعالية. زهور ملونة ذات نكهة خاصة طيعة تحمل في ثناياها عطر التمكن والتلاعب الجميل بالمفردات. لغة مؤثرة مغمسة بهموم الناس وقضاياهم مع احتفاظها بتلك الشفافية الساندة لعواطف الشخصيات. لغة طموحة متصالحة فيها العنفوان والتمرد والثورة فيها الولوج لذات الانسان وتمنياته هذا العبق اللغوي شكل ركنا مهما في نسغ الرواية وترتيبها وجماليتها لان نضوج الرؤية نسيج لمضمون جمالية الحدث الذي هو الزمن والتاريخ. لقد كان المؤلف حريصا على الالتزام بالحقيقة والحفاظ على تفاصيلها بعيدا عن المبالغة التي تفسد جوهر الحدث التاريخي للفترة التي مر بها لبنان والصراع الداخلي والخارجي لتمزيق وحدة الشعب.
الفكرة في الرواية تنساب وتنزلق لتشكل نوعا من النتاج المبدع مما يجعل الشخصيات والاحداث حاضرة ومرافقة للمؤلف الذي لا تفوته ادق التفاصيل وابسطها مما يمكنه من معرفة اجواء وتوجهات شخصياته كما لو انه عاش وسطهم فترة طويلة. وبقدر معرفته بهم يستشف مستقبلهم لانه خالقهم وفي عملية الخلق هذه بريق يطور العلاقة بين جميع شخصياته وهذا وعي قبل كل شيء بماهية الجنس الادبي. لذلك رواية قامات الزبد رواية مسلحة بالتقنية والموضوع والعلائق التي ترتبط بجماليات السرد من استنباط الحقائق والاحداث.
اكتشف الياس فركوح اسرار عمله الفني باعتماده العمل التحليلي الجميل الذي يبغي استخلاص جزيئات الرؤية التي كونت وحدة متكاملة للذوق والادراك معا. ان التعرف على وعي الشخصية وارتباطها عمل ليس باليسير بل هو يحتاج لالمام حياتي وثقافي واسع ودربة ادبية تنقل الصورة بصدق مما مكن المؤلف من ان يكون مع المضطهدين الذين يرى نفسه بينهم وهذا صدق وانحياز فكري واظب المؤلف على تكريسه وبعثه في الرواية ليثبت للقاريء قدرة الرواية على التفرع والتعدد الدرامي الذي لا يخضع لنمط انفعالي واحد ولكي تكتسب الرواية منطقها لم تخضع للمنطق التقليدي صحيح ان احداث الحرب الاهلية اللبنانية صداها كبير ودموي لكن المؤلف ارتأى ان لا يظهر ذلك بشكله المجرد لكي لا تفقد الرواية قيمتها الفنية والجمالية ولكي تكون بعيدة عن الرتابة التي تفقدها نموها العقائدي والعاطفي اللذين هما اساس موضوع الرواية. فالشخصيات في الرواية طبيعية. تحب وتكره. تخاف وترتبك وهذه صور بنائية كشفت روعة الحوار الذي كان محاكيا للفعل والحركة والاستعداد لتقبل ما سيقع ويحدث فكانت هذه السمات الانسانية ديدن الرواية ووعيها.
ان رواية قامات الزبد للمؤلف الياس فركوح حققت حضورا واهدافا اوصلت الفكرة ودانت اخلاقيات المغامرات والقتل العشوائي الذي يمارسه تجار الموت ضد شعوبهم باسلوب ممتع ولذيذ ولغة ذكية اكسبت الرواية المتانة والقدرة على الامتاع.























