فيصل عبد الحسن يكتب نحيا الحياة.. المغادرة منطلق إعادة صياغة الواقع
محمد جبير
يرى فيصل عبد الحسن الصراخ عن بعد هو افضل وسيلة للدفاع عن الحق ، فقد اصبح داخل بلده محبطا يائسا لا يمكن له البوح بالحقيقة او ان البوح بها يكلفه رأسه ، تلك كانت محنة الكاتب في ان يكتب او لا يكتب ، الا انه بعد ان انجز مخطوطة الرواية صار القلق اكبر ، اصبحت وليدا مزعجا يريد ان يشق عصا الانتماء للكاتب ويخرج الى القارئ ، وهنا تكمن الخطورة او موت المؤلف ، هل ارادت هذه الرواية قتل كاتبها ؟.نحيا الحياة ، في منجزها السردي النهائي تحمل نصاً مقروءاً وهو الكتاب ونصاً آخر غير مقروء وهو ما بعد الكتاب ، والذي يرتكز على علاقة القارئ بالمؤلف في النتاجات السردية السابقة وفي علاقته مع الشخوص التي انتجتها تلك الحكايات ، حيث تكشف القراءة الداخلية عن المديات الواسعة على افق التجربة الحياتية واستثمارها في النصوص السردية وفق الرؤية التي ينظر بها الكاتب للأشياء الخارجية التي تحيط به من كل جانب.الاصرار على الحياة يبدأ من العتبة التي تبحث عن اسانيد لها في النصوص اللاحقة او الموجودة على ضفاف النص والتي قد لا يلتفت لها متصفح الكاتب او لا يتوقف عندها في لحظة التصفح ، فيذهب من عتبة العنوان الرئيس الى المفتاح الرئيس في النص السردي الا وهو المدخل الاستهلالي ، والذي جاء على الشكل الآتي ” في ليل مظلم غادر بغداد” ” الرواية-ص6″.واذا اراد المتلقي ان يمسك بما تشير اليه رسائل اخرى تدل على معنى النص او مقاربات لذلك المعنى فانه سيذهب الى الغلاف الاخير للكتاب كما اعتاد على ذلك في معظم الكتب العربية لأنها ستكون محملة ببعض الاشارات من الرواية او دار النشر او من كتابات الآخرين ، ممن كتبوا عن تجارب الكاتب السابقة وقد تستغل هذه المساحة دور النشر او الناشر بالذات للترويج للمطبوع بشتى الوسائل الا ان غلاف ” نحيا الحياة” جاء خاليا من كل ذلك ليترك للمتلقي حقه في تسلم الرسالة من دون مؤثرات خارجية وانما يكون مؤسسا على قناعات ذاتية بالنص السردي وبالمؤلف ايضا . سيعود القارئ من ذلك النص البياض في الغلاف الاخير الى نصوص او شواهد الداخل التي ادرجها الكاتب في الصفحات ما قبل الاستهلال لعلها تؤدي به الى رسم خارطة طريق قرائية يهتدي بها الى فك شفرات الحكاية السردية التي تسير بين قطبي المغادرة ليلا وان نحيا الحياة وان كانت المغادرة ليلا في طريق المجهول تؤدي في بعض الاحيان الى تجدد الحياة اذا نجحت مغامرة المغادرة وان فشلت لا حياة تحيا بعد ذلك ، من هاتين الرسالتين هل يمكن لنا ان نبني القراءة على مفتاح تفاؤلي او مفتاح تشاؤمي .يقدم الكاتب شاهدا في الصفحة الخامسة اي ما قبل الاستهلال ، والشاهد نص على الآتي ” امة تطعن حاكمها سرا وتعبده جهرا ، لا تستحق الحياة ” والشاهد قول لجمال الدين الافغاني ، ولم يختر الكاتب هذا القول اعتباطا او انه لا يرتبط بقرار المغادرة ليلا ، وانما ينسجم تماما مع المفتاح الاستهلالي للنص من حيث تحفيز المعنى وتشويق وجذب المتلقي للمغامرة في خوض تجربة القراءة ، لأنه في هذا النص ومن خلال اشارة الشاهد وجود امة منافقة لحاكم مستبد ، رافضة له في السر ، عابدة له في العلن ، فهي تلبس الجبن والذل لباسا لها يميزها عن شعوب الارض قاطبة لذلك لم يعد الكاتب راغبا في الانتماء لهكذا امة جبانة ومن هنا عزز هذا الشاهد بشاهد آخر ، مستل من حكمة قديمة تقول ” اذ يجد المرء الباب ضيقا ، يخلع ثيابه “.نعم ، لذلك قرر ” في ليل مظلم غادر بغداد” ، وهذا القرار ليس مغادرة وانما هروب في ليلة مظلمة لذلك تخفف من كل شيء يثقله في تنفيذ قراره سوى المخطوطة التي تريد ان تطلق عليه رصاصة الرحمة ، فالمخطوطة تريد ان تحيا حتى لو كانت الحياة في داخل الوطن وتكون حياتها موتا للكاتب ،الا ان الكاتب بقي يصارع من اجل بقاء راسه سليما اخفى المخطوطة في انتظار عبور الاسلاك الشائكة في طريبيل ، اذ ان كل المغامرة في اللحظة الاولى هي ” كيف تصل المخطوطة الى خارج حدود الوطن وليس لها قدمان تسير عليهما ، وتتحمل مسؤولية نفسها ، وتنوء بأوزار ما تضمره من كلام وحكايات عجيبة ” الرواية-ص7″.يريد الكاتب ان يحيا الحياة وهو القرار الذي اتخذه في لحظة ادراكه لأنه يعيش في وسط امواج مخاتلة مهادنة ونص حكاية يريد ان يظهر للوجود ليعيش حياته مستقلا عنه ، وهذا ما لا يمكن ان يحدث وسط هذه الامة التي تؤول الباطن والظاهر لصالح الحاكم المعبود علنا ، فإن النص الحكائي يريد ان يبلغ رسالته في ” ان اصرخ لأقول لا لظلم اهلي” ” الرواية-ص12″.فيما يرى الكاتب ان ” امامه عملا كبيرا هو توصيل رسالة الصامتين من اهله على بلائهم الى خارج الوطن” ” الرواية-ص15″.لسارد في هذه الحكاية يريد ان يصرخ مثلما يريد الكاتب ان يصرخ برسالة الصامتين ، كلاهما متفقان على الهدف في كشف البلاء وامتهان النفس البشرية وارتضاء الذل والمهانة تحت مسوغات عديدة مقبولة او غير مقبولة من اجل هذا قرر الكاتب في ” ليل مظلم غادر بغداد” ، استطاع بفضل مومس ان يهرب المخطوطة من عين الرقيب على الحدود لتحيا المخطوطة ويحيا معها الكاتب ربع قرن آخر ليكتب ما يراه كشفا لواقع اقل ما يقال انه لا يليق بالحياة الانسانية فقد امتهنت في هذا البلد الحياة الانسانية بشتى انواع المهانة والذل ، لكن من غـــــــــادر البلاد ليلا ، هل عاش الحياة كما كان يحلم ام انه غادر هاجس الخوف الذي يطارده فقط ، حيــــــــث الكتابة بصدق في ظل نظام استبدادي يعني الموت علنا ، وهل من بقي تحت مطرقة الحاكم الظالم فاقد لحياته ؟. تلك اسئلة نجد الاجابات عنها في روايات اخرى لكتاب عراقيين عاشوا التجربة وكتبوا عنها من دون خوف لانهم كانوا يكتبون خارج الحدود ، وفي كتابات كتاب عاشوا في الداخل وكتـــــــبوا بترميز عال ومرروا رسائلهم من بين اصابع الرقيب لتصل الى القارئ وتلك الروايات تحتاج الى وقفة اوسع واكثر اسهابا . ويكفي ان رواية الصديق فيصل عبد الحسن ، اثارت من خلال رسائلها تلك في دواخلنا الموضوع من جديد لننظر اليه بعين مفتوحة من دون غشاوة او تعمد وضع العصابات على الاعين حتى لا نكتــــــــــشف الحقيقة او لا نرغب في اكتشافها حتى وان كانت واضحة امامنا وضوح الشمس في النهار كما يقال.























