غمار المتغيرات والتجديد في عمود القصيدة -1-
شعراء يرسمون على الأفق خطّ التجاوز
علوان السلمان
لقد صدق سقراط حين قال ( ان الحياة التي لا تخضع لاختبار لا يستحق ان يحياها الانسان..)
والوجود الانساني في ظرفه الحاضر يعيش وسط غمار المتغيرات السريعة التي يخلقها الانسان المعاصر معبرا عن ماهية وجوده الحقيقي وهو يصارع من اجل تلك الماهية والكينونة وتكمن طبيعة هذا التغيير وحتميته بكل ما فيه من تطلع في كل ما يتشكل من مجتمعنا المعاصر من تطلع للحرية والتحرر من صقيع الجمود.. كون شقاء الانسان ينطلق من ادراكه ان ذاته مقيدة باطر الوجود القسرية الضيقة ..وان طاقته تتبدد عبثا في صراع داخلي لان صوته لايتعدى اسوار المحيط المحلي.. وهي تتناسى ان العملية الادبية الابداعية مهما اختلفت اشكالها وتباينت اهدافها وتفاوتت بيئاتها انما هي عملية فنية خلاقة تكون في حد ذاتها نوعا من الانطلاق يسجل انسانية الادب بكل ما فيه من هموم وهواجس واحلام يقظة لتحقيق الطموح..
صرخة ادباء
ومن هنا انطلقت صرخات الادباء شعرا ونثرا بكلمات منغمة تحمل مضامين انسانية بصور يبتدعها الخيال للوصول الى هدفها.. بوساطة الاديب المجاري للحياة بصدق بحكم امتلاكه قدرة على اداء رسالة فنية وهي( التبليغ والتوصيل) كونها عملية انسانية فحواها ان ينقل انسان للآخرين رسالة بوعي مستعملا اشارات خارجية معينة الاحاسيس التي عاشها فتنتقل عدواها اليهم فيعيشونها ويجربونها..) ومن هذا تتجلي طبيعة الاديب الانسانية والفنية وهو يعانق عصره في كل الاحوال والظروف .. لذا فدور الاديب المعاصر يكمن في يقظته ووقوفه بصلابة ضد التيارات التي تهدد ارثه الحضاري وكيانه الانساني مع يقين مطلق بانه صوت العصر ..اضافة الى ايمانه بأن الخلود الابداعي يكمن في انسانيته وواقعيته في التعبير عن الوجود الاجتماعي بعواطفه ومشاعره بمضمون ادبي انساني يجعلنا نبصر ونفكر ونحس.. وهذا لا يتحقق الا باديب يمتلك حرية مطلقة واعية للضرورة .. يعمل بعقل وشعور ويكتب بادراك وارادة واعية لوجودها في مجالها الزمني وتراثها الذي هو (شخصية مستمرة غادرت ماضيها الى حاضرها وقد تغادر حاضرها الى غد..)
وان وراءه عقلية تغلغلت في اغوار الواقع فتمكنت من ان تلد ما يسميه (فاليري) بالحال الشعرية..وان تكشف عن طبيعة الواقع الجمالي وتعايش الفن والعلم.. والشاعر الذي يقدم نفسه وقضيته من خلال شعره هو شاعر اليوم الذي يربط جدليا بين لغته ومفرداته وقضيته وابعادها كي يتجاوز ذاتيته وواقعه الذي يشكل ناتجا طبيعيا(لمحصل ثقافة العصر) هذه الثقافة الهادفة الى خلق مجتمع مثال وهو يأخذ بنظر الاعتبار كل معطيات العصر الثقافية والعلمية والتكنولوجية .. كون عملية الخلق الشعري وليدة محصلة قوى الشاعر الكائن الاجتماعي ـ التاريخي الذي يعي الزمن وعيا جادا وعميقا من خلال مزجه الزمن المعاش والزمن القياسي وبذلك جعل من القصيدة تقترب من واقعها فتستبطن اهم القضايا التي يفرضها الزمن فتقدم صورة حاملة بذاتها همها وهاجسها والآخرين كما في الشعر والوجود او الشعر والموت..وقول الجواهري شاهد على ذلك بقوله..
يموت الخالدون بكل فج
ويستعصي على الموت الخلود
والشاعر المعاصر بمواجهة الثقافة الشعرية وبقواه الذاتية والموضوعية ومكتسباته الحياتية والمعرفية ورؤاه الخاصة عبر العام والانساني وتجربته عبر التقاط اللحظات العيانية بوعي يقف متأملا ودارسا لكي يضيف شيئا من خلال مواصلة كشوفاته ومحاولات تخطيه لاسوار المناهج التقليدية ويخط لنفسه اقانيم تميزه عن سواه..
والشعر الجديد من خلال معطياته ابرز اصواتا متميزة كان صوتها فارضا لنفسه في الداخل والخارج .. فمسيرة الشعر الاجتماعية والفنية بمقدورها ان تتوازى كي تحقق التعامل مع الواقع من اجل تغييره فتصبح عملية الابداع الفني في الشعر تمثلا واعيا للواقع الذي تؤثر فيه ويتأثر بها من خلال علاقة جدلية ينتجها التطور الثنائي ..ذلك لان الشعر هو تحول خلاق من الواقع الاجتماعي الى الواقع الفني.. اضافة الى انه شحنة تشكل طاقة حركية تحول الواقع الفني الى قوة مادية فاعلة.. الى طاقة تغيير في الواقع الاجتماعي ..
لقد اخذ البعض من الشعراء بمفاهيم الواقعية وهم يعبرون بقصائدهم عما يدور في الواقع من احداث واعتمالات ويصعدون هذا التعبيرعلى امتدادات القصيدة وشكلها وبنائها.. وهناك من اتخذ جانب التطور الاجتماعي والفني فجاء شعرهم معبأ بوعي جدلي عميق وابداعا رؤيويا حاملا في طياته علامات الخلق شكلا ومضمونا وايقاعا ووعيا لدوره الفني والاجتماعي.. وقد امتلكت قصائدهم مشروعيتها بعد ان افرزت من الايجاب الابداعي.. اذ فتح اولئك كوة من دثار الحروب والمفخخات فاستقبلوا افق الحياة وبعثوااعمالهم كل حسب طاقته ودرجة اكتنازه الثقافي وحرارة تجربته وعمقها..فلم يستسلموا للواقع ومرارة الايام.. بل ظلوا مع فعل الحياة منشدين.. ففرضوا نتاجهم عبر وسائل الاتصال المقرؤة والمسموعة فقصروا المسافات وحققوا مقولة (المسافة الزمنية تقاس بالانجاز المبدع لا بالسنين عبر ايامها وشهورها..) فالزمن ليس مجرد بل هو فعل متمثل بالاثر السرمدي الذي يحمل رايته دلالة للآتين,, بعد ان قامت جدلية الاجيال حوله ..وهذا ان دل على شيء فانما يدل على فاعليته واثره وتميزه بفعل الاقلام الناقدة ..المحللة للكلمة وقدسيتها بضمير واع محتكم خال من عقدة المجاملة لغرض الاشارة لولادة ادب مفكر..مبدع.. وهناك من كان همه ممارسة الشعر لغرض فني ابداعي متمثلين تجارب شعراء آخرين كاليوت وازرا باوند .. وقد انطلق هؤلاء من محور تحرير شكل القصيدة من الاقيسة والقواعد وجعلها مقصورة على موسيقاها الداخلية ومعتمدة على رؤيوية قائمة على ما للمفردة من دلالة ..فكانت ثورة في الشعر الحديث..
لقد كان ظهور اولئك الشعراء في ظل الاصطدام الحضاري ولهيب التحول في طبيعة الحياة اذ الحروب الطاحنة والحصار والغزو الانكلو امريكي والاحتلال.. فشعراء العمود المتجدد كانوا صوتا رافضا لاشكالات الواقع وكيانا مشحونا بعذابات الانسان وذاته..فتوهج قاموسهم الشعري بشتى الصور التي جسدت الواقع وخطت خارطة الطموح.. فكانوا بعيدين عن صخب الكلمات وافتعال المعاني ..اذ كان تواصلهم مع هموم الحياة وطموحاتها مع عدم الوقوع في شرك المباشرة الساذجة والخطابية الممجوجة.. فالشاعر حسين القاصد يحلق في فضاءات الروح فيعانق العيون وهي تبحر في ابداع المفردة لخلق الصورة الشعرية والتشكيلات الدلالية ..اضافة الى تحملها عمق الحياة مع توقد الحس وسمو الذوق الشعري بتجسيده الادراك الحسي بطبيعة الاشياء..
تكتظ حول ضفافك الاوجــاع
يا بحر ..فالبر القديم صـــراع
والقادمون وصية الاقدار مركبهم اليك .. ومــقلــــــــــتاك شــــــراع
فالقاصد يعتمداً الصورة الفنية لتحريك الخزانة الفكرية وتنشيطها على البحث والتأمل بحكم انتقاله بالشعر من وظيفته الإبداعية التي تعتمد الومضات الإيمائية إلى الفكر.. لذا اتسم بالحضور الواعي عبر بنا سور أفكاره… لان القصيدة هي البناء الذي يؤدي وظيفة إنسانية تحرك الحواس وتوقظها بإثارة الانتباه بالخيال الذي تجعله موضوعا لها عن طريق استخدام تقنية صدمة التأثير بالمفردة والصورة والإيقاع..
اماالشاعر نوفل ابو رغيف الذي يخاطب العراق والطبيعة قائلا..
لولاك يا قلب العراق لما مشى
نــــخل ولا صلى بصبحك بلبل
هذا ترابك بالنــخيل محـــــمل
وانا بنــــخلك والتراب محمل
فانسنة الطبيعة وموجوداتها شكلت روح الرؤية التي كست النص و اضفت على الذات ان ترى نفسها في الطبيعة كما تدرك الطبيعة نفسها في الروح كما يرى شلنج في الصورة الادبية ..والشاعر حين يصل الى هذا الاحساس العميق بالاتحاد مع الطبيعة فانه يكون قد اتحد مع الانسان في قضيته وبالتالي استطاع ان يوظف الطبيعة نفسيا وفكريا وفنيا..وهذا التوظيف الذي يوحد بين الانسان والطبيعة من خلال موقف يتسم بالوعي العميق والرؤيا النافذة.
فالشاعر يؤلف بين التجربة الذاتية في استكشاف غاية الوجود والتجربة الانسانية وهو مبحر في عالم االتأمل منقطعا في عزلته ايغالا في تحسسه مأساته ومعاناته والآخرين .. اذ انه ادرك ان ثمة جمالية انسانية بادراكه الصورة ( الكيان العضوي المتوالد بالحدس النافذ الى روح الاشياء ..) والعبارة وعمق المعاناة ..مع ارتباط القصيدة بوحدة عضوية تنمو حتى نهايتها نافذة في جوهر الاشياء .. وقد عبرت القصيدة برموزها مع بقاء الصفة الفكرية .. التأملية تطغى عليها بنوع من الفكر المكثف المدوي.. فكانت العبارة تنثال في ابياته بقرارها العذب وقدرتها على ابتداع الرؤيا المتجددة من قلب الظاهرة التي يترصدها بصره ويلملمها فكره..
وانا يلملمني ســؤال بــدايتــــــي
من اين؟ من ذا ؟ والجواب معطل
من اين ؟ والايام تنزف نفســـــها
والوعد ينسج واليتامى تـــــــغزل
فالاستفهام يشكل صورة حسية متحركة تستمد حركيتها من دلالة الفعل.. فجاءت الصورة بمستويين اولهما دلالي والثاني اجرائي.. اما التكرار فهو لازالة الشك واضفاء موسيـــــــــــقية على انسيابية القصيدة ..
اما الصورة عنده فقد تحولت بالرمز الى رؤيا تؤكد على الصفة الداخلية المتوحدة مع العالم الخارجي.. وحركة الزمن عبر الايام ونزفها منح القصيدة حركيتها ونموها العضوي مع ابقاء على الوحدة الموضوعية .. فالاحساس بالزمن وتشكيله يتجسد في قصائده بجميع تحولاته في شكل فني .. فالفعل (تنزف..) يحرك الواقع ويتحرك من خلاله حاملا معه ذاكرة الماضي متجها صوب الحلم ..ببثه الايحاء باجواء فوق الوعي من خلال اعتماده هندسة بنائية تتطور من خلالها القصيدة التي اعتمدت الموسيقى الشعرية التي تعد الركن الاول والبعد الاساس في بناء القصيدة الشعرية .. اضافة الى السمات الشعرية التي تبعده عن النظم كالتصوير والتأثير.. والبعد الايقاعي( الموسيقى الشعرية) سواء أكان ظاهريا (التفعيلات) او داخليا تنبعث من الداخل..والذي يعني التدفق والانسياب أو هو: (الفاعلية التي تنقل الى المتلقي ذي الحساسية المرهفة الشعور بوجود حركة داخلية ذات حيوية متنامية تمنح التتابع الحركي وحدة نغمية عميقة عن طريق اضفاء خصائص معينة على عناصر بكتله الحركية تختلف تبعا لعوامل معقدة ..) كما يقول كمال ابو ديب في كتابه البنية الايقاعية للشعر العربي..
اما الشاعر جاسم بديوي فيغني الطبيعة بوعي ودينامية مما تطرحه من مواقف..
اذبت الشمس من بلل الزوايا
وان الى حــداد الليل ســــــر
لان الغابة العـــمياء حـــرف
بلا رأس وان الدفء بـــــحر
فالشاعر هنا مؤثر في البناء الحدثي ومسهم في خلقه شعريا بقدر ما يحمل من وعي تاريخي وحضاري..فهو يحاول الاتفاق مع القيم الحياتية والعمق التاريخي بشكل نفسي (سايكولوجي) بالرغم من المعاناة.. اذ امتزجت رؤاه الشعرية مع رؤاه الاجتماعية فكانت صورة الشعرية.. فالمتأمل في قصائد الشاعر يجد ان الذات والموضوع وقوى النفس مجتمعة خالقة مضامينه الموغلة في العمق.. اذ يحاول بانفعاله الداخلي ان ينقل أسراره في جو من الايماء.. اذ الانفعال الداخلي هو انفعال نفسي وروحي يعاني في الحقيقة فيستحضرها بذاتها..
وقوف عارم يجتاح غابـــي
بأية كوة أبلي انسحابـــــي
وتلك يداي فاغرة هـــــواها
ليغليها الوصول الى سراب
سيجعلك ارتفاع الله رأســـاً
ليشنقك التودد والتصابــــي
ويغلقك النهار وانت تــدري
ليزدهر الظلام على انسيابي
فكل جزء في قصائد الشاعر يصور احساس واقعي.. كون القصيدة( لا يمكن ان تنمو نموا عضويا حياً الا اذا كان لدى الشاعر عصب حدسي يوقع الصور ويضبطها ويمدها بما يبقي على وحدة القصيدة وانسحابها وتآلفها..)..على حد تعبير فاليري..
فالشاعريتناول القيم في الوجود سواء أكانت خارجية تتمثل بالطبيعة ام في النفس(داخل الضمير) وهذا يعني اعادة سلطة العقل فيها وفعلية الواقع.. فظل الشاعر يسجل اللحظات التي تستملكه من اللذة فخلق بذلك اسطورته بيقينه الشعوري- العاطفي الممتد مع خياله..
تدن اليّ لا تغمض عيونــي
ولمّ جنازتي واجمع شجوني
ازح ما تستطيع ودع حبـــيبا
سيذكر ما تيمم من جنونـــي
ولا تخبر سواك لان اهلــــي
(على جسر المسيب سيبوني)
وقوله:-
ليلي نهاري المرور فمن رأى يا ناس ليـــلي؟
انا لم اقل افٍ أقول(افـ.. يـه) يا ريــــحان اهلي
انا لا اجرجر(جاسم بديوي) وليس الماء حبلي
اماالشاعر عمرالسراي ففي شعره تجارب ورؤى وتخيلات لها وجود لذا فهو يقول:
ضيـعت شمسي في خيول الماء من بوح صمتك كي يقول فاشرق
أأسير والطرقات تلجم خطوتي فكأنني في كــل خــــطو اغـــــرق
فهو يتأمل نفسه والعالم المحيط به بعين ثاقبة.. راصدة .. وفكر متحرك لا يعرف السكون.. اذ استاتيكيته تتراقص بالفاظها فيسجل اشياءه في مضامين قصائده بمفردات مألوفة لها دلالاتها وابعادها معتمدا الاستذكار بحلم وحضور واع وبلغة شاعرة تتسم بسمات ذات بنية تركيبية تتشكل من الجانب الدلالي والجانب الايقاعي والجانب الرؤيوي .. فثراء القصيدة الدلالي مع الثراء الموسيقي النابع من مرتكزاته المتنوعة مع تقنية لا تعاني من افتعال هي سر ابداع السراي .. فالقصيدة عنده افراز موضوعي لعمق التجربة في ظل المعطيات الحياتية .. كونها تعتمد الايحاء .. والصورة داخلها تجسد اللحظة الشعورية التي يعانيها .. فهي بمجملها مرتبطة بوحدة عضوية تنمو نموا متوازنا الى نهايتها نافذة الى جوهر الأشياء..
أثلج هوى دمعي ..
ولم براحتيك بكاء شملي
أو سر بعيدا ..
عن لظى بغداد..
لو أحببت قتلي..
فالسراي عبر قصيدته هذه يمزج الحسي بالفكري مستندا على ذاكرته اللغوية وحسه التجريدي .. لذا اتسمت قصيدته بعمقها الايقاعي المنبعث من داخل الكلمات .. كونها مبنية على تتابع الصور وتداخلها.. مستمدة وحدتها من ازمنة مكثفة مع موازاة بين الحسي والفكري عبر تجربته في اطار الذات المفتوحة على الواقع الاجتماعي بما يناسب حدود رؤيته الابداعية..
فالصورة عنده تبدأ فكرة بفعل تجربة.. والنص الشعري اتساق منظم لصور جزئية يفضي كل واحد الى الآخر بشفافية ذات كثافة نفسية وابعاد رمزية كونها (عقدة تتشابك فيها الدلالات الفكرية والعاطفية في لحظة من الزمن ) كما يقول ازرا باوند..فالشاعر يلجأ اليها لاثارة ذهن المتلقي واستفزازه وايصال الحقيقة اليه بطريقة فاعلة .. لانها فسحة جمالية يستحضر فيها الشاعر لغة الابداع المتمثلة بالهيئة الحسية والشعورية .. كون الشعر عنده رد فعل لواقع يعج بالتناقضات بلغة مجازية والتي تعتمد على الصوت والايقاع واستخدام الاستعارة التي تحطم حاجز التوقعات..حتى ان صورة الزمن عنده صارت وصفا لما هو كائن..لذا فهو يغلف عاطفته بضبابية الاسى الذي يعانيه ويعتمل في اعماقه..فكانت انفعالاته محرقة يلفها الالم الذي لاينتهي ..هذا يعني ان الشعرعند الشعراء تفجير لتجربة فكرية لانهم وعوا ان دورهم التعبيرعن روح العصر ..لذا فالقصيدة عندهم تمتاز بسموها الفني وعمقها الفكري..
وها هو الشاعر ياس السعيدي المشارك في خلق عالم مايزال في طور التكوين يقول:
من أي خوف اليك الورد يرتفع
ياعشقهم لشفاه سـوف تنــــدلع
من اين يلتئم الموال يا وطني قد ضاقت الارض والموال يتسع
فالشاعر ان يرسم على الافق خطا يتجاوز به نفسه كما يقول سارتر.. كون شعره يعني في قلب الاشياء والكلمات ممجدا الحياة.. لذا كانت صوره تخرج فيها المعاني وهذا يعني ان لدى الشاعر جمال ومهارة شعرية مبدعة حمل ريشة الابداع ورسم الخطوط.. وله..
انا ذا اراك تبيع الف بـــدايــــة
لنهايــــــة بالانبياء مؤطــــــرة
دمع عليك رماحهم لو لم تــــكن
مأمـــورة لمشت اليك مكـــورة
هل كان رمحا تحت راسك واقفا
أم كان جبرائيل يرجو المعــذرة
معاناة الاخرين
اما الشاعر علي البغدادي فيسجل معاناته الصادقة التي لا يمكن عزلها عن معاناة الآخرين.. فهي ثورة ذات متمردة.. فالحديث في القصيدة ملتهب يبحث عن حل لمأساة متمردة.. وطبيعة الشعر تدفع الشعراء إلى رصد الأمور في خطواتها التصاعدية وتسجيلها ففي قصيدته (إلى عراقي) نجد أن الحديث فيها ملتهب يبحث عمن يطفؤه.. إنها النار التي تلهب الجلود وعندما يتحدث الشاعر عن هذه المأساة يتركها ملتهبة..
مطر عطاياك الجسام..
مع السنين.. تمدها..
ورياض مجدك عاطر..
رغم الفواجع أورها
أبواب فضلك فتحت
واحترت كيف أردها../ ص56
إنها لوحة تمثل توثيقاً لحالة استجلاء عاشها الشاعر مع حنينه ووفائه.. لونها الشاعر بدم شرايينه ورسمها بقلبه.. انه قلب الشاعر (البغدادي) الذي نقلنا عبر قصائده إلى اقانيم أنيسة متميزة بخصوصية تفرد بها في نقد الحالات السلبية وصور المعاناة.. معاناة الذات.. واعتماد النصح والتذكير بحكمة تجر قارئها للتعبد في محرابها.. لما ترصده كامرته البصرية وسلاطة لسانه وهو يبحث عن الحقيقة ولا يخفي ما هو مستور تحت طيات شغاف قلبه فهو الحقيقة بكل أبعادها..
اسلوب الاسترجاع
وهناك الشاعر اجود مجبل الذي يبحر في خضم الذاكرة باستخدام اسلوب الاسترجاع الذي هو نوع من ردة الفعل..لتشكيل الصورة الشعرية التي هي( عنصر بناء عضوي كونها(مجموعة ثقافية وعاطفية معقدة في برهة من الزمن) كما يقول ازرا باوند.. فكانت كثافتها تجمع الايحاءات النفسية والفنية والحلمية..
سوق الشيوخ
وانت وهم مدينة
خسر المحبة وحدهم احبابها
هرموا وهم لم يملكوا
في ليلها سقفا
ولم توميء لهم ابوابها /ص53 ـ ص54
فالشاعر ينثر تفعيلاته الشعرية مع مراعاة المفردة ككيان قائم بذاته ..كونها كائن مرموز يشكل صورة فاعلة بانشداده للصور الاخرى التي تشكل البناء العام للقصيدة بقوة ودقة متناهية تجعل المتلقي يتخيل ابعادها وموحياتها.. ففي قوله:
لنا تحت اختامهم
وطن قليل
تضور فيه العراء
سلام لنهريه
من ظاميء توهم ان القصيدة ماء
توظيف الرمز
فالشاعر يوظف الرمز بدلالات قيمته النفسية والحسية ..لاتصافه بالحيوية والايجاز..كونه يمتلك طاقة هائلة لخدمة الفكرة او الموضوع الشعري..فضلا عن استثماره القافية الوقفة الكبرى التي تكشف لنا عن البناء الشعري بالرغم من تفريق الاسطر وتشكيلاتها الايقاعية..اذ بامكاننا ترتيبها واعادة تشكيلها وفق الشكل الفراهيدي..
وطن تحت اختامهم وطن قليل تضور فيه العراء
سلام لنهريه من ظامئ توهم ان القصيدة ماء
فالشاعر يعزف سيمفونية الصورة بايقاع شعري منبعث من ثنايا الالفاظ التي تشكل نسقا اسلوبيا موزعا على خارطة النص.فضلا عن.توظيفه تقنية التكرار اللفظي المحقق للتوكيد والنبرة الموسيقية..من خلال تسليط الضوء على اللفظ والجملة لتصبح مركز اشعاع في النص دلاليا وايقاعيا.. اذ عن طريقها يتحقق الانسجام الايقاعي الداخلي للنص.. كما انها تقوي الاحساس بوحدة النص الدلالية من خلال مرجعية تنحصر في زمن انتاج النص اولا والخيال والذاكرة المتجذرة في الاعماق ثانيا..فيشكل صوره الشعرية بانسيابية مع محافظة على التآلف بين الحسي(الواقعي) والتخييلي(اللغوي) عبر جمل مكثفة الدلالة..جسدها انزياح الالفاظ اسلوبيا..وهو يحقق حركة المشهد وعاطفته مع نبرات حادة في نهايتها التي تجنح الى الغنائية التي تصاحبها النبرات الموسيقية التي تعتمد الجو الايقاعي لعكس مناخ نفسي..اضافة الى انه يربط تداعياته ورؤاه مع الحسي والمتخيل..كونه يعي ان عظمة الشعر تكمن في تفريغ الكلمة من مكانيتها وملؤها بالزمن على حد تعبير ادونيس..بامتلاكه قدرة الحلول في اللغة والتجربة..
وبذلك استطاع ان يرسم على الافق خطا يتجاوز فيه نفسه على حد تعبير سارتر..عبر تحقيقه لنص يكثف التجربة الشعرية وجمالية اللغة وعمق الفكرة..
اما الشاعر عارف الساعدي فله..
رسمت غيماً ولم أرسم له مطرا
لكنّه كسّر اللوحات وانهـــــمرا
وكان يرسم بلدانا ً ينام بــها لأنّ لوحته مملوءة ضــــــجرا أطفالها لم يناموا منذ أن رســــموا
فهل سيرسموا نوما ً مشبعا ً وكري
وهل سيرسم أما ً حضنــــــها وطن ينام في دفئه من أدمن الســـــــهرا
























