غمار المتغيرات والتجديد في عمود الشعر -2-
بناء روح القصيدة على مسار واحد
علوان السلمان
غمار المتغيرات والتجديد في عمود الشعر
فقصيدة الشاعر تسبح بمضامينها الانسانية المتدفقة داخل فضاءات الصراع بشعرية متناغمة بموسيقاها الدافئة المنبعثة من ثنايا مفرداتها وقوافيها اللينة.. فاللفظة الشعرية عنده فاعلة مؤثرة بتوافر عنصري المحتوى العقلي والايحائي عن طريق المخيلة مع اتصالها بالالفاظ الاخرى حتى نهاية المشهد الشعري الذي يتكأ على شريحة جمالية تعتمد الوجود الطبيعي وذاكرة الاشياء .. بلغة تنقل الواقع المادي المحسوس الى واقع جمالي مثير عبر مخطط البناء الشعري للشاعر..ومصارعة اللحظة بابعادها الاجتماعية والنفسية كي يحقق وجوده وحلمه..لذا كانت قصيدته رؤيا تعبر عن ذاتها بالصورة المتوهجة التي تؤشر الوعي الفني الذي يستثير الكوامن الجمالية بانفلاته من التأطير والانغلاق اضافة الى الرمز الذي هو (تعبير عميق الفكرة مزدوج المعنى..) .
ايقاع عمودي
وللشاعر هزبر محمود في (غريب آخر على الخليج) التي اعتمدت محور الايقاع العمودي المعبرة عن اغتراب ووجع نفسي يفيض بآهات متمردة..شاهدا ابداعيا مضافا لقصيدة السياب (غريب على الخليج) وتعبير عن الذات وهمومها وقد كشفت عن تجليات فرضت وجودها فكانت ردة فعل لواقع يعج بالمتناقضات بلغة مجازية تعتمد الصوت والايقاع والاستعارة التي تحطم حاجز التوقعات..فكانت قصيدة شعرية متسمة بالدينامية المشتغلة على مكونات اللفظة الشاعرة وتأويلاتها ومضمونها الدلالي بصفتها فعل فاعل..
تجيء الى شمس يغازلها الظل
تفتش عن ضوء وظــــلك محتل
تجر صليبا كان يشبه تهــــــمة
ولست مسيحا مثلما ظنك الـكل فعنوان القصيدة يشكل توازيا على حد تعبير ياكبسون.. من خلال مضمونين متداخلين : اولهما مكاني (الخليج) وثانيهما دلالي (الغربة) ..لذا فالنص يشكل رؤية مزدوجة منحصرة في المالوف والمتصور..
واي اختلاف بين شيء ونفســ يريك بان الدمع بــالدمــــــع يبتـل
عجيب لواد ظــل يحضــن نملـــــه
وكم مر من جيش وما تعب النمل
لقد تميزت هذه القصيدة بسموها الفني وعمقها الفكري ..كون الشاعر رسم على الافق خطا تجاوز به نفسه..وهو يركز البحث في قلب الاشياء والكلمات لا سطوحها وحواشيها ممجدا ومباركا الحياة.. لذا كانت صوره الشعرية تخرج فيها المعاني متوهجة تكشف عن جمالية مختزنة في خيال الشاعر وحصيلته الحياتية.. اضافة الى مهارة بنائية حملت ريشة الابداع وخطت خطوطها بثقة عالية فكانت لوحات تشكيلية احتضنت فضاءات الروح فعانقت الاذهان وهي تبحر في ابداع المفردة لخلق الصورة الشعرية والتشكلات الدلالية..اضافة الى حملها عمق الحياة وهمومها مع توقد الحس وسمو الذوق الشعري بتجسيده الادراك بطبيعة الاشياء. ولا تعب العشاق والليل عــــــــاجز على من عدا العشاق يتكيء الليـل
كعين يظل الحزن يخزن تحتــــــها
بكاء ليوم فيه يرتحل الكــــــــــحل
وتوقد نجما كي تزيد حضورهــــم
وتنسى بان الضوء ليس له فضـل
بل الفضل للنزف الذي كان منهــم فقد نزفوا حتى ارتوى التل والسهل
وانت جلبت الصبر..صبرك كـــلـه
فليتك قد ابقيت صبرا لمن ظلـــوا
لان لمن ظلوا متاعب.. وزنـــــها
ثقيل وهم ناس قلوبــــهم رمـــــل
لذا كم تصير الريح كف قلوبـــهم
تعدلها من بعد ما داســها رتـــــل
فالقصيدة تعتمد في بنائها الفني اسلوبين اساسيين :اولهما الاسلوب الحكائي وثانيهما اسلوب تحريك التضاد عبر الحدث..كون التضاد بين الدلالات يثير ايحاء نفسيا ..كما انه يرتفع بالاسلوب الى التعبير الفني الايحائي وتجاوز الدلالة المعجمية للمفردة من خلال لغتها التي اسرفت في تصوير حالة الشاعر الذي عاش في دوامة الصراع عبر مفرداتها(تجيء ـ تجر ـ تواعد ـ تعني ـ يوقظ ـ يحضن ـ يحزن ـ توقد..) الدالة على الحركة الكاشفة عن حالة التأزم والمعاناة التي كابدها الشاعر.. فالحضور المكثف لضجيج الحياة بتواتراته يؤطر الحدث الشعري بتقنيات فنية ذات امتدادات معانقة الاساليب البلاغية من استعارات وتشبيهات..اضافة الى اعتماد الشاعر على نوع من التوتر في بناء قصيدته..التي تأخذ بالتباطوء من الانفعال مرة لتنتهي بالهدوء اخرى ..وهذا خلق نوعا من الايقاع الداخلي عبر ثنائية ضدية فرشت روحها على القصيدة..
اما الشاعر رحمن غركان فله:
نور الهي…
وحب سرمد
طلعا
على الدنيا
فكان محمد
طلعا على كل المسافات التي انتظرت طويلا
كي تباركها يد
يا احمد العربي ..
يا ما يوجد..
ياكل معنى في نقاء المشرقين يردد
ها نحن هذا العصر..
نحمل وحينا
ومسافة الدنيا..
خيار اسود /ص7 ـ ص8
فالقصيدة انفتاح على الحكمة والجمال الذي تميز بدفئه واتساع رؤاه التي ترتبط بالتجربة.. مع تجسيد الاحساس بالزمن عن طريق التتابع الصوري وامتلاكه قدرة على شحن مفرداته بحيوية من خلال البعد الرمزي مع اهتمام بغنائية القافية والايقاع لتركيز المعنى اللذان يشكلان المستوى الصوتي في النص الشعري المقترن بالدلالة اقترانا وثيقا فالقافية تسهم في البنية الايقاعية ..كونها تهيء المتلقي لاستقبال التشكيل الزماني للنص من خلال الاستغراق في قراءة البيت الشعري وقافيته التي تعد وقفة زمنية تأملية..كون الزمن معطى موضوعياً سابقاً لحركة الانسان وفعله ورؤيته..فالقافية جزء من لحمة النص ومكونا بنيويا له ارتباطه الذي لا ينفصم عن المعنى والبنية الكاملة للنص كما يقول جان كوهن في (بنية اللغة الشعرية).. لذا فانها تسهم في خلق فضاء واسع في النص الشعري وهذا يكشف عن دورها الايقاعي والدلالي..
وللشاعرين مهدي النهيري في (وطن في سياق قصيدة ليس الا)ومؤيد نجرس في(حقولات مبعثرة)..حضورهما المميز والمؤثرفي مهرجان الكميت الثالث/2013..اذ استحواذهما على الرؤية الشعرية الحداثوية بشكلية واعية على مستوى اللغة والدلالة والصورة المعتمدة على الجملة المكثفة لغويا والساعية الى خلق انفتاح نصي وثراء دلالي..ابتداء من العنوانات الايحائية المستقطبة للمستهلك(المتلقي) من خلال كثافتها التي خلقت منها نصا موازيا مكتنز الدلالة..مشحون بدلالات معنوية متوهجة تنتمي الى فضاء مكاني..
انا الآن بين الصحو والمحو عالق
امـــوت فاصحو ام اعيش فأمحي
على أية ياريـــــــــح أحمل جثتي
وها بت حلما بالرماد مجنـــــــحا
لكم اغمضت عين البحار جفونها
وزاغت ولكن هاجسي تائها صحا
هي السنوات السنبلات تجــــرأت
فعاثت ولم تحسب حسابك يارحى /مهدي النهيري
ولمؤيد نجرس..
احطت بالجمر اغصانا تواريــــــــني
كي لا ارتق جلباب البساتـــــــــــــين
وان أذر رمال الشيب منـــــــــــكسرا
فتستعيد لصحرائي عــــــــــــــناويني
أنا المحمل بالاسفلت يمزجــــــــــني
دمع فيبدو ترابي سيء الطـــــــــــين
غسلت وجهي بوحي الخبز فانفرطت
على رصيف نبؤاتي شياطــــــــــيني
فالنصان يعتمدان نمط تعبيري متميز بمعطياته الفنية وتقنياته الشكلية التي تستوعب التجربة والرؤيا الشعرية المشبعة بممكنات فنية وايحائية وتخييلية عبر لغة تمنح نفسها فيطوعها الشاعران وفق انسيابية تحمل بين طياتها الواقع ممزوجا بخيال شعري يستمد جماليته من نظامهما البنائي المتماسك بتكثيف العبارة التي ينسجها الشاعران وموجودات الواقع وامتدادات الوجود الكوني والذاكرة التاريخية مع اعتماد المفارقة والدهشة الشعرية..كونها خيار جمالي تتجاوز الاشكال التقليدية..
ليل وكسرة ذكرى وارتعاش يــــد
هذا مضافا الى ما ظل من حسدي
وزهرتان اسمي زهـــــــرة وطنا
وارسل الزهرة الاخرى لغير يــد /مهدي النهيري ولمؤيد نجرس..
ياصاحبي طعم هذا الشاي مختلف
عما شربناه في مقهى المساكــين
اسمال اجنحتي باءت بلا وطـــــن
فهل حريرك قيد الريش يبــــقيني
فالشاعران يوظفان تقانة التكثيف اللفظي من اجل ايصال فكرتهما وينشئان ايقاعا على موسيقا الفكرة عبر التسلسل الحكائي الذي يترجم رؤية عميقة تجاه الذات والذات الجمعي..فضلا عن ثنائية الصراع بين الذات والموضوع بلغة صوفي رافض لتجليات الاحباط الموضوعي من اجل اعادة بلورة التشظي ولملمة شتات الداخل..هذا يعني ان النصان مبنيان على مستويين متداخلين: اولهما لفظى وثانيهما ايقاعي اذ تآلف الالفاظ وتناسب الوزن معيارا لهما.. فنسجا صورا شعرية مركبة تجمع ما بين الاشياء ومدلولاتها والتي تنبني ابعادها على منافذ تشتغل فيها الدلالات والمعاني لتمنح النص الدهشة مع اعتماد لغة تتكيء على المتخيل والذاكرة والحلم لتحقيق الوظيفة الجمالية..
قولوا: المسافة ما بيني وبين فم
احبه..هي ما طعمي بغــــــير فم
فلا بداية للنـــــــــــجوى ولا اثر
للبرتقال ولا قمح مـــــــن الحلم
ولمؤيد نجرس..
ياصاح ذاكرتي شاخت وها نسجت
فيها العناكب اكواخا لتشـــــــــرين
لي فتية آمنوا بالعـشب مذ نضجت
رسائل الحب فــــــي ثغر الروازين
اجراسهم ذبلت عند الصـــفوف لذا
تسرب الحزن من جلد الحياطــــين
فالنصان يستمدان جمالهما من نظامهمها المتماسك نتيجة التكثيف في استخدام اللغة وتداعياتها..فضلا عن توظيفهما تقانة التكرار عبر الاشارة والازاحة الدلالية والمنولوجية والشحنة الانفعالية المتوترة التي كشفت عن الحالة الانفعالية والانفتاح الدلالي والتنغيم..وكل هذه اسهمت في خلق صورة من العلاقات اللغوية المتجاوزة على مستوى الشكل التعبيري والصياغة الشعرية وتقديم نص يحاول ان ينسجم ايقاعيا مع الرؤية من خلال المحافظة على الايقاع المبني على اللقطة المشهدية..التصويرية..فضلا عن انهما يستبدلان مجاز الصورة بمجاز القطعة النصية التي تقوم على المفارقة لتحقيق الدهشة..
كل الحكاية ان الروح آنية
مكسورة وهي لا تشكو من الالم /مهدي النهيري ولمؤيد نجرس..
انا شروق خجول مثقل بدمي
محمل بالندى نحو المطاعين
حملت اكليل انفاسي اجاملهم
ورملهم في فم الاقدار يلقيني
فالشاعران يعتمدان بنية المفارقة المتنامية كنسق جمالي فاعل في نصهما الشعري باعتماد ما هو يومي وجدلي متوحد مع كلية النص المتشكل من وحدات جزئية وانماط علائقية تؤسس بين وحداته تركيبا مكتنز الدلالة..فضلا عن انهما يجعلان من اللغة حلقة وصل للتجربة بتوظيف تقنية السرد واعتمادهما بنية التشكيل لخلق الصور كدالات مجسدة للحظة الشعرية عبر بعدين متلازمين: اولهما افقي يمتد الى فضاءات البناء اللغوي والحدثي الذي يشكل الصورة الشعرية وثانيهما البعد العمودي الذي يشكل البنية العميقة للنص ويكشف عما وراء اللفظ..لذا فالسياق الدلالي داخل فضاء النص يخلق عالما من الاسئلة تنقله الى معنى حلمي يحاول تحريك الذاكرة.. وتقديم صورة ذاتية لايقاع كوني.. وبذلك قدم الشاعران رؤية ابداعية مليئة بالرموز والايماءات التي تسهم في تحريك الخزانة الفكرية لمتلقيها باستلهام مكنوناتها ومتابعة مدلولانها الحسية المتناغمة الرؤى..فكانت نصوصهما الشعرية تبعث على التأمل الذي هو(عملية ذهنية تضفي جمالية للنص الذي يتخذ من الوهج الدلالي ممرا للولوج في عوالم قصية من الابداع التخييلي الذهني والوجداني.. اما الشاعر منعم الامير فينحو في نصه منحى ذاتيا شفيفا ..ووجدانيا مرهفا..فضلا عن استلهامه الطبيعة برومانسية حالمة..
احبك..
ادري باني وهم
يغازل في الليل اوهام ظني
ولكن احبك
حد التوله
حد العبادة
حتى ظننتك بانك اني
ولكن احبك
حد التوله
حد التوحد
حتى ظننتك يا انت اني /ص29 ـ ص30
فالشاعر يستدعي الفاظه التي توحي بمعناها انسجاما مع ما ينسجم وحالته الوجدانية ..اضافة الى انها توحي بمعناها انسجاما مع تركيبها الصوتي..
فهو يحتفي بالمراة حقيقة وتصورا باعتبارها انثى استكملت وجودها حتى بدت طيفا لها مكانة(افروديت) عند اليونان و(فينوس) عند الرومان..وهو يستجيب لها باللون والحركة والتاثير في النفس مع استدعاء آلته البيانية التي يتقن توظيفها لبناء التخييل من خلال تراكم صوره الجزئية واعتماد والبلاغة ..فيقدم نصا يؤلف عالما دراميا داخل النص الشعري..كونه لا يكتفي بالحضور الزمكاني والحدثي وانما يعتمد حركية تهدف الخروج من دائرة الذاتية وتحقيق الانفتاح بحيث يصبح وسيلة لكشف انماط ملتصقة فيه ومتحاورة معه..فكان مسايرا للتحول الذي طرأ على تغيرات ومستجدات الوجود ببوح شعري اقرب الى المنولوجية الداخلية فقدم نصا يحرك الخزانة الفكرية للاسهام في بنائه بتوظيف تقانة التنقيط ..دلالة الحذف والتي تشكل نصا صامتا يحركه المستهلك(المتلقي) ..بالمشاركة في البناء واملاء الفراغات..
توقف…
كي اجيئك من يديا
تجرجرني المسافة(يا..) اليا
توقف…
ككل فاتنة تعرت
تعرت في انـــــــــفاس الحميا
فرحت افض اختام القـــــناني
وتلثم كرمة النــــــــشوى يديا
وتزرعني الدروب الليس تاتي
على ذكرى مفارقــــــــها محيا /ص19
نص حداثوي
فالشاعريقدم نصا حداثويا بتوزيع التفعيلات التي هي فراهيدية النسق والبناء متميزا بالتامل الذي يحرك الذهنية الفكرية من خلال التقشف في العبارة وخلق صور تقوم على التشبيه والاستعارة والانزياح..فضلا عن التعبير عن الابعاد النفسية والتخييلية والانفعالية والانسانية.. بتوظيفه بعض التقانات الفنية كالتكرار الذي اضاف نبرة موسيقية على انسيابية النص من اجل تفعيل الاثر الحسي والذهني..وتعريفه الفعل من اجل اضفاء ثقل الاسم عليه وشحنه بشحنة دينامية تنقله من حيزه اللغوي المألوف الى معنى اكثر اتساعا.. الامر الذي منح النص الشعري جماليته من الناحية الفنية واكسبه مضمونا عميقا من جهة اخرى.. كي يكون محققا لاثره في متلقيه.. اما الشاعر وليد حسين في نصه (عودتني) ..يحاول الانفتاح على عوالم متنافذة بمستويات متفاوتة يعتمدها في بناء نصه الشعري ابتداء من الفكرة ومرورا باللغة والصورة ليخلق عوالم الواقع المامول..من خلال تعبيره عن ذاته وتصوره للاشياء والاحداث بطريقة تثير المتلقي وتسهم في نبش خزانته الفكرية للتامل والتاويل..
عودتني في الليل وحدك
رفقا..اذا صعرت خـــدك
وانا رهين بين عـــــلات
هتكن الستر عنـــــــــدك
فالشاعر تسيطر عليه المؤثرات الخارجية مسهمة في بلورة الفكرة والاستغراق في عوالمها فتندمج بوجدانه وتحضر في صوره ودلالاته بلغة تمتلك مؤثرها الجمالي وقدرتها التواصلية المانحة للصورة الشعرية المكتنزة بمضامينها النفسية والاجتماعية التي تتفاعل ومنظومة القيم الجمالية..
مالي اغمغم سادرا
مترقبا للان..ردك
متلبدا بالصمت لو
ظلي يبوح ليسترك
فالشاعر يدخل سايكولوجية التواصل الشعري (بوصفها خطابا غنيا بالدلالة..)ليحقق الامتاع والاقناع في نصه الملائم بين الموقف الشعري والايحاء النفسي.. من خلال توظيفه المفردة الشعرية ذات الدلالة الجمالية..التعبيرية..التي تلامس ذاته المتوترة شعريا والمشحونة بجوها التاملي..فيقدم صورا ببوح شعري مخزون في دواخله يعكس مدى ارتباطه بموضوعه الشعري..
باعدتني زمنا ورحــــــت
على اختصاري كي يشدك
آمنت انك مهلـــــــــــــكي
ارهفت في الغزوات قـــدك
فالشاعر يمزج في صوره الشعرية التخييلي والحسي ليخلق موقفا يطرح فكرا ويكثف تجربة بلغة تحمل روح الموروث وفصاحته مستعينا بقدرته اللغوية ورؤيته الشعرية المتصلة بطبيعة تكوينه الفكري والروحي..لذا فهو يتفاعل مع واقعه بكل موجوداته عبر توظيف ضمير الغائب ليجعل من المتلقي حاضرا بوجده ووجدانه..متاملا ومنقبا في ثنايا النص للكشف عن كوامنه وحل رموزه..كونه نص مفتوح بتجاوزه الازمنة واشتغاله على اليات ابداعية تمزج ما بين الذاتي والموضوعي وفق اشتراطات فنية ولغة خالية من التقعر ..
وبذا يقدم الشاعر نصا يتسم بالجدية وعمق الايقاع مع تتابع الصور وتداخلها..برؤية ابداعية متناغمة الرؤى..متفاعلة في انساق مكتظة بالحيوية تمزج الحلم بالخيال في سياق حسي متواصل مع الحياة والواقع بكل موجوداته بذهنية متحفزة فيقدم رؤية شعرية تلخص الواقع بكل موجوداته..
اما الشاعر حمد الدوخي فالنص عنده لا يبتعد في اطاره العام عن عمود الشعر المتمثل في وحدة البيت والقافية..الا انه يحمل بعدا دراميا يعتمد المفارقة..فضلا عن انه يوازن بين الحسي والذهني فيسبر اغوار النفس وفق رؤية تلامس الواقع وهي توظف رموزها لتعميق مضامينها مع تجاوزها الفكرة الى مضمون اعمق واكثر شمولية..فهو يتقمص صوت الانا ليكرس صوت الشعر بجمل مكتنزة تلتهم الفراغات حينا وتجتازها اخرى موظفا تقانة التنقيط دلالة الحذف كي يجعل من المتلقي فاعلا ومسهما في بناء النص..اضافة الى ذلك فان ذاكرة الحدث في جميع انثيالاته تختصر الزمن..
للهوى في دمي
مدى وبيوت
وطيور
اذا انام تموت
وسؤال
لطالما نسجنه
في رؤى
غار لثغتي
عنكبوت
كان للنهر
دربه فوق كفي
كان يلقي
تحية ويفوت
مرت الخيل
والطيور توارت
والمدى فر
والاغاني سكون ص17 ـ ص18
فالنص يحفل بانزياحات الذاكرة التي هي(خطاب معرفي) مع احتفاظ بالهوية الابداعية التي تاسست على متكئات ظلت قائمة بالرغم من كل التحولات التي افضت على الشعرية تاريخيا(اللغة ـ الصورة ـ الايقاع)..فضلا عن اشتراطات تقنية اخرى (السرد ـ الحوارـ التناص..) والتي اسهمت في صياغة الصورة الشعرية المتناسبة واللحظة..فضلا عن انه يوهم بحداثوية شكلية وحقيقة الامر انه يمثل لغة حداثوية باطار وشكل فراهيدي لخلق لوحة لغوية مكثفة ملؤها اللفظ ورونق انبعاثها المعنى..واطارها تفعيلة مموسقة بقافية موحدة ( بيوت ـ تموت ـ عنكبوت ـ يفوت ـ سكوت..)..فكان نصا متصاعدا باسلوبيته التصويرية التي رصدت طقوس الواقع الاجتماعي ووظفت تقنيات التنقيط والتقطيع الجملي الذي هو انعكاس للحالة النفسية للشاعر الذي استطاع استدراج الشعر الى منطقة متجاوزة للواقع..فاعلة بجمع الازمنة وتكثيفها فقدم نصا دافئا خارج اشكال التخندق النمطي بحضور الشعرية كاستحقاق وهاجس(عمود ونثر وتفعيلة)..فصارت القصائد (تاتي كما يحلو لها مادامت تتبنى التقنيات والاساليب التي تمكننا من ادراكها وقراءتها كشعر..)على حد تعبير لوتمان في تناوله للنص الشعري..
اما الشاعر احمد كريم العلياوي فقد استخدام تراكيب فعلية متساوقة زمنيا في نصه(الق دمك).. كي يؤكد حضور الفعل.. واسهامه بشكل فاعل في بناء النص واسهامه في انبعاث الصور الشعرية ممتلئة ومكتظة بالافكار والاستعارات من خلال التضاد الحاد..اضافة الى توظيفه الرموز وموحيات البيئة لمنحها دلالات عصرية تتشكل داخل بنية الحدث الدرامي ومن ثم تعميق الصلة الشعورية بين المتلقي والرؤىالشعرية من خلال المزج بين الاسلوب الواقعي والرمزي لتفجير الدلالة ومنح الاحساس روحا متجددة.. فكانت لوحات متحركة ..متفاعلة مع تفاصيلها بتداخل صورها المستمدة من الطبيعة وعناصر الوجود.. والصور المستمدة من الاحداث التاريخية ..كون الشعر (صياغة وضرب من التصوير) كما يقول الجاحظ.. فكان عناق اللحظات المتجمعة عبر الازمنة مما اكسب النص قدرا من التكثيف ..وتشكيل اللحظة الاتقادية المؤثرة ..لان الشاعر لا يتحكم بمشاعره بشكل مفتعل بل يتيح لتوهج التجلي لفعل فعله الابداعي..
منعوك ورد الماء ..كنت مــلبــدا
عطشا.. وصيف رفضك غيـــــما
وطأت جبينك خيلهم كي يهشموا
فيه الكرامة ,, فاستشاط ودمدما
فكبت خيول الليل عندك ســـــيدي
واعدت ليل العاديات مهشـــــــما
لقد حاول الشاعر صهر تجربته الداخلية بقراءة التاريخ بمنطقية لاحتواء الحدث ..فكان همه تجسيد الملحمة برؤى فلسفية تعتمد الحضور في الحضور والحضور في الغياب..
هم مشركون وانت تعلم انـــــــــهم
لايسلمون … وكنت وحدك مسلــما
يوم التقى الجمعان هذا يومـــــــهم
لا فرق فالجمعان ما زالا هـــــــــما
فالنص يتعامل مع الرموز بواقعية تهتم باللحظة مع اتكاء على الحدث التاريخي ومن ثم النفاذ الى ما وراء المألوف من الافكار مع تجسيد الالتحام بالشخصية الرمز والذوبان في دواخلها دراميا ومن ثم الغوص في معناها حتى صارت نبضا تمحور في وجدان الشاعر العاطفي ..فالحسين الكاشف عن سره الانساني العميق من خلال تجربته الحياتية ..المتمردة على خروج الحكام عن الدين وقوانين الحياة ..فاختار الشهادة من اجل حياة الروح ..والحرية مقابل العبودية والعدالة مقابل الظلم والحقيقة الربانية والايمان مقابل الفوضى والفساد..
انفتاح النص
اضافة الى ذلك انفتاح النص على الحكمة والجمال الذي تميز بدفئه واتساع رؤاه التي ترتبط بالتجربة ..مع اشتغال على الثنائيات(السكوت ـ التكلم / البصر ـ العمى / الظمأ ـ الروي ..) مع تجسيد الاحساس بالزمن عن طريق التتابع الصوري وامتلاكه قدرة على شحن مفرداته بحيوية من خلال البعد الرمزي مع اهتمام بالايقاع والقافية لتركيز المعنى..كونهما يشكلان المستوى الصوتي الفاعل في النص الشعري المقترن بالدلالة اقترانا وثيقا ..فالقافية تسهم في البنية الايقاعية اضافة الى انها تهيء المتلقي لاستقبال التشكيل الزماني للنص من خلال الاستغراق في قراءة البيت الشعري وقافيته التي تعد وقفة زمنية تأملية ..مضافا اليها التنقيط دلالة الحذف.. كونهما جزء من لحمة النص ومكونا بنيويا له ارتباطه الذي لا ينفصم عن المعنى والبنية الكاملة للنص كما يقول جان كوهن في (بنية اللغة الشعرية)..اضافة الى انها تسهم في خلق فضاء واسع داخل النص الشعري..وهذا يعني انه للقافية دوران اولهما ايقاعي وثانيهما دلالي.. هذا يعني ان قصيدته قصيدة تبني روحها على مسار واحد وبنية واحدة وهي تنطوي بحركاتها المتناوبة بانسيابية لينة والتي تكشف عن اسرارها وهي تغسل الوجع الانساني برمزها الروحي المتجدد مع الازمان..وبذلك قدم الشعراء المحدثين تجربة ناضجة تتسم بالوعي الواقعي المقترن بالوعي الفني الابداعي الذي اساسه الموقف الفكري والرؤية الثورية اللذين بوساطتهما يكشف الشاعر عن المضمون الانساني الذي يمثل(حضور القصيدة) كما يقول ادونيس..فضلا عن اعتمادهم القافية المكون البنيوي للنص ..كونها ترتبط بالمعنى وتوفر تشابها على المستوى الصوتي ذا أثر في تطوير المستوى الايقاعي وتسهم في اتساع فضاء النص الذي يتكأ عليه الشعر ..هذا يعني ان للقافية دوران اولهما ايقاعي وثانيهما دلالي ..
وبذا قدم الشاعرالحداثوي نصوصا ظلت وفية للتشكيل التقليدي مع اعتمادها اسلوبا بنائيا يحاول ان يوهم المتلقي بانها تنتمي الى الشكل الحداثوي بتفريق التفعيلات على صور متفاوتة في كل سطر شعري..وهذا شكل ظاهرة شعـــــرية اكدت وجودها من خلال اصوات شــعرية امتازت بتجانسها الفـــــــكري واحساسها العميق بمأساة الوطن في الاختيار الحضاري.. وبقدرتهم في خلق قصيدة تمتاز بســـــــموها الفني وعمقها الفكري..
























