عيد ميلاد – حمد علي حسين

قصة قصيرة

عيد  ميلاد –  حمد علي حسين

 إلى مَنْ يحتضن الحياة بذراعين مفتوحتين .

افقت من هدأة حلم يقظة ، كانت إغفاءة أرسلت في اوصالي موجة خدر لذيذ ،  افقت بعد أن تناهت إلى سمعي موسيقى عيد الميلاد التقليدية ” سنة حلوة يا جميل / هبي برث دي يا جميل ” فادركت انه احتفال بعيد ميلاد شخص ، ربما طفل ، تساءلت في نفسي لم لِمْ يكن هذا هوعيد ميلادي ، فما من مرة أحتفل أحد به ، لقد حرمني الزمن من هذا حتى اني لا اعرفه ، ربما حتى أبي وامي لا يعرفان ذلك ،  ربما كانا فرحين بمولدي كما فرحا بمولد أخ أواخت لي فيما بعد. خطرت فكرة  لي بأن أسأل أمي عن ذلك قد تتذكره ، شعرتُ في عينيّ  طيف التماع بريق مفاجئ ، ربما قد تتذكره، فما بوسع احد غيرها ان يعرف ذلك اليوم  فانا  وليدها البكر.

عدتُ في ذاكرتي يوم اقفلت راجعا إلى دارنا البسيطة لا سأل امي عن يوم مولدي، لم أجدها في فناء الدار كدأبها، قد تكون في غرفتها تأخذ قسطا من الراحة بعد كدحها أمام التنور طوال النهار وهي تخبز للناس بالأجرة، فقدأعتادت الأستيقاظ مبكرة كل فجر لتهيئ كل شيء . رايتها تخرج من غرفتها وما تزال وسنى وما تزال غدائرها تتموح فوق رأسها حيث لم يكن بوسع عصبتها ان تحتضنها ، كانت تغالب أثار وسنها منشغلة بترتيب غدائرها التي دبت في بعضها خيوط من الشيب الوليد.سألتها وهوانا اقف أمامها ” هل تذكرين يا أمي تأريخ ولادتي ، يوم مولدي ، الشهر والسنة ؟” نظرت اليّ  مستغربة ثم جاءني صوتها خفيضا وهي تعاتبني” أمن أجل هذا جئت تحرمني لحظات راحة يا ولدي؟” أني أستيقظ مع العصافير كل فجر جديد، اني لا اعرف ، لم أسجل أسمك في دائرة النفوس إلا بعد أن رُزقتَ بأخيك الثاني ، أنني لا اعرف متى” تخضل جبيني خجلاً وأخذ ت أتطلع في قسمات وجهها التي أضاءته بسمة رقيقة شبئا فشيئا بعد مازالت عنه تقطيبة ضيق ثم سألتني” ما الذي حملك على ان تسألني هذا السؤال؟ ” أتريد ان تعمل حفلة مثل الريس؟ أذهب وأحتفل معهم ، عندهم شموع كبيرة وكيك كثير وموسيقى ، أنها حفلة وزن ” ثم نظرت إليّ بعتب جميل وقالت ” إنك بطران يا ولدي ، نحن وعيد الميلاد “كوجا مرحبة” هل شبعنا خبز حتى نوزع الكيك ؟ عندما سيكون لك أولاد ، اقم لهم حفلة عيد ميلاد، ” لذتُ بجدار الصمت ولا يزال جبيني  مخضلاً.

كانت إطاعتنا لأمنا تمنحنا نوعا من الإرتياح وغالبا ما نجد فيها نوعا من العزاء لما كانت تعاني من أجلنا كدحا وفاقة وعوزا وحرمانا  فعددنا كثيرورزق ابينا شحيح، عامل للنقل الجص والطابوق على ظهر حماره الذي كنا نحبه كثيراً. كنت أشفق على أبي وأنا اراه يهرول خلف حماره في الطريق وكان هذا ما يزيدني شقاء ويحملني على التفكير بحالنا وبإصرار ابي على ضرورة ان انال التعليم العالي اسوة بالأولاد الآخرين، هذا ما كان عليه حالنا بؤساً طوال سنين وكانت إطاعتنا لأبوينا تبعث فيهما شعورا  بالرضا فيركنان إلى نوع من السكينة وخاصة امي  وقد تجيش في نفسها اكثرمن رغبة. فجأة  وجدت في نفسي أشفاقا وربما بكاء مواساة لها في حرمانها الذي كان وشيجة لها من زمن بعيد حتى انه بد لي  انه يصم اذنيه عن دعواتها بالرفق بها وكأن في سمعه وقرا .

          راحت صور من الماضي تندلق في ذاكرتي الخرساء وتنثال عليٍ شريطاً سينمائيا وبدت الجروح تنكأني من دون شفقة. لا أريد أن يكون الشقاء والحرمان حظنا من هذه الدنيا، الحظ المنكود  وكثيرا ما  كنت أشعر ان الحرمان والعذاب والفقر رفقاء الدهر لنا حيث ليس بوسعنا ان نجد أي خلاص منهم ، كانت العلاقة معهم  مثلها مثل الزواج الكاثوليكي وكم تمنيت النأي عن تلك الأفكار التي كانت هموما كثار.

          لا تزال أصوات  موسيقى عيد الميلاد التقليدية تنساب مع نسيمات السماء، شعرتُ بوخزة توقظ فيً حرماناً يسكن خاطري منذ سنين خلت، ثم أخذتني نوبة من عتاب مع نفسي : علامَ كل هذا الإكتئاب يا رجل؟ ماذا يعني الحرمان من عيد الميلاد ؟ فما أكثر لحظات الحرمان في حياتي؟ أن الحياة نهر فيه لذة للشاربين منه ، انها لحن جميل حتى في شجونه فعلام أراني في خصومة معها؟ حظرت في خاطري فرحة أبويً يوم نجاحي ونجاح أخوتي، أليست فرحتنا بملابس العيد الجديدة فرحة لا تُنسى ؟ وعلام هذه التقطيبة ؟ لسنا وحدنا الذين هجرهم عيد الميلاد ، لكن لِمَ لا نحتفل بأيام فرح أخرى وهي لا تزال حية في الذاكرة ؟ فليذهب عيد ميلادي إلى الجحيم. وجدتني اقترب من الدار الني تحتفل ، رأيتً مظاهر الزينة بادية على مدخل الدار، اشرطة ورقية ذات بريق متعددة الألوان وثمة بالونات صغيرة تدلت هنا وهناك ، كانت روائح المأكولات والمعجنات تتسلل مع أنغام الموسيقى وأصوات الصبية .

          كان صبي في العاشرة من العمر يجلس وحيدا على الرصيف القريب من الدار وقد شُدتْ لها نظراته المنبهرة، أرتسم الحرمان على ملامح وجهه الصغير ، وقد بسط ساقيه امامه وبدا لي انه قد أوصد نفسه على ما كان يجري في تلك الدار من بهــــــرجة ومرح وفرح.

 دنوتُ منه، كانت البساطة تضفي على محياه أطياف سذاجة وطيبة وفرح طفولي ملائكي إلا أن نظراته توحي بما يعتلج قي قلبه وبما يدور في خلده ،قد تراوده رغبة في ان تسنح له فرصة الدخول والحصول على الكيك والعصير والحلويات والرقص مع الصبية . كانت أنسام المساء الوليد تطوف محملة بإنثيالات الفرح وعبق الزهور والعطور .

          دنوتُ منه ، كان مسرحا بصره نحوالدار ، وقفتُ عنده ، رفع رأسه إليّ ، فبتسمتُ له بود . قلتُ تريد الدخول ، اليس كذلك ؟ نظر إليّ وقد أتسعت أسارير الفرح الطقولي في وجهه ، همَ واقفاً وهويقول ” حقاً عمو؟ أ أستطيع الدخول ؟ خذني إليهم ، اني لا أعرف احدا هناك ولكن معك سأدخل ، هيا ، ” ذهلتُ لحماسته وشدة رغبته .

 مددتُ له يدي لأحتضن كفه الصغيرة ثم توجهتُ إلى الدار التي لم أعرف أحدا فيها سألتُ عن صاحب الدارـ بعد برهة أتاني والدهشة تفترش وجهه الأنيق الحليق للتوقال ” تفضل ، خير أن شاء الله ؟ أجبته بنبرات هادئة  ورصينة : ولدي يروم مشاركة أولادكم فرحهم ، هل تتفضل بالسماح له بمشاركتهم ؟ بهت الرجل وشرع ينقل نظراته بيني وبين الطفل وانا لا أزال ممسكا بكفه الصغيرة، ثم وجدتُ الرجل يبتسم لي وهويفسح الطريق للطفل الذي اطلق نحوالصبية من غير ان ينظر إليّ شكرتُ الرجل ثم ودعته وقفلتُ راجعاً إلى البيت ورأسي تعجع بصور ما سيفعله الطفل هناك .