طاقة دفينة

طاقة دفينة

عبد الصاحب محمد البطيحي

نورُ الفجرِ الباهرُ تنتشي به الأكواخُ المغلقةُ ، نسائمُ الصباحِ تعبقُ بها الأجسادُ انتظاراً لحلمٍ جديدٍ . يسيرُ رعبستان ،مخلفاً الأكواخَ وراءَه ،  متعثراً في طريقِه ، مترنحاً في مشيِه  ، حذراً ، متردداً أحياناً ، وأحياناً أخرى مندفعاً الى الأمامِ في خطواتٍ متسارعةٍ . يزوغُ بصرُه من ناحيةٍ الى اخرى ثم يبسطُ يديه الى الأمامِ أو الى الجانبين خشيةَ أن يتعثرَ بشيءٍ ما . هو طويلُ القامةِ جداً ، هزيلُ البنيةِ جداً ، ضعيفُ البصرِ نهاراً على نحوٍ بائسٍ بيد أنه غيرُ مكترثٍ ، يظل صابراً حتى انحسارِ النهارِ على مهلٍ ليسودَ الظلامُ بعتمتِه الثقيلة.الليلُ عنده نورٌ. يرددُ تراتيلَه ، موحياً لنفسِه أنه يلبي النداءَ  . تنتشي دواخلُه بصمتٍ  يعقبه عنفوانٌ يؤججُ طاقةً تسري في اطرافِه بعد أن تنكشفَ أمامه فسحةٌ من أرضٍ مستويةٍ تتخذها ثلةٌ من شبابٍ مجلساً . يتجمهرون  حوله ،يخاطبُهم بلهجةٍ آمرةٍ :

 أنبئوني . .

ينتصبُ  أحدهُم ، يقولُ مبتهجاً : ” أنا وصاحبي هذا مشينا بين حدٍ من الناسِ الآمنة وهي تعبرُ جسراً نحو ( أرضٍ مقدّسة )، صحتُ محذراً من وجودِ شخصٍ مندّسٍ يحملُ قنبلة ، هربَ صاحبي مُجاهراً بالهلع. سادَ الرعبُ ، تدافعَ الجمعُ : رجالٌ ، نساءٌ ، أطفالٌ . . وتهاوى سياجُ الجسرِ . انا وصاحبي تمتعنا بالمشهدِ : عويلٌ ، أجسادٌ تسحقُ اجسادا ، عباءاتٌ لنساءٍ تتطاير، أطفالٌ تسحقُها الأرجلُ ،والمياهُ تطفو على سطحِها جثثٌ . . مشهدٌ رائعٌ ! “

يردد المكانُ الهتافَ والصفيرَ ابتهاجاً. يحملُ الأثيرُ هياجَ الصوتِ مبتعداً ليتلاشى في الأفقِ البعيدِ .

يقولُ كبيرُهم بعينينِ  واسعتينِ وفمٍ يبتسمُ :  وماذا بعدُ ؟

ينهضُ صبيٌ ، يروى، ضاحكاً ،حكايتَه مع الناسِ ، يعقبُه آخر والكبيرُ يزدادُ زهواً .

” حسنٌ أيها الرفاق ، ازددتُ اعتزازاً بكم . سأبلغُ الكبيرَ بذلك  .”

وهو في عودتِه يشاهدُ حفلَ عرسٍ . يهاتفُ أصحابَه :

 أعدّوا لهم حزاماً ناسفاً

يواصلُ سيَره ، تطلعُ الشمسً ، يتمللُ ، يرتجفُ ، ينزاحُ عنه بدنُه الدنيوي ، يغدو  هيئةً هلاميةً  ، لونُها كالحٌ أسود ، تندفعُ الى الأعلى خرطوماً يأخذ بالامتدادِ ، ينتشرُ ، يختفي اللونُ ليوغلَ نَخراً  في جزيئاتِ الحياةِ .