صورة فوتوغرافية**
عوّاد ناصر
أمامي صورة فوتوغرافية يظهر فيها شخصان يمثلان المفارقة والاتساق جدنا المرحوم محمد مهدي الجواهري وحفيدتنا الحلوة أوس الجزائري.
المفارقات أكثر من أن تحصى فجدنا جدّنا وحفيدتنا حفيدتنا، وما الزمن هنا سوى ما يظهر في الشيخ التسعيني، وقتها والطفلة الحفيدة التي لم تكمل عامها الأول، والشيخ مذكر والطفلة مؤنث والجد الشيخ شاعر والطفلة لم تجد الكلام بعد ولا تعرف هذا الجد الذي تجلس في حضنه وماذا يعمل، وما هو الرابط بين الإثنين بين الحفيدة التي لم تعرف النطق بعد بجد قوّال، فصيح القول ومُعجِب ونجم كبير.
الاتساق هو ما يجمع بين الإثنين بدءاً بالعلاقة الخاصة التي تربط بين الجد والحفيدة، حيث أتيح لطفلة أن تجلس في حضن جدها، ليلتقطا صورة فوتوغرافية.
تتوفر المفارقات في حياتنا المصورة، أوغير المصورة، لكن الاتساق قليل، لكأن حياتنا محكومة بقانون المفارقة التي خلقناها لاختراق النسق والاتساق.
إنه سبب منطقي كي يجهد العلماء والمفكرون والفنانون وصناع الرأي إلى اكتشاف النسق والتوصل إلى منطقه الصعب حتى لو كان عبر استعمال المفارقة لماذا تسقط التفاحة ولا تصعد إلى الأعلى؟
بين الجد والحفيدة نسق الشعر والطفولة في الشعر الكثير من الطفولة وفي الطفولة الكثير من الشعر.
الصورة، دائماً، تاريخ.. تاريخ يبدأ منذ ومضة الكاميرا مؤذنة بانتهاء الحدث.
غير أن الشعر فعل في المستقبل، مهما استعان بالماضي واستأنس به.. حتى لو فكك الحاضر وشجبه وقال فيه ما يفنده.
هنا، ثمة فارقة أخرى لكنها من النوع الذي يسعى في البحث عن الاتساق.
يجلس الجواهري على أريكة تقليدية معتمراً طاقيته الشهيرة مرتدياً بدلة بنيّة وقميصاً أبيض تشد ياقته ربطة عنق. بان جلد يديه المتغضن بأصابعهما الطويلة وعينان متعبتان لفرط تفحص العالم تعلوهما نظارة طبية سميكة.
تجلس الطفلة بحضن الجواهري والإثنان يتطلعان إلى العدسة باستسلام ورضا. الجواهري يتطلع بتلقائية محايدة لأنه نجم ألف الأضواء والكاميرات، بل الحشود الغفيرة، لكن الطفلة تتطلع ببراءة لا تخلو من دهشة ما هذه الآلة الغريبة التي أراها أول مرة؟
عينا الجواهري رأتا الكثير وعينا الطفلة لم تريا، بعد، إلا المتاح والضروري.
عيناه رأتا العراق من النجف حتى أبعد نقطة في صحرائه الفسيحة هناك كتب أم عوف مروراً بقصر الملك حتى أفقر كوخ، ومن ساحة السباع حتى الجسر.. وفي مغترباته حنّ وتأرق وتغزل بجين الانكليزية وبائعة السمك التشيكية وتلك التي قال فيها جربيني من قبل أن تعرفيني» وإذا ما ذممتني فاهجريني وله في الأمميات من سباستيبول حتى ستالينغراد وما لا قبل لنا به في عمود صحفي صغير.
لكن تلك الطفلة لا تعرف شيئاً حتى الآن، وربما لن تعرف أنها جلست، ولها من العمر، أقل من عام، في حضن أشهر شاعر عربي.
حتى لو رأت الطفلة أوس الجزائري هذه الصورة، وقد تجاوزت اليوم أكثر من عشرين عاماً، فلن يعنيها الأمر كثيراً. فهي ليست معنية، في لندن التي تغيّر من تاريخ وذاكرة ولغة واهتمامات أبنائنا، بصورة عمرها حوالى ربع قرن وهي طفلة تجلس في حضن شيخ راحل حتى لو كان أشهر أو أكبر الشعراء العرب المعاصرين.
هل كان الجواهري يجلس طفولته في حضنه أم تراه يحتضن ماضيه الموغل بالتشرد والتألق؟
هل كانت الطفلة جملة صغيرة تجلس في حضن التاريخ وهي تجهل الأزمنة كلها؟
إذا كانت الصورة تاريخاً، منذ تلك الومضة الخاطفة في العدسة، فهل نشكل، نحن أيضاً، العنصر الأهم في ذلك التاريخ، لتصبح الصورة تاريخنا ونكون نحن تاريخ الصورة؟
/7/2012 Issue 4262 – Date 28 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4262 التاريخ 28»7»2012
AZP09
























