صراعُ الأقلام

صراعُ الأقلام
عندما تقرأ الكتاب وهو لمؤلف واحد، لاتشعر بوجود صراع ما بين قلمين أو أكثر، ذلك لأن هذا المؤلف حر في الترويج لأفكاره، وتناولها بأية طريقة يشاؤها، شريطة أن يلبي رغبات سيبويه، ونفعويه، ونفطوية، وعمويه وخالويه،وخالتويه وعمتويه، وعقلويه ومزاجويه، وسؤالويه وجوابويه، وشهرتويه ودعايتويه، ونحوويه وصرفويه واملاءويه، فهو هنا، أي الشاعر، أو الكاتب، أو المؤلف، يتصارع مع فكرته، ويدخل مخاضه الانفعالي الوجداني، من أجل إتحافنا بنص ساخن يلهب المشاعر، فلا يلوح في الأفق صراعٌ كي يلوي عنق فكرته، ويطرحها أرضا، ويستولي على قرطاسه وقلمه، ويسلبهما منه، هو حر عدا مايواجهه من ممنوعات السلطة والعرف والذوق وو.. الخ، أما إذا قرأتَ (الجريدة) مثلا، كجريدة الزمان الغراء، أو غيرها، من الصحف التي تبني فلسفتها على تنوع الأقلام والمواضيع والرؤى، والأفكار، والطرائف، والملح الكتابية، فإنك تشعر أن خلف السطور تسابقا محموما ومشروعا، نحو منصة الأفضلية والفوز بذوق أكثر عدد من القراء،وهذا التسابق ليس ساخنا لدرجة أن يلفت انتباهك، وإنما هو ضامر، لايظهر إلا لمن امتلك فراسة النظر لما بعد السطور، والواجهات والظاهرات،هو ليس على طريقة صراع قلم جرير، مع قلم الفرزدق، ولا قلم المتنبي، مع قلم الصاحب بن عباد، ولا قلم السياب مع قلم نازك، وهو يؤسس لصراع مشروع، يتكفل نفقاته الانفعالية القراء ذهابا وإيابا، ذلك أن الكتّاب كتبوا من منطلق الإبداع، ولكن اجتماع النصوص في نافذة نشر واحدة جامعة، فيه إشارة لإدخال القراء إلى حلبة قضية التحكيم الذوقي، أثناء التنقل من قراءة موضوع إلى موضوع آخر، ففي هذه الهالة البهيجة أقمار نصوص كلما نظرت إلي احدهما فضلته على الآخر، وإذا انتقلت إلى الآخر سحرك فعدلت عن الأول لتفضله هو، ولو عدت عدنا هكذا تقول لك إشكالية المقارنة النصية، بهذه الإشارة القرآنية البلاغية، وهذا يوقعك في إشكالية أن عملية المقارنة بين نصين، أو لوحتين جماليتين هو في غاية الصعوبة والتحدي، فهي تحتاج إلى خبرة خبير انغمس في علم (الجمال) وتذوقه حتى لات حين منغمس، ولا متذوق !
ويرى ( ر- ش- مصدرا ومرجعا وباحثا)، أن عملية التحكيم في المنافسات الرياضية، أسهل بكثير منها في المنافسات الكتابية والجمالية، وهذا يدفعنا إلى البحث الجدي في هذه المسألة،لتعقب أصول هذه الحالة، فمثلا إذا كان لدينا، شخصان أو قلمان، أو لوحتان، فمن الخطأ أن نقرنهما مبدئيا، ونزجهما في منافسة عشوائية، لعدم توافر شرط المعادلة الحسابية المنطقية بينهما، فهي هنا وأعني بالدقة قد تكون توفرت بشرطها ولم تتوافر بشروطها، أقرب لك المعنى أكثر ثم أكثر فأقول: هناك من يقول لك ويسألك من تحبه أكثر أبوك، أم أخوك؟، والحالة المنطقية ترى أن يقول لك، أخوك الأكبر، أم الأصغر، أو أبوك، أم أمك؛ لأن مقياس حب الوالدين مخصوص بهما، ومقياس حب الأخوة مخصوص بهم، ومقياس حب الزوجات مخصوص بهن- هذا إذا كانت هنالك عدالة في حبهن جميعا!، فمن الجهل أن نقرن هذا بذاك دون توافر دواعي الاقتران الصائب،ولذلك وقع تاريخنا المقارن في كثير من العجائب والغرائب والإشكالات العجائبية، التي دفعنا وما زلنا ندفع ثمنها حتى هذه اللحظة!، لذلك أيضا من الجهل علينا ومنا، أن نقول أن أبا العلاء، هو اشعر من المتنبي، أو بالعكس، وإنما علينا أن نكتشف مغيبا من طراز أبي العلاء، قد يكون أفضل منه، أو أدنى، ولكنه من صنفه الفلسفي، فنقرنه به، ومغيبا من طراز المتنبي قد يكون أفضل منه، أو أدنى،ولكنه من صنفه الثوري الحكمي المدوي، فنقرنه به، وقد يصح تقريبا وليس علميا أن نقول أن جريرَ أكثر هجاء من الفرزدق، أو العكس، وان امرئ القيس أكثر غزلية من عمر بن أبي ربيعة. صراع الأقلام يظهر في لوحة الجريدة الغراء، بشكل غير مقصود فهو ليس بصراع سلبي، وإنما هو صراع القلم مع ذاته لإظهار الأنا السامية، القادرة على إثبات برهانها المستقبلي، وقد اشر هذا الصراع في كثير من الأحيان تلكؤ الجمهور في إصدار قرار مفيد يرفع من قيمة من – ما تفوق من هذه الأقلام فيرحله إلى ما اسميه ( مرحلة) الكينونة الإبداعية، ويصونه من مفارقات الحداثة المجازفاتية.. صراع الأقلام، وهج عظيم يرسل إشارات لامعة، وأخرى خافته، وأخرى مدوية، وكل ذلك يدخل ضمن مرحلة التأسيس لصناعة الاسم، بحفره على الحجر الصلد الذي لاتحفره إلا أداة مبدع صممت لإختراق هذا الحجر العنيد بأشعة ليزر الإبدعي.
رحيم الشاهر
AZPPPL