شاعرات الولاء والوفاء يلتقين في كتاب.. كلمات تتبارك بها الآمال والأمنيات
مصعب مكي زبيبة
تساؤلات تبحث عن الإجابة، وأشرعة ينتظرها الصيّادون في شطآن الآمال والكنوز والدموع، وهدايا الحرير والملابس المزركشة، وأسرار الذات والهوى والإباء… كلّ هذا وأكثر يمكن أن تجده وأنت تقلب أوراق كتاب (شاعرات الولاء والوفاء)، أوراق لابد أنها ستفضحك عندما تحاول أن تقلبها بعطرها النفاث، وحروفها الثرثارة المحببة.
فهل كان التأليف بهذا الموضوع مغامرة من لدن الأديب محمد حسين علاوي فالتأليف في اكتشاف سر الانثى يحمل أكثر من تحدٍ، والخوض في بحر الأدب والفن له مخاطره ومخاوفه، فما بالك وأنت تخوض في أخطر البحور واعتاها؟!!.. إنه البحر الذي علق بطحالبه أمهر الغواصين، وانسحب عن مراهنته أشد المقامرين تهوراً. لم ينجُ من عبابه الهائج الا من أدّى للحب ورودا وسبح في محرابه القاهر ذهولا. فهل أشفق على شاعر صاغ بأبجديته كلمات الطاعة والحب لصانعة الجمال وهو القائل في ديوانه الذي اسلم نفسه كلها إليها هذا ما باح به العنوان (خذيني كما شئتِ)، إذ يقول:
خذيني صلاةً خذيني دعاء
خذيني ابتهالا سخيّ الرؤى
لأني عشقتكِ شلال ماء
وقبّلتُ عينيكِ في غفوةٍ
ورفّت بقلبي طيوفُ المنى
فزادت على نبضه نبضةٌ
وهوّمتِ ويلاه في خاطري
ومرّي على ذِكرياتي انتشاء
خذيني كما شئت لا ما أشاء
وأحببتُ فيكِ سمو النقاء
ففزَّ على شفتيكِ ارتخاء
رفيقَ الفراشةِ حولَ الضياء
وجاشتْ به رغبةُ الارتواء
كعصفورة هوّمتْ في المساء
فهذا مقام من لا يريد لنفسه الا المتاعب والا الوجع الصاخب، ولنومه الا الدفء القارص، فهنيئا لك هذا العروج في سماء الخصب والصفاء والتحدي. هنيئا لك هذا الوجع قربانا لنبض الحرف، وصدق العمر.
هذا هو الشاعر محمد حسين علاوي غيبي الذي قرر هذه المرة أن يكتب لا عن جنسه من الشعراء الذين سطر بحقهم عشرة اجزاء في موسوعته المتفردة في حلبة الابداع (شعراء أهل البيت عليهم السلام)، قرر هذه المرة أن يكون محاربا لا مجرد كاتب، أن يكون فاتحا لمدينة قل زائروها وندر التبضع من أسواقها، لأن الخوض في هكذا موضوعات إحدى تابوات المدينة والوجود، قرّر ان يخوض في هذا البحر الهائج المتلاطم، فكان راويا لأجمل الاشعار التي سطرتها المرأة الشاعرة ومحللا في آن واحد. توقفه القافية العطرة، والوزن المنساب، والكلمة الواعدة، وهل اجمل من ان يمر بهذه الابيات الرقيقة للشاعرة الدكتورة ناهضة ستار المشهدي:
حضورك باهرٌ ورؤايَ عجزُ
كأنك مشهد يحكي شجانا
فيأخذنا إلى ألق قصيدٍ
إلى لغة الثراء شددتُ تيهي
لأقرأني مراراً كي اكنّي
فتغدو كل أسئلتي مرايا
وصوتك ماثل وصدايَ رمزُ
ينبّؤنا بأن الرفض عزُّ
بجوع حروفنا ويداكَ خبزُ
لأن لاتنا شطفٌ وعوز
أذوب بفكرتي ومدايَ لغزُ
وتكبر فكرتي ويحار همزُ
فيا أيتها العاشقة والمعشوقة سلام حنين يلوح من حناجرنا الصادحة اعجابا وتحية لتلك الكلمات التي تباركت في صروح الصدق والوفاء. يقبع مجدكِ على صهوات الابداع والفن، يتألق في عيوننا، تسري دقات قلبكِ الرؤوم كي تلتقي ضمائرنا بأنشودتك الماثلة إزاءنا كالقرنفلة الحمراء الساطعة كالسحابة الدافئة والشبابيك الأرجوانية، نصبو اليها ونحن نستمع لتلك الكلمات الوارفة عطاء ومحبة، عندما يقتطف الاديب محمد حسين علاوي غيبي قرنفلة اخرى هذه المرة للشاعرة صبرية الحسو وهي تحث الناس على استذكار شهداء العقيدة والرسالة من دون الركون للبكاء والنحيب وخمش الخدود وشق الجيوب وإنما استلهام مواقفهم البطولية والافتخار باستشهادهم الذي نالوه بعدم الذلة والاستكانة، إذ تقول الشاعرة:
لا تذرفوا دمعا على الشهداء
ما مات من أمسى مناراً نهتدي
أوّاه لو كان التمني نافعاً
أني أموتُ كما قضى شهداؤنا
بل فافخروا في فتية أحياءِ
بضيائه في ظلمة الأرجاء
منّيتُ نفسي وهو خيرُ عزاءِ
موتا يطيب بعزة وإباء
يا قلبا يكتوي في جمر الكلمات النابضة بالحياة ما زلنا نلمحُ فيها عطر الدفء ، ونورَ العفة ، يا كل الصبر والطهر يتضوع بنور الابجدية.
فأنت عندما تقرأ هذه الكلمات لابد أنك تحس بعنفوان الانفعال ودلالات تناسل الصور، إذ تقول الشاعرة اسرار العكراوي:
مغلولة الشفتينِ إذ أقفُ
وسماك غير سماك يا أبتي
أضللت؟ دربي قيد أنملة
أرسوت أم أبحرت في لججي
وغريبة بجوار أسئلتي الـ
وقصيدتي والشعر يرتجف
ورباك تخرسني وأعترفُ
أضللت أم قد ضلني الهدفُ
فأنا ونفسي بت اختلفُ
ـمتزاحمات غريبة أقفُ
وما يزال القارئ ينتقل من زهرة إلى أخرى ومن شاعرة إلى أخرى في كتاب يحمل عبق الولاء والوفاء. في كلمات رائعات تباركت فيها الابجديات والمعاني.























