سيكولوجية الفضاء الفكري
احمد ابو ماجن
فى القديم كانت السايكولوجيا تعرف بأنها دراسة العقل والظواهر العقلية. السايكولوچيا فى دراساتها تتبع المنهج العلمي القائم على الملاحظة والقياس والتقريب. وتنقسم حسب المبادىء التي تتقوم عليها السايكولوجيا السلوكية ، والفرضية ، والتكوينية ، والتحليل النفسي ، وبحسب موضوعها : السايكولوجيا العامة ، وسايكولوجيا الحيوان ، والاجتماعية ، والتربوية ، والصناعية ، والمرضية ، والجمالية ، وبحسب منهجها : السايكولوجيا النظرية ، والتجريبية ، والتحليلية ، والاحصائية ، والإكلينيكية. حتى تطور مفهوم السيكولوجيا واصبح يمثل ركنا اساسيا في حياة الفرد ، ومن هنا انطلق في سايكولوجيا الفهم والفكر ومايؤديه الخلاء الفكري العقلي من وظائف سلبية تهدد المجتمعات ربما كما هوالحال بالنسبة للمجتمعات العربية كمثال يضرب ولايقاس.
يعد الفهم نعمة من الله تعالى ، والفكر ثمرة من ثمار الفهم ، وبحسب مستوى الفهم وفعالية أدواته من التحليل ابتداءً حتى الإبداع انتهاءً وما بينهما من مراحل التركيب والنقد ، تكون قيمة الفكر وأثره في الحياة ، وريما ليس حديثنا هنا عن آليات الفهم والعمليات البيولوجية التي يخضع لها في الدماغ ، حتى ينتهي إلى التشفير ( أعلى آليات التخزين) والتي يكون فيها الدماغ كقوة كامنة قادرة تغيير ماينبغي تغييره.
من هنا فإن الواقع بتأزماته ينعكس على الفهم ، وبالأخص مع انعكاسات المدنية الحديثة من بروز ثقافة الشاشة ، التي هي بشهادة اكبر خبراء الأعلام انعكست على الناشئ بمنظومة أعراض متلازمة هشاشة التفكير ، وظهور حالة السلق والسلب الفكري ، وحالة العجز عن التواصل مع العمليات الفكرية الطبيعية التي يتطلبها الكتاب المقروء ، فكان لدينا ما يعرف بحالة الفجوة عن ثقافة الكتاب ،وهستيريا ثقافة الشاشة ، التي تولد منها خلل في البناء الشخصي ، لأن تلك الثقافة حددتها السرعة في الأحداث وعدم الرتابة ، وبالتالي يتخيل الناشئ أن أحداث الحياة وحلقاتها تمر بنفس السرعة ، فيفقد حالة الصبر والأناة ، والرؤية المنطقية للأحداث ، وهذه بحد ذاتها مركز الأزمة النفسية ، في حلقات البناء الشخصي ، لأنها تولد أعراض اللامسؤولية وحالة الهروب من الواقع ، والعزلة الاجتماعية ، وفي الترتيب الفكري في حلقاته في الدماغ تنتفي المنطقية والرتابة والتسلسل ، وهذه آفة خطرة جدا ، ربما تنبهت لها مؤسسات الصحة النفسية في العالم الاوربي والغربي ، فنشأت عنها أنشطة اجتماعية لمواجهة خطر ثقافة الشاشة من خلال إرسال منشورات للأسر ، بأن يحددوا ساعات التعرض لتلك الشاشة من قبل أبنائهم ، حتى لا ينعكس خطرها على البناء للأحداث في تسلسلها في الدماغ ومنطقية التعامل معها ، وربما هذا مركز اهتمامهم .
وخبراء الاجتماع في ظل تلك المعضلة النفسية الفكرية يعد مركز اهتمامهم بموضوع العزلة الاجتماعية ، وخبراء الأعلام يركزونها بما يعرف بالانقطاع عن الكتاب وما يترتب عن ذلك من مخاطر تعليمية لعدم تجاوب الطالب مع الكتاب الذي يعد مركز العملية التعليمية وربما فصلت ذلك بوضوح في نموذج ماكلوهان في كتابي “سيكولوجية الاتصال بالجماهير ، فبالتالي يريد النشئ هنا تعليما من نمط ثقافة الشاشة ، وهنا برزت ظاهرة هستيريا التعليم المحوسب كما نلاحظها في الأردن وبعض دول الخليج ، إذ يعتبرها البعض ظاهرة تقدمية في التعليم ، ونحن هنا لا ننكر ذلك البتة ، ولكن بقدر ، وفي حدود التوازن ، حيث يجب اعتبارها احد مصادر التعليم والتعليم متآزرة مع غيرها من المصادر التعليمية ، دون التركيز عليها وإهمال مصادر التعلم الأخرى ، مع دراسة مخاطر الإدمان عليها ، بما يحدث حالة الانقطاع عن التجاوب المنطقي مع الكتاب المطبوع ( الورقي ) ، لأن الإدمان يشكل ما يعرف بثقافة الشاشة، وإحداث خلل في العمليات البيولوجية التي يتطلبها حالة التفاعل الفكري مع الكتاب المطبوع ، وربما لا ينتبه إلى تلك المعضلة ، فتنعكس أفات ذلك على مجمل حالة الفهم ، حيث يتطلب الكتاب الورقي عمليات فكرية تتسم بالتأني والتسلسل والمنطقية لا تتطلبها بنفس الكم والنوعية والنتائج المترتبة ما يعرف بثقافة الشاشة التي يقوم عصبها على السرعة والخطف الفكري دون تسلسل وإتاحة الفرصة للتحليل والنقد ، فهي اقرب لما يعرف بغسيل الدماغ أكثر من إنها عملية فكرية هادئة يترتب هنا فكر ناضج .وربما تلك الحالة شكلت لدينا ظاهرة مرضية بنسب عالية ، نتابعها يوميا مع كم المقالات التي تتصدر شاشة الانترنت على وجه التحديد ، لأنها مجال تخصصي في المتابعة الفكرية ، وهذه الظاهرة يمكن أن نطلق عليها حالة الإفلاس الفكري ، وفي تتبعي السيكولوجي لها ، يمكن تحديد أبعاد لها ، في نسب تتفاوت في الهستيريا الفكرية في التعاطي معها ، ويمكن إدراجها على النحوالأتي :
- ففي المجال الأدبي تبرز لدينا حالة التعري في تناول المرأة مثلا ، فالمفلس أدبياً يجد المرأة في إسقاطات التعري مادة أدبية مفضلة له ، لأن إبداعاته الأدبية عجزت عن تناول حالات ولادة الوجود في الوجود ، في كم الموجودات الذي لا يحصى في الحياة ، سواء في قطة أوطفل متسول أومظاهر الاستعباد في الحياة أوالأمومة أوالمرأة في وجهها الحضاري لا في النزوة الحيوانية ، أوالرجل في نوع خاص من الرجولة تكاد تفقد في زماننا في سمات خاصة من الهيبة والعقلانية والحكمة والحزم والحلم والرفق معاً ، التي أبدعتها أقلام في الشرق والغرب ما زال أثرها خالداً في العذوبة الأدبية .
العبث بالمقدس ، واعتبرها هنا حالة من الإفلاس الفكري في اشد أزماتها النفسية من وجهة نظري ، لأن المفلس فكريا لا يجد أمامه إلا المقدس للعبث به ، لغاية إيجاد ذاته التي يلدها من رحم أوهامه ، وهويدعي البحث عن الحقيقة ، وهوفي الواقع يعاني من تلبس اللاحقيقة بعينها في أفكاره فتبعث فيه حالة من التشتت والتشرذم الفكري فيسقطها على منظومة المقدس والثابت اعتقادا منه أن في ذلك راحة نفسية له لما يعانيه من أزمة الرفض النفسية للأنا في ذاته ، وهوبذلك يوهم نفسه انه يمارس الحرية ، فكيف له أن يجد الحقيقة وهوغارق في رحم اللاحقيقة ، فالمفلس لا يلد الا الخرافات ، وحقيبته الفكرية في الواقع لا تلد الا جلد ذاته ، فيراها في دينه وواقعه وماضيه ، فيريد الخروج منهم ، وفي الواقع يريد أن يخرج من نفسه وجلده والدنيا كلها ، فهذه علامات تأزم حالة الأنا عنده ، فتجد مفهومه للحرية مرضيا ، ورؤيته لواقعه وماضيه مرضية ومستقبله منظومة أوهام ورؤيته لذاته اشد فتكاً به ، فيسقط تلك التأزمات على المقدس والثوابت والماضي والحياة كلها ، ويدعي انه يبحث عن الحياة ، وهوفي الواقع خارج عنها ، وهذه الظاهرة تزداد شراهة على شبكة الانترنت للأسف ، وهي في الواقع حالة من تأزم الأنا ، يعكسها على المقدس ، فضلا عن الكواليس السوداء التي تؤججها لمصالح خاصة واختراقات لها على شبكة الانترنت بما يعرف بحالة الغزوالفكري ، التي بدأت تجند ذاتها فيما يعرف بهدم مصادر الشريعة الإسلامية وهدم ما يعرف بالقدوة من خلال ظاهرة شتم الصحابة رضوان الله عليهم ، وغير ذلك من مظاهر العبث بالمقدس بكافة أشكاله البشعة التي تعبر عن حالة منتشية فيما يعرف بالإفلاس الفكري .
فظاهرة التناول السياسي في لغة الشتائم والقذف بعيدا عن التحليل والرؤية المنطقية للأحداث ، فأصبح الكل يتقن صنعة السياسة ، ويُنظر في لغة شخصانية فردية بعيدة عن الواقعية تتسم بالانفعال والاندفاع ، فكل يرى الأمور من ليل ليلاه ، ويفتقد متطلبات الصنعة ، التي هي شكل من أشكال التفكير ، وقد تناولت معطياته في كتابي سيكولوجية التفكير والوعي بالذات وسيكولوجيا السياسة بالتفصيل ،ليس هنا موضع الاستطراد فيه ، وربما في التناول النقدي للكم الهائل للكتابات الصحفية في البعد السياسي ، تجدها شخصانية بعيدة عن الرؤية المنطقية من جهة والرؤية الإستراتيجية التي تعد أهم ما تتطلبها الكتابة السياسية في لغة التحليل السياسي ، فنجد الكتابات السياسية يغلب عليها الهيجان العاطفي واللغة الخطابية في مستوى الأنا العالية المتضخمة بعيداً عن الهدوء المنطقي في التعامل مع الأحداث في رؤية مستقبلية واعية تستشرف المستقبل ، لأن هناك ما يعرف بالاستشراف المستقبلي السياسي وهذا علم بحد ذاته لا يعد خرافة ورجم بالغيب .
ثقافة الهزيمة ومعطياتها كما عبر عنها المفكر ابن خلدون بأن المغلوب يقلد الغالب ، ويرى في ذلك ولادة وجودة في القوة ، فيخرج عن ذاته وينسلخ عنها ، في منعطفات حادة في حياته النفسية والاجتماعية والفكرية ، فتجد لدينا ما يعرف بمنطومة المسخ الفكري ، الذي لا يمت للحقيقة بصلة ، فتجد كلمة الإبداع مبتذلة لا معنى لها، فكل ما يعرف بالمسخ الفكري يعد إبداعاً ، حتى أنه في احد البرامج التلفزيونية الأسبوعية في بلدي تفأجأت بأن هيجان الشباب في رقص هستيري يعد إبداعاً ،
لذلك اصبح بروز ثقافة الصورة في شكلها المقزز يعد إبداعاً؛ ويستحق التامل ، وان ينال تمرد الذوق عن الحد الإنساني لما في الصورة من شهادات إبداع ، والعداء للبيئة والطبيعة الإنسانية شكلا من أشكال التحضر الرياضي يعد له هيسة إعلامية ، وقتل المدنيين في العراق وفلسطين المحتلة بالطائرات الأمريكية بحث عن الديمقراطية ، وتهجم المستوطنين على المدنييين الفلسطينيين وحرقهم في بيوتهم بضع مشاغبين يمارسون هوايتهم ويجب ضبط النفس معهم ، وحصار غزة وحرب سوريا وتردي بعض العرب اقتصاديا وتجويع المجتمعات بكاملها ممارسة لسياسة السلام مقابل الإرهاب المتشكل في طفل رضيع وغصن زيتون وطائر في السماء وحقيبة مدرسية ، ومكافأة الإجرام الصهيوني والداعمين له بمصافحته والشد على يديه في مؤتمرات حوار الأديان التي تقيما ابرز الدول الاسلامية في الشرق الأوسط.
اما في البعد التربوي ، والتغريب التعليمي ، وإلغاء الذات تحت عنوان التطوير التربوي ، فلا احد ينكر أهمية التطوير التربوي ، والانفتاح على الأخر ، ولكن في حدود الأصالة وعدم التمرد على الذات والانسلاخ منها البته ، فهناك من يمارس التطوير التربوي من خلال إلغاء اللغة العربية في التعليم ، باعتبار أن اللغة الانكليزية هي اللغة العالمية ، فلا داعي لممارستها في التعليم ، ويجب أن يكون كل شيء انكليزياً في انكليزي ، حتى أنه يتورع أن يتكلم كلمتان باللغة العربية ، فتجد أمامك لغة مشوهة مكسرة مائعة ، فهذا شكل من أشكال الإفلاس الفكري في السلوك اللفظي ، فتجده ينقل لنا برامج التدريب الغربية التي لا تناسب البيئة العربية البته ، ويتبجح بها أنها عنوان التطوير ، فتجد نفسك أمامك برامج مشوهة تتسم بالترقيع والاندفاع ، وتتضمن ميزانية مالية هائلة ، تثبت الأيام فشلها ، وكم الخسائر المالية ، لأنه يصعب ان تلبس جلداً غير جلدك ، ولا يمكن لك أن تخرج عن ذاتك ، فستكون كائناً مشوهاً لا تمت للطبيعة بصلة ، والمقدمة الصحيحة تعطي نتيجة صحيحة ، وما بني على الخطأ والاندفاع والانفعال المهووس بالغرب لا بد أن يولد خطأ وفشل وخسائر مالية ، وكل هذا من أفات الإفلاس الفكري في الانفتاح التربوي .ومن اهم أشكال الإفلاس الفكري في بعد احترام الجسد ، ظاهرة عمليات التجميل ، فكل يريد أن يتحرر من ذاته من خلال جسده ، ويعبر عن سيكولوجية الرفض المتأزمة لديه من خلال العين والأنف والفم وجسده من أعلى رأسه حتى أخمص قدميه ، فهذه الحالة تعبر عن حالة تقلق في الأنا العليا لديه ، فيرفضها من خلال شيفرة جسده ، اعتقاداً منه انه بذلك يحقق ذاته العليا ويقدم مكافأة لعالم اللاشعور لديه بالانتشاء ، وهوفي الواقع يشرذم ذاته في أشكال خارجة عن الطبيعة ، فهويريد ذاته في انف فلان وفم فلان وشفاه فلان ، في قطع غيار متنوعة ، وربما تلك الأزمة النفسية في قمة تشوهاتها تلمحها في شخصيات مشاهير الروك الأمريكي ، فمن يغير بشرته إلى بشره أخرى ، تجده في كينونة غرائبية بعيدة عن الطابع الإنساني ، في ميوعة نفسية ، واهتزازات في الجسد وعدم انتظام القوام ، وهشاشة فكرية ، حتى انه لا يقوى على مواجهة الطبيعة في شمسها وموجوداتها ، لأنه كائن غرائبي ، يشكل مادة معلنة لحالة الإفلاس الفكري في سمتها السلوكي ومحاربة الجسد في كينونته ، والخروج به تحت عنوان المدنية إلى كينونة أخرى اصطناعية .أما مانراه في الواقع أن أبعاد الإفلاس الفكري متعددة ، وخشية الإطالة اكتفي بما تناولته من أبعاد ، فالمنطق يفترض منطق مثله ، والفكر الغوغائي يتطلب ضوضاء سلوكية وفوضى فكرية تجدها في كل أبعاد الحياة في واقعنا المتأزم ، حيث تعبر عن محاكاة حتى النفس الأخير لحالة السوفسطائية التي انتشرت في الفكر الفلسفي في القرون الماضية ، والفهم السليم يفترض فكرا سليما ، والنفسية القويمة تفترض صحة نفسية ، والأخلاق الفاضلة تفترض سلوكا سوياً ، والآدمية الحقة تفترض طبيعة إنسانية حقيقة أوما يعرف بالفطرة السليمة وهكذا .
فشجرة التفاح لا تنبت عنبا ، والكراهية لا تولد حبا ، والغضب لا يولد أناة وحلما ، وهكذا فالمقدمات تولد النتائج ، والخير لا يأتي الا بخير ، والشر يولد الشر ، والدكتاتورية لا تنبت ديمقراطية ، والقبح لا يأتي بالجمال ، والإرهاب لا يولد السلام وانما الكل خاضع لمبادئ مقتضيات الأمور وكما عبر الجاحظ (لكل مقام مقال ، ولكل حادثة حديث).























