
مروان ياسين الدليمي
قبل أن يودع نجيب المانع الحياة في العاصمة البريطانية لندن بتاريخ 2 تشرين الثاني (نوفمبر) 1991 كان جالسا على كرسي هزاز في شقته يقرأ كتابا. وهنا يصف المشهد الدكتور والشاعر صلاح نيازي زوج شقيقته عندما دخل الشقة :”فاجأني بنومته على الكرسي،كان يضع ساقا على ساق كعادته، رأسه مائل إلى يسار، وعلى صدره كتاب، يده اليمنى على فخذه الأيمن ويده اليسرى مرفوعة إلى الأمام قليلا ، وكأنه يهم بتناول سيجارة . انسجام تام بين جسده والصمت يجعل من الموت إغفاءة ، مجرد إغفاءة سعيدة”.
أبرز ما تشير إليه سيرة المانع،أنه ينتمي إلى طراز المثقفين الذين يحملون في داخلهم شغفا لاحدود له إزاء كل ما له صلة بعوالم الإنتاج الثقافي والفني،راصدا في ما يكتبه قراءات ومقالات شؤون الثقافة والفنون والموسيقى والأدب،إضافة إلى ما قدمه من ترجمات لعدد من الكتب المهمة عن الإنكليزية،إضافة إلى اللغة الفرنسية، مع أنه لم يدرسها في كلية، بل استعان في بداية الأمر بلاجىء سياسي تونسي في بغداد ،عندما تولدت لديه الرغبة في تعلمها .
أصله العائلي
نزحت عائلته النجدية من”بلدة روضة سدير”في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي،عندما اختار جده محمد المانع الهجرة من بلدته إلى قضاء الزبير في مدينة البصرة جنوب العراق،وهذه الهجرة كانت أمرا طبيعيا في تلك الأزمان عندما تشح الأمطار ويحل القحط، فكثيرا ما هاجر نجديون باتجاه البصرة واستقروا فيها وخاصة في الزبير،وهناك وُلِد لجده إبنان، هما: عبدالعزيز وعبدالرحمن. اشتهر عبدالعزيز في تجارة الخيول، أما عبدالرحمن فقد عمل موظفاً في جمارك البصرة. ولِد لعبدالعزيز ثلاثة أولاد:محمد وعدنان، وكانا من رجال الأعمال في البصرة، ووكلاء سيارات فورد فيها، وعبدالحميد الذي شغل منصب مديراً للصندوق العقاري.
أما عبدالرحمن والد نجيب ، فقد رُزق بنجيب وهشام،الذي درس الطب في ألمانيا واستقر فيها ،وقد توفي قبل بضع سنوات، وهو مثل شقيقه نجيب اهتم أيضا بالكتابة، فأصدر عددا من المؤلفات باللغتين العربية والألمانية في مجالات الطب والأمراض والرعاية الصحية. ولعبد الرحمن المانع من البنات، فاطمة التي تزوجت من عراقي وتُقيم معه في أمريكا. وسميرة الكاتبة المعروفة التي ارتبطت بالدكتور الشاعر صلاح نيازي وتقيم معه في لندن منذ عام 1965م.
الكتاب الأول ” ذكريات عُمر أكلته الحروف” وأخطاء دور النشر
كان المانع في منتصف ثمانينات القرن الماضي أحد الأقلام المهمة التي تكتب في صحفية الشرق الأوسط، وكان مشوار حياته فيها حافلا بالكتابة ، واستجابة لرغبة أبداها رئيس التحرير عثمان العميم آنذاك ، بدأ المانع في 24 /5 / 1988 بنشر مذكراته بسلسلة
حلقات أسبوعية تحت عنوان ” ذكريات عُمر أكلته الحروف”.
المفارقة في الأمر أن هذه الحلقات صدرت بعد وفاته بكتابين ، النسخة الأولى عن دار الانتشاء عام 1999 ،والثانية عن دار الرافدين عام 2019 ،لكن الذي أثار الجدل واللغط في الوسط الثقافي وخاصة لدى محمد بن عبد الله السيف ،أن النسختين احتشدت فيهما أخطاء جسيمة ،توزعت ما بين حذف وتغيير وتشويه وتعديل، وهذا ما استدعى من الكاتب محمد بن عبد الله السيف أن يعيد الاهتمام بالمذكرات ،ويتولى إصدار الحلقات بكتاب ،كاملة بنصوص الاصلية، تحت عنوان ” ذكريات عُمر أكلته الحروف” مثلما نشرت في صحيفة الشرق الأوسط .إضافة إلى إصداره لكتاب ثاني حمل عنوان “نجيب المانع حياته وآثاره”،سنتحدث عنه في آخر المقال .
من جميل الصدف أن أحظى بالكتابين الذين صدرا خلال الأعوام الأخيرة عن دار جداول للنشر والترجمة والتوزيع ، ومن الواضح مدى الجهد الذي بذله السيف في جمع وتنظيم وتبويب وتقديم محتوياتهما، بالشكل الذي يليق بتاريخ ومكانة رجل مثقف مثل المانع ،إذ يصفه بالمثقف الحق.
اللافت في ما أنجزه محمد السيف ،خاصة في الكتاب الأول أنه قد عمل على تصحيح ما أصاب العديد من مقالات المانع من اجتزاء في النسخة التي كانت قد أصدرتها عام 2019 دار الرافدين في كتاب حمل نفس العنوان ” ذكريات عُمر أكلته الحروف” معتمدة أيضا على مذكرات المانع التي كان قد نشرها على شكل حلقات متسلسة في صحيفة الشرق الأوسط ، وبعد أن حصل محمد السيف على نسخة من الكتاب، دار بينه وبين عثمان العميم نقاشا حوله ،وأفصح العميم بأن “هذا الكتاب لايمثل نجيب المانع ، وأنه قد حوى – على ما يبدو – سقطا هنا وهناك” ، ووفق رأيه “الكتاب بدا ركيكا في بعض صفحاته” . ثم قرأ السيف تعليقا للكاتب العراقي نوفل الجنابي في حسابه عبر تطبيق” تويتر ” يقول فيه :” استغربت وأنا أقرأ سيرة نجيب المانع في كتابه ” ذكريات عُمر أكلته الحروف “عدم تناسب ثقافة وقدرة المانع مع كتاب سيرته . إنها خواطر مفككة تتالى من دون خط تحريري تسير عليه ، لتجد نفسك أمام كتاب لايحرك فيك شيئا، ما يجبرك على أن تضعه جانبا ، وهذا ما فعلت ” .

هنا توقف محمد السيف ، وقررأن يبدأ بقراءة كتاب دار الرافدين بتمعن وتركيز، ووصل بالتالي إلى ماتوصلا إليه العميم والجنابي ، مقتنعا بأن ما بين يديه لايليق بكاتب مثل قامة نجيب المانع ،عندها بدأ يفكر ويخطط جديا في إعادة الاعتبار للإرث الثقافي الذي تركه المانع في صحيفة الشرق الأوسط تحت عنوان ” ذكريات عُمر أكلته الحروف ” وتمكن من الحصول على سلسلة الحلقات التي بلغت 18 حلقة، واكتشف العجب العجاب الذي لحق بالسير الأدبية للمانع حسب ما ذكره السيف في مقدمته كتابه، فقد عمدت دار الرافدين في نسختها إلى حذف كثير مما ورد في المقالات ،وعدم ترتيب الحلقات في الكتاب كما نشرت في الصحيفة، فأصبحت الحلقات متداخلة بعضها ببعض ، كما استبدلت الدار عددا من الكلمات بكلمات أخرى غير ما نشره نجيب في مذكراته . وقد اعتبر السيف أن تلك النسخة لاتليق بالمانع ولابسيرته وفكره وقلمه ، كما أنها لم تشر لامن قريب ولا من بعيد إلى إسم الصحيفة التي ضمت هذه الذكريات التي أكلتها الحروف وقضمت منها دار الرافدين، حسب وصفه .
سقطات الإصدارين وإعادة الاعتبار للمذكرات
ويضيف السيف وهو يشرح القصة التي تقف وراء إصراره على إعادة اصدار” ذكريات عُمر أكلته الحروف ” بأن المفاجأة لديه كانت في أن الدار أسقطت المدخل الذي كتبه المانع عن هذه الذكريات، والتي يوضح فيها كيف أنه كتبها استجابة لطلب وإلحاح رئيس تحرير “الشرق الأوسط” آنذاك الأستاذ عثمان العمير ، الذي أصر عليه في نشر هذه الذكريات الأدبية . ويرى السيف إن هذا المدخل الإيضاحي ضروري لقارىء هذه الذكريات، ليعلم أن نجيب المانع كتبها بطلب وإلحاح، ولم تكن في وارد تفكيره يوما ما .
كما أثارتعجبه أن الدار حذفت عبارة ” أنا السعودي ” التي استهل بها المانع ذكرياته بعد المدخل،فهو يقول ” أنا السعودي ، ترعرعت في العراق ، إذ ولِدتُ في بلدة الزبير ” بينما في نسخة دار الرافدين كانت البداية بقوله :” ترعرعت في العراق إذ ولدت في بلدة الزبير”.
يشير السيف أيضا إلى أن السقطُ الذي طال هذه الذكريات في نسخة دار الرافدين أطول من أن يستعرضه،مؤكدا على أنه قد عمد في كتابه إلى وضع خط تحت الأسطر المحذوفة في كتاب دار الرافدين ، وميزها بلون غامق، حتى يطلع القارىء على الكتاب بنصه الأصلي والكامل ،والذي يليق بكاتبه أما استبدال بعض الكلمات وتغييرها في نسخة دار الرافدين فقد أشار إليها في الهامش .
أيضا يوضح السيف أنه عندما اطلع على نسخة “دار الانتشار” التي صدرت عام 1999 وجدها أيضا حافلة بالأخطاء ، إذ كانت تخلو من المقدمة والإشارة إلى محتوى الكتاب، وطبيعة نصوصه أو أي تعريف بالكاتب وأدبه، ولاشيء سوى عبارة تقول إن “الكتاب طبع على نفقة حمدي نجيب ” وتبين له في ما بعد أن حمدي أحد أصدقاء المانع في لندن وصاحب مكتبة عربية فيها ، وهو رجل أعمال ناجح ، ووجد هذه النسخة على ما فيها من نقص وحذف وإخلال وتداخل في الحلقات ،تبدو أفضل من نسخة “دار الرافدين”، وليس ثمة مجال للمقارنة بين النسختين .
يختتم محمد بن عبد السيف مقدمته التي تصدرت نسخة كتابه موضحا فيها قصة هذا الكتاب قائلا :” المقارنة في هذا الكتاب هي مع نسخة دارالرافدين التي صدرت عام 2019 فهو الكتاب المتداول حاليا، وليس مع كتاب دار الانتشار الذي لايعرفه أحد وغير متوفر ولاأظنه سيطبع مرة أخرى ” .
الكتاب الثاني “نجيب المانع ..حياته وآثاره”
الكتاب الثاني المعنون “نجيب المانع ..حياته وآثاره” الذي صدر بطبعته الأولى في آب (أغسطس ) 2022 عن دار جداول للمؤلف محمد بن عبد الله السيف اشتمل -إضافة إلى مقدمة المؤلف – على سبعة فصول ، توزعت على 734 صفحة ، وقد احتوى على كل ما كتبه المانع من مقالات في المجلات والصحف ، وهناك فصل عن حياته ونشأته وعمله في العراق وبيروت ولندن ، كما ضم مختارات مما كتب عنه بعد رحيله ، وتضمن الفصل الثاني آثاره الأدبية، وجاء في الفصل الثالث مقالاته التي نشرها في صحيفة الشرق الأوسط ، وضم الفصل الرابع”رسائل لندن ” التي كان يكتبها ويبعثها إلى من أسماه “ابن أخي ” وهي تسعة رسائل منوعة في الأدب والمسرح والأوكسترا . وجاء الفصل الخامس ليحوي المقالات التي نشرها خلال العام 1989 وهي قليلة العدد لانشغاله في ذلك العام بكثير من أعمال الترجمة للصحيفة . أما الفصل السادس وعنوانه “لندن ” فقد ضم غزارة في نشر المقالات ولم تكن جميعها منشورة على امتداد العام 90 ، لانه توقف عن الكتابة مع الغزو العراقي للكويت فجمد الكلمة لديه طيلة الأشهر المتبقية من العام ، حتى أعادته الصحيفة في اليوم الأخير ليكتب مرئياته خلال عام ثقافي مضى أسماه ب”العام الكالح.”
يوضح المؤلف محمد بن عبد الله السيف في مقدمته بأن “نشر هذه الآثار الأدبية لنجيب المانع تأتي وفاء له وتذكيرا لدى أجيال ثقافية عربية،لم تتح لها الفرصة للإطلاع على إبداعاته وشيء من سيرته وحياته وهي حياة ثقافية حافلة بالكثير الكثير،مما سيطلع عليه القارىء” .























