سلّم حنون مجيد.. صورة تكثيف اللحظة الإنسانية

سلّم حنون مجيد.. صورة تكثيف اللحظة الإنسانية

محمد جبير

لم يفرط حنون مجيد يوما بثوابته الفنية او الفكرية او الاخلاقية مهما كانت مهيمنات الضغط السياسي والاجتماعي فاعلة باتجاه انحراف تلك الثوابت ، فقد كان متيقنا بأنتصار ثوابته امام تراجع او انهزامية ثوابت الاخرين القلقة ، التي لم تنبت في ارض صلبة ، كان حنون ولم يزل متمسكا بأن التعبير الفني في القصة القصيرة جدا ، هو الاقرب الى النفس البشرية في عصر السرعة والمتغيرات الحادة ، ولم يغادر هذا الفن منذ مجموعته الاولى وحتى هذه المجموعة ” السلم”  الصادرة عن دار “ضفاف -2015″.ضمت هذه المجموعة اكثر من مئة نص قصصي قصير جدا ، اتسعت  موضوعاتها وتنوعت لتشمل جوانب الحياة المختلفة وتضيء زوايا العتمة فيها من خلال ضربة صدمة تخالف وتشاكس السياق المنطقي للاحداث العامة ، حنون مجيد وكما اعرف ومن خلال متابعتي له قد يذهب في احيان الى القصة القصيرة كما ذهب الى الرواية في نص ” مملكة البيت السعيد ” الا انه سرعان مايعود الى عشه الدافئ في القصة القصيرة جدا ، وهذا الثبات والتواصل مع هذا الفن يقودنا الى السؤال الاتي ، لماذا الاصرار في الكتابة بهذا الشكل الفني ؟ وهل يوجد قراء لهذه القصص؟.اكد نص لعلك وهو اخر نص في هذه المجموعة على ” لعلك تقرأ لتفهم نفسك ، فأن لم تكن فأعرف انك كتاب لم تمسسه يد” (السلم –ص65). جاءت هذه القصة في اخر الكتاب ، ولعل الكاتب وضعها في هذا المكان ليريدنا ان نعيد القراءة من جديد لنفهم انفسنا ، بمعنى ان كل ما قرأناه من نصوص سابقة بدافع التسلية او المتعة او قضاء الوقت او لغرض الاسترخاء الذهني وفك قيود التشابك الحياتي العنيف الضاغط على عصب الانسان ، من هذا النص بالذات يدفع بنا الى مراجعة ما مر امام اعيننا من كلمات وسطور شكلت نصوصا قائمة بذاتها وعبرت عن ازمة انسان هذا العصر الذي يعيش اختناقه .حنون مجيد في ثباته على هذا الجنس السردي الابداعي ، يدرك جيدا مايفعله ويدرك الاهداف التي يروم الوصول لها ، فأنه لايريد ان يطنب او يسهب في وصف او سرد وانما يختزل ويجزل في عبارته ويكثف لقطته الفنية بغية ايصال الرسالة بوضوع ودقة وسرعة وهو في ذلك يخبر برقيا عن اشياء واشياء ويفصح عن هموم وامال ، ففي نص الجاحظ يقول” في المنام زارني الجاحظ وقال لي ، اعرف انك قاص ، ولكن لتكتب قصة ناجحة عليك بمثالي ، فأن غلبك مبناي افادك معناي” ” المجموعة-ص25″.اعرف انك قاص ايضا ، واعرف ذلك منذ سبعينات القرن الماضي وانك افنيت تلك العقود الماضية تلتقط الجواهر من كوم القش وتعود لصياغة حكايات بعيدة عن اوساخ الحياة العامة التي لوثتها الانانية والمصالح الذاتية وشوهت القيم والتقاليد ، الا انك بقيت متمسكا بقيمك وصامتا تدافع لحمايتها في وجه هجمات الشر فيما مضى وفي الوقت الحاضر ومثلما بقيت متمسكا وثباتا على شكلك الفني لازلت لاتخفي ثباتك على مبادئك ، وهذا نص  ” بلدي ” يبوح بذلك ” لااغلى من بلدي ، فثمة نهر عظيم يجري فيه ،واخر على بعد منه كذلك ، ثم يتعاشقان في نهر اعظم ثم في بحر ، بلدي ذو النهرين اكثر البلدان ماء، وانا اكثر الناس عطشا” ” ص8″. ورغم ذلك بقي متمسكا وماسكا جذوره النابتة في هذه الارض في حين غادر الاصدقاء والزملاء هذه البلاد الى بلدان المنافي في الزمن السابق والحالي ، الا انه في نص ” وطن ” يدون الاتي “قالت الفراشة لأختها ، صيف بغداد لاهب، ردت الأخت  ، وشتاؤها قارس .سألت ، اتفكرين بالهجرة ؟. اجابت،كلا.كررت ، لماذا؟. تابعت ذلك انه وطن ” “ص30”.

الا ان هذا الوطن في الزمن الماضي عشنا ” خسران ” العمر في الحروب التي لاجدوى منها سزى ضياع اجمل ستوات العمر ، وفي الزمن الحالي نرى في نص ” الدمية ” الدبابة الامريكية وهي تسحق دمى الطفولة ، في اشارة الى سحق طفولة ابناء هذا الوطن ، لان الاباء يهددون على الدوام كما في نص ” اخر ما وردهم ” ” بمظروف فيه رصاصة ورسالة بحروف ركيكة غادر بيتك” “ص18″ .هل يحق لنا  الآن الاجابة على التساؤل السابق ام اننا ادركنا لماذا يلتزم او يتمسك حنون مجيد بهذا اللون الابداعي ” القصة القصيرة جدا ” والذي يعد من اصعب الفنون الابداعية الذي يرتكز على الومضة الشعرية والقدحة الفكرية التي تضئ متن النص وترسم الدهشة على وجه المتلقي او تبعث في نفسه الفرح ، حين تلعب السخرية دورها في تشكيل النص ” كما في نص ” خيانة” والذي جاء على الشكل الاتي ” وانا اشتري بدلة لزوجتي تناسبها ، اخترتها على مقاسات حبيتي” “ص60″. يجد حنون مجيد نفسه بارعا في الفن الابداعي فأنه درب نفسه منذ عقود مضت على كتابة هذا الفن حتى صار الابرز فيه ، واستاذ الصنعة في فن القصة الفصيرة اذ انه لم ينقطع عن التواصل معه ابداعيا حيث كتب الكثير من الكتاب في العراق وجربوا انفسهم في امكانية الكتابة في هذا اللون الابداعي الا ان تجاربهم لم يكتب لها الحياة في التواصل عبر سنوات المسيرة الابداعية وانما بقيت في حدود المحاولات التجريبية الاولى للكتب فيما كانت بالنسبة لحنون مجيد شكل مختلف ، اذانها قضية فنية وفكرية ابداعية ، طور من خلالها ادواته الفنية وجرب اشكالا اخرى ليؤكد للمتلقي انه القادر على الكتابة في الفنون السردية الاخرى الا انه يتمسك بالفن الاصعب ، وهذا خيار ابداعي ورهان فني مع الذات الابداعية التي تنتصر للقيم الجمال والابداع .ويبقى علينا الاجابة عن الشق الثاني من السؤال من يقرأ هذه النصوص ؟. او هل هناك متلق يهتم بمتابعة هذا الفن ؟. يرتكب خطأً فادحاً من يظن او يتوهم عدم وجود قارئ لهذا الفن الابداعي وانما يكاد يكون هذا الفن من متطلبات هذا العصر لانه يمثل نبضه وايقاعه ، ولاسيما ان انسان هذا العنصر قد اخذته وسائل الاتصال الحديثة  الى ابعد مدى من الاختزال والتكثيف في الجملة  ، حتى صارت الجملة الاخبارية برقية وامضة لاتقبل الشرح والتفسير والاطالة ، وكأن هذه الوسائل تعيدنا الى الجملة البرقية التي اقترنت بالكاتب الكبير ارنست همنغواي حين كان يعمل مراسلا حربيا حيث تطلب منه ظرف الاتصال البرقي انذاك اختزال جملته واعطاها نسقاً ووظيفة اخبارية خاصة ، من هنا فان المتلقي اليوم الذي تأخذ الوسائل الاتصالية معظم وقته اقرب الى التفاعل مع هذه النصوص وعازما بشكل كبير من النصوص الطويلة التي تحتاج الى الكثير من فائض الوقت .فقد اصبحت جملة حنون المكثفة والمعبرة هي الاقرب لملامسة عقل واهتمام ومشاعر هذا الجيل الذي يعيش عصر الثورة الاتصالية الحديثة وتطورها وتقدمها التكنولوجي السريع ، حيث اقترب في نصوصه القصصية القصيرة جدا من التغريدات التي يطلقها الجيل الجديد او كل مستخدمي تويتر وفيسبوك ، وهو ليس اقتراباً بمعنى المسايرة او التقليد وانما العكس هو ابداع من اجل تطوير تلك الحقول لذلك تأتي جملته الفنية معبرة شفافة صادقة نابعة من القلب وتدخل الى القلب مباشرة من دون تعثر او حاجة الى وسائط منعشة .فقد سعت هذه النصوص القصصية الى رسم وتحديد ملامح حقب تاريخية مختلفة بجمل مكثفة لاتتعدى اكثر من عشرين او ثلاثين كلمة في ابعد تقدير وفي احيان اخرى لاتتجاوز العشر كلمات ، حيث ان مايفعله المبدع في نصه من كثافة لخلق الصورة والتوثيق وزخم الافعال لايمكن ان يتحقق لدى الباحث او المؤرخ لتلك المراحلى الابكم كبير من الاوراق وهذه هو سر الصنعة والحرفة الابداعية المميزة .قراءة هذه النصوص القصيرة للكاتب المبدع والكبير في تواضعه  حنون مجيد  لاتشكل ترفا بحد ذاته لدى المتلقى وانما هي ايضا متعة جمالية بكل اشكالها المتعددة وتنوع موضوعاتها الاجتماعية والسياسية وهو حسنا فعل حين طبع هذه القصص ووضعها في كتاب صغير ” كتاب جيب” كبير في قيمته ، وذلك ليتيح مساحة اوسع لاشــــاعة هذا الفن الابداعي الصعب.