رحلة قنص أخيرة ـ حميد ركاطة

رحلة قنص أخيرة ـ حميد ركاطة
وهو ملقى على سرير الموت، كانت أمنيته أن يطلق عيارات أخيرة من بندقيته الجديدة التي كان قد اشتراها بثمن باهظ جدا، لكن المرض لم يسعفه ولم يمهله فرصة لتجريبها ،ظل ينظر إلى بريق لمعانها ويداه جامدتان ثقيلتان لا تقويان على الحركة، انسابت دموع دافئة من عينيه وانطلق صوت حسراته عاليا ليكسر رتابة الصمت والألم اللذان يلفانه ويقضان مضجعه، شعر بحرارة تغزو بدنه العليل وبالألم يدب شيئا فشيئا في حناياه استسلم في يأس أحس بأنهم جميعا أبناؤه، زوجته الثانية، أولاده، خدمه وأصدقاؤه خانوه وتخلوا عنه، بل تخلصوا منه في وقت واحد طمعا في الحصول على بوليصة التأمين، كان يشعر بالغيظ والغبن والاحتقار، لم يستسغ النهاية المؤلمة ولا التخاذل الذي مورس بحقه من طرف الجميع.
تنحى ببصره ناحية النافدة التي كان النسيم يتلاعب بستائرها، يدغدغه تارة ويداعبه تارة أخرى،أثار انتباهه شيء ما كان متدليا وراء الستارة يتحرك يمنة ويسرة، يسحب الرداء إلى الأسفل يعيق الحركة العجيبة، حاول النهوض، حاول الصراخ والبكاء بأعلى صوته لكنه كان عاجزا بشكل مطلق.
تسمرت عيناه وهدأت حركته، ترك حواسه ترشده نحو طريد ته المحتملة ، يتساءل عن ماهيتها شكلها انتابه الخوف لأن يديه فارغتان من السلاح ود في التراجع عن مغامرته الجديدة لكن شيئا ما كان يدفعه إلى الاستمرار في ملاحقتها، الاستسلام ليس من شيمه أحس بقوة تدفعه إلى المطاردة والاستمرار في الترقب ، فلاح له خيال فريد يتسحب يمنة ويسرة بسرعة خاطفة، اعتقد في البداية إنها مجرد ظلال لا أقل ولا أكثر لكن حرصه الشديد على فك اللغز قاده إلى حقيقة أخرى الظلال لا تتحرك في كل الاتجاهات ترى ما هو هذا الشيء الغريب الذي يتجول في الغرفة المحظورة على الجميع هب الريح بقوة فتعالت الستارة إلى الأعلى مطوحة بالشبح الأسود الذي ترامى على باب صوان صغير محدثا دويا صاخبا فلاحظ الرجل القط الضخم وهو يحاول الهروب من الغرفة من نفس المكان الذي قدم منه نط عاليا فسحب الستارة من جديد فأصاب البندقية التي سقطت بدورها على الأرض وانطلق من فوهاتها عيار طائش أصاب القط وألقاه صريعا، صرخ المريض وتعالى بكاؤه التف حوله أولاده ومن كان معهم بالمنزل بسرعة، فوجدوه ملقى على حافة السرير يمسح بيديه رأس القط المسكين وهو مدرج في دمائه، أمسك بالبندقية وألقى بها من النافذة فسمع انطلاق عيارات أخرى في الخارج…أسرع كل من كان بالغرفة نحو النافذة فنهض الرجل وحمل القط المسكين وهو في حالة أسف وأسى شديدين، تمنى لو أن أمنيته في رحلة قنص أخيرة لم يتحقق متناسيا أنها أعادته إلى حالته الطبيعية.
انتبهوا إلى كون أبيهم شفي فجأة من شلله ظلوا صامتين للحظة تم قرروا اغتياله بنفس البندقية…
AZP09