رائد قاسم وحياة الرسم.. لوحات ترسّخ نفسها في الذائقة

رائد قاسم وحياة الرسم.. لوحات ترسّخ نفسها في الذائقة

بغداد- طيبة الجنابي

هذا ما جاء به الفنان والرسام التشكيلي العراقي رائد قاسم كعنوان لاحدى  لوحاته التي تتسم بالفن الساخر مدججة بقضية هي الاشهر من نوعها والاكثر شعبية في الاوساط العراقية .

رائد قاسم من مواليد برج الدلو ،موصليّ الولادة والنشأة ، لم يكن أمامه بعد الخراب الذي حل بمدينته ووطنه سوى الهجرة والاغتراب .

انه احدٌ الكثيرين الذين اجحد الوطن بحقهم وسلمهم زمام الحيرة والغربة ليخوضوا به ،شأنه في ذاك شأن أسلافه الفنانين والموهوبين الذين لم يجدوا مساحة آمنة داخل جغرافيا الوطن .هذا من جهة ،من جهة اخرى بيد ان امتهان الوطن للدمار والحروب اداة جيدة هي الاخرى لتعزيز مواهب ابنائه وبيد ان رائد احد القلائل الذين اسعفتهم ارادتهم لاستئناف الموهبة بلا رادع.

في حوار صحفي اجريته معه ،يقول رائد انه تلقى الاشادة بالموهبة من اخيه الاكبر ،فقد كان يحاول السير على خطاه في خيالاته ورسوماته ،حتى توفاه الاجل ،فاصبح ذلك دافعا كبيرا له للاستمرار وولوج الفن من اوسع ابوابه .فقد صار فيما بعد يستخدم خيالاته في الرسم بالاضافة الى محاولاته في رسم بورتريه لشخصيات اغلبها كانت من العائلة والاقارب والاصدقاء .لقد ساعدهُ ذلك كثيرا .

عندما حوصرت مدينته (الموصل) من قبل جماعات ارهابية كان لايزال للتو يبدأ مشواره الدراسي على مقاعد كلية الفنون الجميلة . لم يستطع الصمود اكثر من أشهر معدودة .بعدها سافر الى تركيا وهناك تلقى الدعم الكافي ،بالاضافة الى توافر حاضنة جيدة خارج القطر لهذا النوع من الفنون . رسامون كثر حاولوا استيعابه وتقديم يد العون .شارك بعدها في معارض عديدة في تركيا وكانت هذه خطوة جيدة أختزلت أمامهُ بعض العقابات . بعدها انطلق في مسيرته بلا هوادة ،شارك في كورسات خاصة بالرسم بالاضافة الى مرسمه الخاص في البيت والذي كان يقضي فيه معضم الوقت .ليس هذا وحسب فقد حاول رائد جني المال الذي يحتاج اليه في شراء مواد الرسم من ممارسة الخياطة ،فقد كان يعمل اكثر من احدى عشرة ساعة في اليوم لتوفير مبالغ الرسم ومتطلبات الحياة ، والحق انه كان بارعا وشديد الاصرار على النجاح ،إذ انه لم يكن هناك مجالا للفشل لاسيما وانه طوال عام ونصف كان بعيدا عن عائلته التي تركها وراءه في مدينته الموصل ،ورغم ما يعتريه من غصة تلو اخرى لما آل اليه حال الوطن والعائلة بشكل خاص فقد استخدم رائد اعمق الوسائل واكثرها شفافية ودقة للتعبير عن معاناته ،فتارة بالرسم واخرى بكتابة الشعر والقصص وتأليف المسرحيات.

يبدو انه حاول قدر الامكان تقليل الفجوة التي خلفتها آثار الدمار والحروب التي طالت محطات حياته ،بواسطة الرسم بشكل خاص . فالرسم هي الاداة الاشمل التي بمقدورها اسعاف من لا وطن له ! أن تكون مغترباً ذلك ليسَ بالامر السهل على أية حال .

تميز أسلوب رائد بالبساطة والعمق ،كل لوحة تشعر أن لها روحها الخاصة ..هي بالضبط أشبه بالكائنات الماورائية ،فيها من اللغز والايضاح ما يجعلك عاجزاً عن سبر غورها ورهيناً لتفاصيلها الشفيفة في ذات الوقت .

حاول رائد من خلال لوحاته التعبير عن حسٍ فطريّ بالجمال .كان يحاكي جميع الطبقات بلا استثناء .

تعتبر لوحته (حكومتي تخدع شعبي بوعودها الكاذبة وبلدي يحترق) من أكثر اللوحات التي سببت جدلاً ،حاول رائد من خلالها الصراخ والزمجرة والاستهجان لكل ما يراهُ مخالفاً للانسانية بوعودٍ كاذبة تارة ،وسرقات متتابعة لاموال الشعب تارة أخرى .لقد وقف رائد مع الرغيف المهترئ في ايادي الفقراء ، في صف الانسانية تماماً ضد من لا إنسانيه له .

وليس هذا بالامر الغريب على أية حال ،فلطالما شهدنا محاولات لا تُعد ولا تحصى من قبل أناس لم تثنهم الظروف السيئة عن مواصلة تحقيق احلامهم .ولعل أغلب هذه المحاولات هي محاولاتٌ ناجحة بلا شك .