رئيسة القسم الألماني في كلية اللغات .. إنعكاسات الحروب والكوارث على مراحل الأدب

رئيسة القسم الألماني في كلية اللغات ..  إنعكاسات الحروب والكوارث على مراحل الأدب

حاورها: فوزي الهنداوي

بعد الأدب الألماني أحد أهم الآداب الأوربية إن لم نقل العالمية ، وهو ليس مجهولاً من القراء العرب الذين يعرفون بعض رموز الأدب والفن الألماني أمثال بريخت وهيرمان هسه وغونتر غراس وغيرهم.

ما يميز الأدب الألماني عن غيره احتراقه في أتون الصراعات والحروب والأزمات والنكبات منذ عصر النهضة وحرب الثلاثين عاماً ، حتى الحربين العالميتين الأولى والثانية وتقسيم ألمانيا وسور برلين. كل تلك الكوارث انعكست بشكل أو بآخر على الأدب الألماني ، فكيف كان ذلك الانعكاس وما مدى تأثيرات الحروب في اجناس الأدب الألماني ومن هم أعلامه ورموزه واتجاهاته ؟

لتسليط الأضواء على مسارات الأدب الألماني وتحولاته ، كان هذا الحوار مع رئيسة قسم اللغة الألمانية بكلية اللغات – جامعة بغداد الأكاديمية نجاة عيسى حسن الحاصلة على شهادة الدكتوراه في الأدب الألماني من إحدى جامعات ألمانيا.

{ هل من الممكن تسليط الأضواء بإيجاز على جذور الأدب الألماني ؟

–        كانت اللغة اللاتينية في هي اللغة الأساسية في العصر الوسيط الأول والثاني، ولذلك فكل الكتابات التي وصلت مكتوبة باللاتينية.

وكان القرن الثامن بعد الميلاد هو بداية ظهور هذه الكتابات باللغة الألمانية ، وهي لغة تكونت من اللغات الألمانية القديمة ، وتطورت هذه اللهجات فيما بعد لتصبح لغة العصر الوسيط بظواهرها المختلفة. وكانت أغلب النصوص مكتوبة باللغة اللاتينية، أما النصوص التي كانت تكتب باللغة التي كان الشعب يفهمهــــا وكــــان يطلق عليهــــــــا Theodiscalingcaفهــــي قليلــة مقارنـــــة بالنصــــــوص اللاتينية وتطورت كلمة Theodisca اللاتينية لتشتق منها كلمة ألماني deutsch ولذلك فإن كل النصوص المكتوبة بالألمانية التي تعود إلى تلك الفترة تندرج تحت مفهوم الأدب الألماني حتى لو كانت نصوصاً سياسية أو دينية. وتركزت تلك النصوص آنذاك على مجالات الحياة الأساسية مثل الدين والقانون وحياة المحاربين ، وهكذا كان لها علاقة مباشرة بالتاريخ. وتعد مخطوطة القدماء أو أغاني أده Lieder–Edda من أشهر المخطوطات التي تعود إلى ذلك العصر وأكبرها حجماً.

أما أنشودة الأبطال (هيلدبرانت) Hilde Brandslied  فهي الأنشودة الوحيدة التي وصلت مكتوبة باللغة الألمانية القديمة ، وهي تعود إلى النصف الأول من القرن التاسع الميلادي.

وفي فترة حكم كارل الأكبر(شارلمان) كتبت بعض النصوص الدينية كنصوص الإنجيل باللغة الألمانية القديمة إلى جانب تأليف بعض المعاجم بها وظهور قصة الخلق أو التكوين وقصيدة (هلياند) التي تقدم حياة السيد المسيح للعالم الجرماني وقصيدة (نشأة العالم) وكلها مدونة في القرن التاسع الميلادي.

وتعد (رودليب) أول رواية ألمانية في منتصف القرن الحادي عشر، وتدور أحداثها حول حياة القصور عبر تصوير حياة فارس نبيل. أما أول شاعر ألماني في ذلك العصر فهو (اوتغريد فون فيسنبورج) الذي كتب الهارمونية الانجلية بكتبها الخمسة.

{ يرصد مؤرخو الأدب العديد من الملاحم في الأدب الألماني .. ما أبرزها ؟

– يزخر الأدب الألماني بالعديد من الملاحمأو الانشودات لعل من أبرزها أنشودة (إيزو) التي تقدم موجزاً تاريخياً للعالم ، وقصيدة (أذكر الموت) التي تطالب الناس بالزهد في الحياة وتذكرهم بالآخرة ، وهناك ملحمة أو أنشودة (أنو) التي ترو قصة خلق العالم إضافة إلى الملحمة التاريخية (تاريخ القياصرة) وملحمة الاسكندر التي كتبت على غرار النموذج الفرنسي ، وجاءت بعدها ملحمة (رولاند) التي نسج فيها مؤلفها القس كونراد على منوال الملحمة الفرنسية الشهيرة (أغنية رولاند). كما كتبت قصص وحكايات شعبية كثيرة تغنى بها المغنون لتسلية النبلاء ومنها ملحمة الملك روتر.

ولابد من الإشارة إلى ملحمة (هيلد براند) وملحمة (النيبلونجن) التي تحتوي على أكثر من ألفين وثلاثمئة مقطع ، تصور 39  مغامرة في جزأين يطلق عليهما ملحمة (فريجفريد وملحمة بورجوند).

وقد اثرت بصور مختلفة في ملحمتين أخريين هما ملحمة الشكوى وملحمة كودرون.

التعبيرية الالمانية

{ شكلت التعبيرية أحد اتجاهات الأدب الألماني خلال القرن العشرين ، بماذا تعلقين على ذلك ؟

– في بدايات القرن العشرين انطلقت المدرسة التعبيرية من ألمانيا إلى البلاد الأوربية ، ويمكن أن نعد كلاً من : جورج بوشنر وفرانك فيدكند من رواد هذه الحركة.

وقد استند أدباء التعبيرية الألمان إلى الأدباء الروس مثل تولستوي ودوستوفسكي كما أثرت الأعمال الشعرية للشاعر الفرنسي رامبو وبودلير بشكل حاسم في الأعمال الشعرية المبكرة لأنصار التعبيرية في ألمانيا.

وعاشت التعبيرية الألمانية كأوضح ما تكون فوق المسرح ، وبسبب تأثير الحرب العالمية الأولى تحول أدب التعبيرية إلى أدب سياسي ثوري.

وظهر الاتجاه إلى العدمية وإلى تشوية القوالب المتوازنة بدرجة تصل إلى حد الغرابة بشكل واضح في حركة الدادية حيث قدم هوجو بال مثالاً على ذلك بقصيدة فارس النهر والسمك الطائر.

وفي عام 1912 شهدت برلين احتفالاً حماسياً بمؤسس المدرسة المستقبلية الإيطالي توماسومارينتي الذي نقل المستقبلية من الفنون التشكيلية إلى مجال الأدب. أما أبرز أدباء التعبيرية في ألمانيا فهم : أونست بارلاخ ، جوتفريدين ، جورج هايم ، جورج كايزر، لاسكرشولد ، كارل شتر نهايم ، أونست توللر، فرانس فرفل ، جورج تراكل.

{ ما هو موقع هرمان هـسه في الأدب الألماني؟

– هرمان هسه أحد رموز الأدب الألماني في القرن العشرين ، وقد أصدر في عشرينيات ذلك القرن جزءاً كبيراً من أعماله التي يقال عنها في أغلب الأحيان أنها (رومانسية جديدة) ، وتبنى هسه المعارف التي وصل إليها المحلل النفسي يونغ. وكان كثيراً ما يبرز في رواياته أزمة القيم البرجوازية من خلال تصويره لشخصية تعيش منعزلة ، وقد ظهرت رواية (دميان) وقصة شباب أميل زنكلير في عام 1919 مجهولة المؤلف.

وتبرز هذه الرواية تأثير الحرب في المجتمع. أما رواية (ذئب البراري) فتصور إنساناً يعيش صراعاً بين الفن والعالم البرجوازي مما يجعله ممزقاً يصف نفسه بالفصامية ، وتوضح هذه الرواية كيف وظف هسه التحليل النفسي في عمله الأدبي. وقد حصل هسه على جائزة نوبل في الأدب عام 1946 ? ومن أهم أعماله : تحت العجلة ، دميان ، قصة شباب أميل زنكلير، سيد هارتا ، ذئب البراري ، لعبة الكريات الزجاجية ، نرجس وجولدموند.

{ كيف انعكست أحداث سقوط جدار برلين وتوحيد البلاد في الأدب الألماني ؟

– كتب الكثير عن مأساة تقسيم ألمانيا وبناء السور وعن مآسي التطبيق الاشتراكي الفاشل وجرائم المخابرات السرية ، بما يعني العودة إلى القضية المتجددة وهي محاسبة الذات عما يحدث ومناقشة القضية الشائكة في علاقة الكاتب بالسلطة.

وتجلى هذا في روايات ويوميات ومذكرات وثائقية للكاتبة المعروفة كريستا فولف في روايتها (ما يبقى) وأعمال الكاتبين راينر كونسه وأريش لوست والكاتبة مونيكا مارون في روايتها (السطر السادس الصامت) إضافة إلى العديد من الأعمال الأخرى مثل : بلاد المرآة ، أنا ، كشف حساب شباب في برلين ، تحت اسم نورما.

وشارك أدباء ألمانيا الغربية في تصوير الأحداث التاريخية الخطيرة فكتب بيتر شنايدر روايته (فصل) عن تعامل جيل الشباب مع التقسيم وإعادة التوحيد ، كما ظهرت مسرحية (الكورال الأخير) لبوتو شتراوس التي تدور أحداثها في الليلة السابقة على انهيار سور برلين ، ومسرحية (الغربيون في فيمار) إلى جانب روايتين ضخمتين للكاتبين مارتن فالذر (دفاع عن الطفولة) ، وغنتر غراس (حقل واسع) وديوانين للشاعر جرونياين وهما : درس على أساس الجمجمة وتجاعيد وقصائد.

غراس ينتقد توحيد المانيا

{ ما موقف غونتر غراس من قضية توحيد ألمانيا ؟

– كان غراس احد الذين انتقدوا إعادة توحيد ألمانيا ، ووصفها بقوله أنها (بيع للأخلاق) ، وهو الذي قد كتب في عام 1958 روايته الضخمة (الطبل الصفيح) التي أرخ فيها لفترة ما قبل الحرب وبعدها.

وفي عام 1995 نشر غراس كتابه (حقل واسع) وهي رواية تمتد عبر مساحة زمنية عريضة. وأثارت هذه الرواية في الشرق والغرب أصداءً قوية ومتباينة ، فبينما رأى الألمان الشرقيون فيها صورة مطابقة لحياتهم ، اخذ الألمان الغربيون على غراس أنه لم ينتقد بالشكل الكافي الوسائل التي اتبعها جهاز المخابرات في ألمانيا الشرقية (الشتاسي).

{ كيف ترين حركة ترجمة الأدب الألماني إلى اللغة العربية ؟

  • هناك جهود جيدة لتعريف العرب بالأدب الألماني إلا أنها لا زالت دون الطموح، لقد ترجمت أعمال مهمة في المسرح والشعر والرواية ، ففي الشعر عرف القارئ العربي أعمالاً متكاملة أو نماذج مختلفة من شعر غوته وشيللر وبعض الرومانسيين حتر رلكهوجورجه وشعراء التعبيرية وشعراء ما بعد الحرب العالمية الثانية، وفي المسرح أمكن مشاهدة مسرحيات ألمانية حديثة ومعاصرة في العديد من العواصم العربية ، كما أتاحت سلاسل الترجمات عن المسرح العالمي الاطلاع على نصوص مهمة لشعراء وكتاب مرموقين بدءاً من ليسنج وغوته وشيللر وكلايستوها وتيمانو دورنمات وبيتر نايس وهانيسميللر ودورست وغيرهم.

وفي الرواية ترجمت روايات لكتاب ألمان مثل توماس مان وهرمان هسه وستيفان تسفايجوهينرث بول وغنتر غراس وهانركهوسوسكيند.

{ ما هي آخر أعمالك في حقل الترجمة عن اللغة الألمانية ؟

– انتهيت مؤخراً من ترجمة مجموعة قصصية للكاتبة الألمانية المعروفة أنا زيجرس المولودة في برلين عام 1900 وحصلت على شهادة الدكتوراه عام 1924 برسالة عن الفنان الهولندي ومبرانت ، ثم اضطرت للهرب عام 1933إلى فرنسا ومن ثم إلى المكسيك واشتركت في العديد من المؤتمرات المناهضة للفاشية.

وفي عام 1947 عادت إلى برلين الشرقية وتولت منصب رئيس اتحاد الكتاب في ألمانيا الشرقية. ومن أعمالها : ثورة الصيادين في سانت باربرا ، الصليب السابع ، ترانزيت ، الأموات يظلون شباباً ، الفرار، الثقة.

وتعد زيجرس كاتبة ملتزمة بالقضايا السياسية حتى أثناء بقائها في المهجر. تدور أعمالها حول المهجر والمقاومة الشيوعية للنازية ، كتبت عن الأوضاع الكئيبة للمهاجرين وفراغ كل شيء من المعنى بسبب الاغتراب عن الوطن والشعور بعدم اليقين من المستقبل.

{ ماذا عن قسم اللغة الألمانية وطبيعة الدراسة فيه ؟

– قسم اللغة الألمانية من الأقسام المتميزة في كلية اللغات ويعود تاريخ تأسيسه إلى عام 1959 حين كان فرعاً في معهد اللغات العالي وكانت هيئة التدريس فيه تتكون من أساتذة ألمان ثم تحول إلى قسم يمنح شهادة البكالوريوس في اللغة الألمانية وفي عام 1994 تم فتح الدراسة المسائية والدراسات العليا فيه.

تخضع مناهج الدراسة في القسم إلى معايير محددة أبرزها تقييم مستوى الطالب لغوياً ومراعاة المعايير الأوروبية في تدريس اللغات الأوروبية.

يضم القسم حالياً أكثر من 276 طالب وطالبة فيما تتكون هيئة التدريس من 22 تدريسياً من مختلف الألقاب العلمية ، وينجز العديد من الفعاليات الثقافية والفنية في مجالات اللغة والأدب والثقافة ، ويشارك أساتذته في المؤتمرات العلمية داخل البلد وخارجه ويساهمون في الملتقيات وورش العمل التي تتعلق باللغة الألمانية.

ويضم القسم مكتبة علمية تحتوي على مئات المصادر والكتب والمراجع والقواميس والمطبوعات باللغة الألمانية متاحة أمام الطلبة.

وينسق القسم مع مؤسسات أكاديمية ألمانية مثل مؤسسة داد ومعهد غوته بهدف التعاون الثقافي والعلمي لرفع مستوى طلبة القسم وتطوير مهاراتهم اللغوية والثقافية.